عبرت الفترة المكية الأولى عن تسديد الله لنبيه صلى الله عليه وسلم وهو يبدأ خطواته الباكرة نحو تبليغ رسالة الله إلى الذين اختارهم بدقة وتوفيق منقطع النظير، وأول ما تلاحظ وأنت تقرأ وتدقق في سيرة تلك الأيام المباركة، أيام الدعوة الأولى، أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا كل من يعرف عنه القابلية للاستجابة، كانت الدعوة في تلك المرحلة في حاجة إلى من يؤمنون بها، لا من ينكرونها وهي لا تزال غضة طرية، فدعا الذين توسم فيهم الخير ممن يعرفهم ويعرفونه، واختار بعناية وتوفيق كل الذين دعاهم إلى الإسلام، فقبلوا جميعاً دعوته، بلا استثناء واحد، وتشكلت بهم النواة الأولى للإسلام.

كانت الخصال الكريمة هي أساس الاختيار، وكانت القاعدة خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام، كانوا مهيئين بحسن الخلق لتقبل دعوة الإيمان: ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار (آل عمران: 193)، فتلاقت خصالهم القويمة مع الدعوة الإسلامية، وكان الخلق الحسن هو بوابة الدخول إلى الدين الصحيح.

لم يكن الاختيار على أساس عائلي، ولا كان على أساس قبلي، بل كانت الدعوة عابرة للعائلات والقبائل، فرأينا في الرعيل الأول مسلمين من بني هاشم وآخرين من بني مخزوم على العداوة المشهورة بينهما، ورأينا مسلمين من كل بطون قريش، من بني تيم وبني سهم وبني أسد وبني الحارث، وكان أبو جهل زعيم قبيلة مخزوم هو العدو الأول للإسلام ولنبي الله وكان فرعون هذه الأمة كما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الوقت الذي كان فيه الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي هو صاحب دار الدعوة التي يجتمع فيها المسلمون الأوائل.

تحرير الإنسان

ولم تكن الدعوة إلى الإسلام تقوم على أسس تراعي الوضع الطبقي، ولم يستهدف النبي صلى الله عليه وسلم العبيد كما يحاول البعض أن يصور الدعوة، فقد أسلم من أشراف قريش أكثر مما أسلم من عبيدها ورقيقها، وقد اشتهرت أسماء الموالي والأرقاء الذين اسلموا في بداية الدعوة لأن الأشراف الذين أسلموا في تلك الفترة الباكرة من عمر الدين الجديد منعتهم قبائلهم من أن ينالهم الأذى وينكل بهم كما حدث مع الموالي والعبيد الذين شرح الله صدورهم للإسلام.

ولم يقتصر ذلك على الرجال، فلم تكن الدعوة خاصة بالرجال في مجتمع يقيم وزناً خاصاً للرجولة، ويضع المرأة في وضع أقل، بل كانت النساء أسبق إلى الإسلام من كثيرين من الرجال، ورأينا إسلام خديجة وبناتها وزوجة أبي بكر وابنته أسماء، وأخت عمر بن الخطاب، وسمية أم ياسر بن عمار وغيرهن.

ولا هي اقتصرت على العرب، حتى في هذه البيئة التي تفتخر بعربيتها، فقد دخل الإسلام في أيامه الأولى بلال الحبشي وصهيب الرومي، ودخله من بعد سلمان الفارسي، وستدخل بعد ذلك كل العرقيات من فرس ورومان وسلاجقة وأتراك وأكراد وغيرهم، لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى.

كانت قضية دعوة إلى الله، ولم تكن ثورة الفقراء على الأغنياء، وإن وجد فيها الفقراء احتضاناً لهم، ولم تكن ثورة لتحرير العبيد، وإن وجد العبيد فيها تحريراً لهم من رق العبودية لغير الله، فكان الإسلام ثورة لتحرير الإنسان من كل عبودية لغير الله المستأهل وحده للعبادة، وكانت دعوة للخروج على كل تصنيف يضع الناس في قوالب تمنع تزكية نفوسهم، كان فيها من أشراف مكة وأغنيائها الكثيرون، ولعل مراجعة للأسماء التي أسلمت في أول الدعوة تضعنا في عكس الصورة التي يحاول البعض تمريرها، من أنها كانت ثورة الضعفاء على الأقوياء، وثورة الفقراء على الأغنياء، وانظر في أسماء المسلمين الأربعين الأوائل، تجد أن الفقراء كانوا ثلاثة عشر، بينما كان الأغنياء سبعة وعشرين، بنسبة تزيد على الضعف.

توجه صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى كل الناس من دون تفريق بينهم بسبب الموقع الطبقي أو الوضع الاجتماعي أو موقعهم في سلم المراتب القبلية، وأسقطت الدعوة النبوية كل تلك الاعتبارات البالية فكان نور الإسلام يتخلل قلوب المتعطشين إلى الحق الباحثين عن الحقيقة، وينساب إلى النفوس الطيبة، والعقول النيرة، والقلوب الطاهرة التي شرحها الله إلى الخير.

سرية الدعوة

وظل نور الحق يشق ظلام الليل الطويل من تلك الجاهلية العمياء، واستمرت الدعوة سرية حوالي ثلاث سنوات، على سنة التدرج، ودخل في دين الله من شرح الله صدره لنور الإسلام، وكانوا قلة يومئذ، ومضت الدعوة فردية، تقوم على اختيار العناصر التي تصلح أن تتكون منها الجماعة المؤمنة، التي ستنهض إلى دعوة الخلق إلى دين رب العباد، والتي ستكون على عاتقها إقامة دولة الإسلام، والتي ستقيم حضارة ربانية ليس لها مثيل.

كان نور الإسلام يشق ظلام الجاهلية بتوفيق من الله وتسديد منه، وكان صلى الله عليه وسلم يبدأ بتعليم المسلمين الجدد الإيمان، وظل ذلك منهجه الذي يعمل به على طول مسيرته في الدعوة إلى الله، كان يعلمهم أمور العقيدة أولاً، ثم يعلمهم ما يحتاجونه من أمور الدين الأخرى بعد أن يستقر الإيمان في قلب أحدهم.

وانظر إلى قول ابن عمر رضي الله عنهما: كنا نتعلم الإيمان قبل القرآن، وإذا أردت تفصيلاً أكثر فاقرأ رواية أخرى للحديث نفسه، يقول ابن عمر: لقد عشنا برهة من الدهر، وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة فنتعلم حلالها وحرامها، وزواجرها وأوامرها، وما يجب أن يوقف عنده منها، ولقد رأيت رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته لا يدري ما أمره ولا زاجره، وما ينبغي أن يوقف عنده منه، فينثره نثر الدقل.

استمر النبي صلى الله عليه وسلم على هذا المنهج في التعامل مع الدعوة إلى الإسلام، وانظر في قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل وهو يبعثه إلى أهل اليمن فيوصيه: إنك ستقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه توحيده تعالى، فإذا عرفوا ذلك، فأخبرهم بأن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، والخلاصة أن تعليم الإيمان يسبق تعليم الفرائض، لأن الإيمان إذا أصاب حشاشة القلب أصبح الباقي مجرد تفاصيل، والمؤمن الحق لن يسعه إلا الائتمار بأوامر الله والانتهاء عند نواهيه، ومراعاة حدود الله في كل عمل يؤديه.

ولا يغيب عنك في هذا المقام قول جندب بن عبدالله رضي الله عنه: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً، فتيان قاربوا البلوغ، حزاورة، مراهقون، يتعلمون الإيمان أولاً، ثم يتعلمون القرآن ليزدادوا إيماناً فوق إيمانهم.

ولم يكن اشتغال المسلمون الأوائل بالقرآن كاشتغال بعضنا اليوم به، فقد كانوا لا يقتصرون منه على تجويد تلاوته، وضبط مخارج حروفه، ولا على الاستكثار من سرده، والإسراع في قراءته، بل كان همهم دراسته وفهمه، ومعرفة أمره ونهيه والعمل به في كل أحوالهم.

بناء العقيدة

كان الأساس الأول هو بناء العقيدة الصحيحة والاهتمام بالجانب الروحي وتعميق البعد الإيماني، وكان أول ذلك كله أن يعرف المؤمنون ربهم حق المعرفة، فنزلت السور التي تتحدث عن صفات الله عز وجل وقدرته وعظمته وجبروته ورحمته وتتحدث عن كونه وخلقه وإعجازه، وكان مطلوباً لهم في تلك المرحلة الباكرة من عمر الدين الجديد أن يعرفوا الآخرة وما فيها من جزاء: ثواباً أو عقاباً، فنزلت السور التي تتحدث عن الجنة والنار، ونزلت السور التي تعمق القيم الأخلاقية، وتزكية النفوس، وتطهير القلوب من المعاصي والآثام، وتعظيم مكارم الأخلاق، حتى يكون التأسيس متيناً سليماً نظيفاً صالحاً، لا اضطراب فيه ولا غموض.

وكان من أول ما يتعلمه المسلم الإيمان، ودراسة ما تيسر من القرآن، وكان ملزماً منذ البداية بالصلاة، ولم يكن المسلمون يصلون بين ظهراني الناس، فكانوا يتخفون في الشعاب والأودية إذا أرادوا الصلاة، وذكر ابن هشام أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا إذا حضرت الصلاة ذهبوا في الشعاب فاستخفوا بصلاتهم من قومهم، وقد حدث أن سعد بن أبي وقاص كان في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعب من شعاب مكة إذ ظهر عليه نفر من المشركين وهم يصلون، فناكروهم، وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم، فضرب سعد بن أبي وقاص يومئذ رجلاً من المشركين بلحي بعير فشجه، فكان أول دم أهريق في الإسلام، ومن بعدها اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم عند الصفا مقراً لتجمع المسلمين، ومدرسة لتلقي كل جديد من الوحي، فكانوا يقيمون الصلاة فيها واستمروا كذلك ثلاث سنين أو تزيد.

دار الأرقم

كان اختيار النبي صلى الله عليه وسلم لدار الأرقم داراً للدعوة وللتربية والتزكية في أول الإسلام اختياراً موفقاً إلى أبعد الحدود، فقد كان الأرقم فتى صغيراً لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، ولم يكن يدور بخلد المشركين أن تكون تلك الاجتماعات الخطيرة في بيت هذا الشاب الصغير، كما أنه لم يكن معروفاً بإسلامه، وفضلا عن ذلك فهو من بني مخزوم، وهي القبيلة التي تحمل لواء التنافس والحرب ضد بني هاشم، وكان بيت الأرقم عند الصفا، بعيداً عن حركة المارة المتكررة، ولم يكن حوله بيوت كثيرة يمكن أن تطلع على ما يجري فيه، فما كان يخطر ببال أحد أن يتم لقاء محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه بدار هذا الفتى المخزومي، وكان طبيعياً أن تتجه الأنظار إلى بيوت كبار أصحابه، إن لم يكن بيت النبي صلى الله عليه وسلم، أو دور بني هاشم. وكانت مهمة الدعوة ملقاة على عاتق كل المؤمنين، كل بحسب الدوائر التي يستطيع أن يصل إليها، وكانوا يبدؤون بأهلهم، فجاء معظم المتزوجين بزوجاتهم، وأسلمت أسر في أول أيام الدعوة، وكان رصيد هذه الدعوة بعد سنوات ثلاث من بدايتها، أربعين رجلاً وامرأة، ويتضح من استعراض الأسماء أن السابقين الأولين إلى الإسلام كانوا خيرة أقوامهم، من جميع بطون قريش.

لم تكن الدعوة عامة، ولم يجهر بها النبي صلى الله عليه وسلم في المجامع والنوادي، إلا أنها عرفت لدى قريش، وفشا ذكر الإسلام بمكة، وعرف في بعض قبائل القرشية، وقد أتى حين على مكة وقد دخل الإسلام الكثير من بيوتها، وتحدث به الناس، وقد تنكر له بعضهم أحياناً، واعتدوا على بعض المؤمنين أحيانا أخرى، إلا أن قريشاً لم تكن قد أحاطت بعد بما يعنيه إسلام البعض من أبنائها، وقد ظنت أن هذا لا يعدو أن يكون مثل أفعال بعض السابقين الذين تنصروا أو اتخذوا الحنيفية ديناً.