الشارقة - عثمان حسن
كما هي الأبواب في اللغة، بوصفها دلالة مباشرة واستعارية لمعان كثيرة كذلك هي النوافذ، تطل على الخارج والداخل وتفصل بين مستويين وفضاءين، والباب والنافذة كلاهما جزء لا يتجزأ من المنزل أو البيت الذي يجسد العمارة العربية والإسلامية، بمثل ما يجسد العمارة العالمية والغربية أيضاً .
كانت استخدامات النافذة في الرسم والتشكيل معنية بإبراز العناصر القيمية والجمالية والتراثية التي تستقي مكوناتها من المفاهيم المتداولة في المكان أو البيئة وبشكل أوسع في المدينة والقطر والإقليم والثقافة السائدة في هذه الأماكن وهكذا .
والنوافذ، أو كما يطلق عليها "الشبابيك"، كانت على الدوام محل اهتمام المصممين والبنائين، من الناحية الزخرفية والجمالية، وقبل ذلك كانت مجالاً لشيء معنوي يعبر عن قيمة خلقية تعني حفظ أهل البيت وحجب أسرارهم عن الآخرين، لكي يتمكنوا من التجوال داخلها بحرية وراحة، كما جاء في الأبيات الشعرية:
(ناري ونار الجار واحدة وإليه قبلي تنزل القدر
ما ضر جارا لي أجاوره أن لا يكون لبابه ستر
أعمى إذا ما جارتي برزت حتى تواري جارتي الجدر) .
ما ذكر في الأبيات السابقة تم تداركه في التصاميم العربية والإسلامية، وهي جزء من العمارة التي تدين لهذا الامتداد الفكري والثقافي والروحي، الذي تطور في عصور الازدهار الإسلامي، وتميز في العمارة الأندلسية، كما تميز في المملوكية والتركية التي تركت أثراً ملحوظاً في العمارة المصرية وبشكل أقل في نظيرتها الشامية في حلب وغيرها من المدن الإسلامية .
أبدع الفنان العربي والمسلم في ترسيخ ملامح من فن العمارة التي تجاوزت الحدود لتعانق الجمال والفخامة، سواء في التفصيلات الخارجية أو الداخلية للمنازل والتكايا والمساجد ودور العلم، برزت العمارة الفاطمية والأندلسية، وشكلت ظاهرة عالمية في الإبداع الفني والهندسي، كما برز هذا الفن في تصميم المشربيات التي ظهرت مخرمة أو مزخرفة، وكانت تسمى "قمرية" إذا كانت مستديرة، و"شمسية" إذا كانت غير مستديرة، والمشربيات التي هي صورة تراثية وجمالية من صور النوافذ والشبابيك، صممت من الخشب المخروط كستائر للنوافذ، وكانت ذات فائدة في تخفيف حدة ضوء الشمس، وتمكين النساء من مشاهدة من في الخارج، من دون أن يراهن أحد، وأصبح ذلك طابعاً دارجاً من خصائص البيوت الإسلامية عبر التاريخ .
وللحديث عن ميزات النوافذ وخصائصها المعمارية، يتوقف المختصون عند عدد من العناصر، تكاد تكون مشتركة في الأثر الإسلامي، ومن ذلك، ما وثق من مزايا النوافذ في العمارة المملوكية والتركية، في سياق تناولهم لفترات مخصوصة من عمر هذه العمارة، في دمشق وحلب مثلاً، حيث زينت أكتاف النوافذ ونجفاتها بألوان متدرجة، كما نقشت زخارف مكونات هذه النوافذ التي غالباً ما تكون من الحجر بعدة أشكال نباتية وهندسية، واحتوت على ما يطلق عليه "المزررات" الملونة كعنصر تزييني فوق نجفات النوافذ والأبواب أيضاً .
في السياق ذاته، تؤدي النوافذ وظيفة مباشرة، إدخال نور الشمس والتهوية وإمكانية الرؤية من خلالها، وغالباً ما تصنع هذه النوافذ من الخشب الذي أبدعت العمارة العربية والإسلامية تزيينه وزخرفته، كما هو حال الزخرفة العربية في قرطبة وغرناطة ومراكش، والقيروان، وهنا، يمكن الإشارة لفن المقرنصات وهو من أبرز خصائص الفن المعماري الإسلامي، وهذه المقرنصات شملت الأبواب والشبابيك والمحاريب والسقوف والجدران وغيرها .
في موضوع التراث، ظهرت مجموعة من العوامل التي تعود في تاريخها لملامح الفن العربي والإسلامي، كما اختلطت بعض التصميمات التراثية بتزيينات وإبداعات اقتضتها ظروف وخصائص البيئة المحلية لكل بلد من البلدان، وهذا ينطبق على البيئة التراثية في الإمارات التي تميزت نوافذها باستخدام الخشب، وهو ما انعكس في مجمل الظاهرة الفنية التي أبدعت رسومات عديدة للنوافذ والأبواب، وفي هذا المجال يمكن الإشارة لتجربة الرسام والتشكيلي عبدالقادر الريس الذي كان أميناً في نقل الطابع التراثي لهذه النوافذ والأبواب، التي غاصت في عمق المكان وأصالة المنطقة، وتلمست تفاصيل دقيقة برزت في اللون، وغيرها من الجماليات التي تتميز بها البيئة المحلية .
كان يطلق على النوافذ اسم "الدرايش" في البيت الإماراتي القديم، ويقدم الباحث علي بن حسن وهو استشاري التراث في "نادي تراث الإمارات" دراسة عن الأبواب والنوافذ، نتوقف عند ما ذكره عن النوافذ بقوله: "أدت النوافذ دوراً مهماً في المنزل الشعبي القديم سواء أطلت على المنزل أو الشارع، وكان آباؤنا يزودون الحجرات بفتحات في الطوف لها وظيفتان، إدخال الضوء والتهوية في الصيف، تمرير أشعة الشمس في الشتاء" .
كما يتحدث ابن حسن عن المواد المستخدمة في النوافذ التي كانت تصنع من الأخشاب المحلية، على هيئة مستطيلة الشكل، يمر خلالها صف من قضبان الحديد الطولية المرتبة بشكل أفقي .
يقول ابن حسن: "كانت الدرايش تصنع بأشكال وأحجام مختلفة، منها حجرية تحفر في الجدار نفسه، ومنها خشبية تعشق بالحديد وغالباً ما تكون هذه النوافذ في الأدوار السفلية وتطل على باحة البيت، أما في الأدوار العلوية التي تطل على الشارع، فتصمم من درفتين، وتزين البيوت من الخارج وتسمى هنا، "الزرانيق" .

هندسة فريدة

كما تؤدي الأبواب دوراً مهماً في توفير الأمان لساكن البيت الإماراتي، كذلك النوافذ التي عدا عن وظيفتها المباشرة في إدخال الضوء والتهوية وأشعة الشمس في فصلي الصيف والشتاء، كانت ذات وظيفة خاصة في غرف ومجالس النساء، وغالباً ما تكون تصميماتها مختلفة نوعاً ما، لتمكن هؤلاء النسوة من الدخول والخروج براحة ويسر، وهو طابع نفذ في مجمل العمارة التراثية في الإمارات، وكانت تتميز
بهندسة فريدة من زخارف خشبية، وعلى بساطتها تزيد منظر البيت أناقة وروعة، كما تصمم بتشكيلات
نباتية محفورة بطريقة زخرفية غاية في الشفافية والجمال .