زاد عدد المسلمين في مكة، وزادت قريش في تعذيبهم وإيذائهم، فأذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم، بالهجرة إلى الحبشة، وقال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن فيها ملكاً لا يُظلم أحد عنده.
وخرج ثلاثة وثمانون رجلاً وثماني عشرة امرأة وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه أميرهم ورئيسهم، علماً بأنه كان أصغر الرجال المهاجرين سناً، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم، اختاره لأنه كان أرجحهم عقلاً وأوسعهم علماً بأحكام الإسلام ومبادئه كما كان أعظمهم شجاعة وكانت معه زوجته أسماء بنت عُميس.
وخرج المسلمون إلى الحبشة في شهر رجب في السنة الخامسة من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان معهم عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم.
علمت قريش باستقرار أحوال المسلمين في الحبشة وإكرام النجاشي لهم، فلم يهدأ لها بال حتى أرسلت وفداً من عمرو بن العاص وعبدالله بن أمية، محملين بأفخر الهدايا للنجاشي وأعوانه.
وحط عمرو بن العاص وصاحبه رحالهما بالحبشة وقابلا زعماء القساوسة والبطارقة وأمطراهما بهدايا قريش، ثم أرسلا للنجاشي هداياه، وأوغرا صدورهم ضد المسلمين المهاجرين وأقنعاهم بأن هذا الدين الجديد سيقضي على النصرانية واستنجدا بهم لحمل النجاشي على إخراجهم من بلاده.
وكان اللقاء بين النجاشي والمسلمين المهاجرين ووفد قريش، وطلب عمرو ورفيقه من النجاشي تسليمهما المهاجرين، وقالت البطارقة قومهم أعلم بما عابوا عليهم فأسلمهم إليهما أيها الملك.
فغضب النجاشي وقال: لا والله إذن لا أسلمهم إليهما ولا يكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أسألهم عما يقول هذان في أمرهم فإن كانوا كما يقولون أسلمهم إليهما، وإن كانوا غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني.
وسأل النجاشي المهاجرين عن طبيعة الدين الذي دفعهم إلى مفارقة قومهم، فتقدم جعفر بن أبي طالب ليؤدي المهمة التي اختاره لها النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أجمع أن يقول الحق سواء أغضبه أم أسرَه لأنه يعلم أن من أرضى الله وأسخط الناس، رضي عنه الله وأرضى له الناس، ومن أسخط الله ليرضي الناس، سخط عنه الله وأسخط له الناس، وقال: أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك.
تأثر النجاشي وسأله هل معك مما أنزل على رسولكم شيء؟ قال جعفر: نعم، وتلا جعفر عليه آيات من سورة مريم، فبكى النجاشي وبكت أساقفته، ثم أخذ يكفكف دموعه ويقول لمبعوثي قريش: إن هذا والذي جاء به عيسى عليه السلام ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا فلا والله لا أسلمهم إليكما.
لم يقبل عمرو بن العاص بالهزيمة، فذهب في اليوم التالي للنجاشي وقال له: إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً، فاستدعاهم النجاشي وسألهم عن قولهم في المسيح، فقال جعفر: نقول فيه الذي جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم، هو عبدالله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، فتناول النجاشي عوداً، وقال: والله ما عدا عيسى بن مريم مما قلت هذا العود، ثم التفت صوب حاشيته وقال وسبابته تشير إلى مبعوثي قريش: ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لنا بها.
وغادر عمرو ورفيقه أرض الحبشة عائدين إلى مكة يجران أذيال الخيبة.
ومرت سنوات على جعفر رضي الله عنه وأصحابه في الحبشة، وكانوا يتابعون أخبار انتشار الإسلام وتوطيد أركانه وتثبيت دعائمه وانتصاراته المتوالية، فامتلأت نفس جعفر شوقا إلى الجهاد معهم، ونيل الشهادة، وبالفعل عاد من الحبشة سنة 7ه، وسط فرحة المسلمين بفتح خيبر.
الكلمة الأخيرة:
عندما رأى النبي صلى الله عليه وسلم جعفرَ، استبشر بقدومه وضمه إليه وقبّل ما بين عينيه، وقال: ما أدري بأيهما أسر بقدوم جعفر أم بفتح خيبر.