محمد حماد

مُحدّث وفقيه ولغوي، اشتهر بكتبه وتصانيفه العديدة في الفقه والحديث واللغة والتراجم، أشهر مؤلفاته «رياض الصالحين» و«الأربعين النووية» و«منهاج الطالبين»، شيخ الشافعية، وكبير الفقهاء في زمانه، ويوصف بأنه محرِّر المذهب الشافعي ومهذّبه، ومنقحه ومرتبه، حيث استقر العمل بين فقهاء الشافعية على ما يرجحه النووي.
هو محيي الدين بن شرف بن حسن بن حسين بن جمعة بن حزام الحازمي، وكنيته أبو زكريا النووي الدمشقي، ولد سنة إحدى وثلاثين وستمئة، في قرية نوى من قرى حوران بالشام، ولما بلغ عشر سنين وضعه أبوه في دكان، إلا أن البيع والشراء لم يشغلاه عن حفظ القرآن الكريم، حتى ختمه، وقد ناهز الاحتلام، ومكث في قريته حتى بلغ الثامنة عشرة من عمره، ثم ارتحل إلى دمشق سنة تسع وأربعين وستمائة، فلازم مفتي الشام عبد الرحمن بن إبراهيم الفزاري وتعلم منه، وبقي النووي في دمشق نحواً من ثماني وعشرين سنة أمضاها كلها في بيت صغير في المدرسة الرواحية، يتعلّم ويُعلّم ويُؤلف الكتب.

طلب العلم والاستزادة منه على الدوام هو مفتاح شخصيته، ولم يكن يضيع وقتًا في ليل أو نهار إلا في الاشتغال بالعلم، وحتى في ذهابه في الطريق ومجيئه كان يشتغل في تكرار أو مطالعة، وكان ذلك منه مضرب المثل، ومثار العجب، يقول عن نفسه: «وبقيت سنتين لم أضع جنبي على الأرض»، ويقول الذهبي «وضُرب به المثل في انكبابه على طلب العلم ليلاً ونهاراً، وهجره النوم إلا عن غلبة، وضبط أوقاته بلزوم الدرس أو الكتابة أو المطالعة أو التردد على الشيوخ»، وبقي النووي على التحصيل على هذا الوجه ست سنين، وسئل يوماً عن نومه، فقال: «إذا غلبني النوم استندت إلى الكتب لحظة وأنتبه».

وفي مقدمة «شرح صحيح مسلم» يقول النووي: «إن الاشتغال بالعلم من أفضل القُرب وأجلّ الطاعات، وأهمّ أنواع الخير وآكد العبادات، وأولى ما أُنفقت فيه نفائس الأوقات، وشمّر في إدراكه والتمكن به أصحاب الأنفس الزكيات، وبادر إلى الاهتمام به المسارعون إلى الخيرات، وسابق إلى التحلي به مستبقو المكرمات».

كعك يابس وتين

وكان النووي خشن العيش، قانعاً بالقوت، تاركاً للشهوات، صاحب عبادة، فقد ترك جميع ملاذّ الدنيا من المأكول، إلا ما يأتيه به أبوه من كعك يابس وتين حوراني، وترك الفواكه جميعها، وكان لا يأكل في اليوم والليلة سوى أكلة واحدة بعد العشاء الآخرة، ولا يشرب إلا شربة واحدة عند السحر، وإذا شرب فلا يشرب الماء المبرد، والمشهور أنه لم يتزوج قط.
اشتغل النووي بالتصنيف والمناصحة للمسلمين وولاتهم، مع ما هو عليه من المجاهدة لنفسه، والعمل بدقائق الفقه والاجتهاد على الخروج من خلاف العلماء، وكان بعيد المراقبة لأعمال القلوب وتصفيتها من السوء، يحاسب نفسه على الخطرة بعد الخطرة، وكان مُحَقِّقًا في علمه وفنونه، مدققًا حافظًا لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عارفاً بأنواعه كلها، من صحيحه وسقيمه وغريب ألفاظه وصحيح معانيه واستنباط فقهه، كما صرف أوقاته كلها في أنواع العلم والعمل؛ فبعضها للتصنيف، وبعضها للتعليم، وبعضها للصلاة، وبعضها للتلاوة، وبعضها للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

النووي والظاهر

حينما خرج الظاهر إلى قتال المغول بالشام ولم يكن في بيت المال ما يقوم بتجهيز الجيش والإنفاق على المقاتلين، استفتى علماء الشام في جواز فرض ضرائب على الشعب، لإعانة السلطان والجيش على قتال الأعداء وتغطية النفقات المطلوبة، فأفتاه العلماء بجواز ذلك للحاجة والمصلحة، وكتبوا له بذلك، وكان الإمام النووي غائباً، فلما سأل السلطان العلماء: هل بقي من أحد؟ قالوا: نعم بقي الشيخ محيي الدين النووي، فطلبه فحضر فقال له: اكتب خطك (توقيعك) مع الفقهاء، فامتنع الشيخ وأبى، وسأله السلطان: ما سبب امتناعك؟ قال الشيخ: «أنا أعرف أنك كنت في الرق للأمير بندقدار وليس لك مال ثم منّ الله عليك وجعلك ملكاً وسمعت أن عندك ألف مملوك لكل مملوك حياصته من الذهب، وعندك مئتا جارية لكل جارية حُق من الحلي، فإن أنفقت ذلك كله، وبقيت مماليكك بالبتون والصوف بدلاً من الحوائص، وبقيت الجواري بثيابهن دون الحلي، أفتيك بأخذ المال من الرعية» وإنما يُستعان على الجهاد وغيره بالافتقار إلى الله تعالى، واتباع آثار نبيه - صلى الله عليه وسلم - فغضب الملك الظاهر من كلامه وقال: اخرج من بلدي (يعني دمشق). قال: سمعاً وطاعة. وانتقل منها إلى بلده نوى وهي ضيعة بأرض حوران، فقال الفقهاء للملك الظاهر بعد ذلك: إن هذا الذي أمرت بخروجه من دمشق من كبار العلماء والصلحاء وممن يقتدى به فأعده إلى دمشق فرسم برجوعه إليها فساروا إليه ورغبوه في الرجوع إلى دمشق وقالوا: قد رسم السلطان برجوعك إليها، فامتنع، وأرسل إلى الملك الظاهر يرغبه في طاعة الله بأسلوب فيه ترغيب وترهيب، ووقع معه بعض العلماء، وكان مما كتبه: «أنعم الله تعالى علينا وعلى سائر المسلمين بالسلطان أعز الله أنصاره، فقد أقامه الله لنصرة الدين، والذب عن المسلمين، وأذل له الأعداء من جميع الطوائف، وفتح عليه الفتوحات المشهورة في المدة اليسيرة، وأوقع الرعب منه في قلوب أعداء الدين وسائر المارقين، ومهّد له البلاد والعباد، وقمع بسببه أهل الزيغ والفساد، وأمده بالإعانة واللطف والسعادة، فلله الحمد على هذه النعم المتظاهرة والخيرات المتكاثرة، ونسأل الله الكريم دوامها له وللمسلمين، وزيادتها في خير وعافية آمين. وقد أوجب الله شكر نعمه، ووعد الزيادة للشاكرين، فقال تعالى: (لئن شكرتم لأزيدنكم)، وقد لحق بالمسلمين بسبب هذه الحوطة على أملاكهم أنواع من الضرر، لا يمكن التعبير عنها، وطُلب منهم إثبات لا يلزمهم، فهذه الحوطة لا تحل عند أحد من علماء المسلمين، بل من في يده شيء فهو ملكه، لا يحل الاعتراض عليه، ولا يكلف بإثباته، وقد اشتهر من سيرة السلطان أنه يحب العمل بالشرع، ويوصي نوابه به، فهو أولى من عمل به، والمسؤول: إطلاق الناس من هذه الحوطة والإفراج عن جميعهم، فأطلقهم أطلقك الله من كل مكروه».