قال تعالى: وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين، لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين، فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين، إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم، وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون، ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون، الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم، قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين، اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون، قالت يا أيها الملأ إني ألقي إليّ كتاب كريم إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم، ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين، (سورة النمل الآيات 20-31).
الهدهد طائر صغير الحجم، جميل الشكل والألوان، يشعر بوجود الماء تحت طبقات الأرض ولهذا كان سيدنا سليمان عليه السلام يصطحبه لكشف الماء وسقيا الجيش، وهو ذو وفاء، عطوف فإذا شاخ أبواه، حمل لهما الطعام، وجعل يزقهما كما يفعل مع صغاره، وإذا غابت أنثاه انقطع عن الطعام. وظل حزينا حتى تعود أو يموت جوعا، ويظل يصيح بصوت مؤثر.
كان سيدنا سليمان عليه السلام يستعرض جنوده، ويطمئن على أحوالهم، ونظامهم، ويعاقب من يقصر منهم (وكان من جنوده الإنس والجن والطير والريح).
وذات يوم تفقد الجنود فوجد مكان الهدهد خاليا، فسأل عنه هل اعتذر ؟هل هو مريض؟ أم أنه لا يراه لصغر حجمه؟ وتأكد له أنه غائب دون عذر، فتوعده بالعقاب المناسب حسب تقصيره. وقد سأل البعض سليمان عليه السلام (عرفنا العذر أو الذبح فما العذاب الشديد؟ قال:أضعه بين قوم لا يعرفون قدره)، وربما قصد بالعذاب الشديد (نتف ريشه وإبطال حركته).
مهمة عاجلة
ولم يمض قليل حتى وصل الهدهد، ولم يعتذر، وإنما أخبر سليمان عليه السلام عن أمر خطير، أنه طار إلى اليمن ورأى مملكة عظيمة (هي مملكة سبأ) عليها امرأة قوية غنية متحكمة في شعبها، وتجلس على عرش غاية في الروعة، لكن الذي حز في نفس الهدهد أنه وجدها وقومها يسجدون للشمس من دون الله، ولا يكون السجود إلا لله الذي يخرج المخبوء من الأرض زرعا، أو معادن أو غير ذلك، وأنه صاحب العرش العظيم.
ورأى سليمان أن يرسل الهدهد في مهمة عاجلة برسالة موجزة صغيرة يحملها في مخالبه، ويلقي بها بين يدي الملكة ليثبت براءته، وليخدم مليكه وعقيدته، وهو يعطيه فرصة عظيمة.
وحمل الهدهد الرسالة واجتاز كل الحواجز والحراسة ودخل على الملكة في مخدعها، وألقى بالرسالة، وتعمد أن يأتي عند شروق الشمس وهي تستعد للسجود للشمس حينما ترسل أشعتها من نافذتها فسد عليها قرص الشمس، وأعجبت الملكة بالرسالة الرقيقة المهذبة الجادة، كما أعجبت بحامل الرسالة وهو هذا الطائر الصغير، وعرضت الرسالة على مستشاريها، وكعادة الحاشية أبدوا استعدادهم لقتال سليمان، وأنهم على اتم استعداد، لكنهم يرجعون الأمر إليها، وبحكمة المرأة وهي تعلم أن الحرب دمار، وأن سليمان ليس بالرجل الهين الذي يستخدم مثل هذه الطيور الصغيرة في حمل رسائله، استبعدت الحرب ففي قوله عز وجل قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون، قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين، قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون (سورة النمل الآيات32-34).
إسلام بلقيس
وبأسلوب الأنثى رأت اختباره بأن ترسل له هدية فإن قبلها فهو رجل دنيا، وإن رفضها فهو رجل مبادىء لابد من مسالمته، ورفض سليمان الهدية فقد آتاه الله ما لم يؤت أحداً، وعزم على حربها إذا لم تأت خاضعة مستسلمة، وتراجعت الملكة وعزمت على السير لسليمان تمد يد السلام، وتدخل في الإسلام وجاء ذلك في قوله تعالى: وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون، فلما جاء سليمان قال اتمدوني بمال فمآ آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون، ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون (سورة النمل الآيات35- 37).
كان الهدهد في كل هذا هو الرسول بين سيدنا سليمان وملكة سبأ، وعاد وأخبر سليمان أنها في الطريق إليه.
وأراد سليمان عليه السلام أن يهزها بآية من آيات الله بأن يفاجئها بعرشها عنده، والعرش وسط حراسة مشددة، ويحتاج فكه ونقله على البغال شهورا، وعرض سليمان الأمر على حاشيته، فتطوع (عفريت من الجن) أن يأتي بالعرش في بضع ساعات هي التي يقضيها سليمان في الحكم بين الناس، ووعده بأن ينقله سالما ولا يأخذ منه شيئا وهو مرصع بالجواهر واليواقيت: قال عفريت من الجن أنا آتيك به، قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين، (سورة النمل الآية 39).
لكن سليمان عليه السلام رفض العرض، لأن الملكة على أبواب المدينة، وستدخلها بعد قليل، ويريد وقتا أسرع، فتقدم عبد من عباد الله الصالحين يعرف (اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجيب، وإذا سئل به أعطي) وأخبر سليمان أن العرش سيكون بين يديه الآن، وقبل أن يتم كلامه كان العرش بين يدي سليمان.
وشكر سليمان ربه على نعمه وعظيم فضله، ولم يأخذه الغرور:قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به، قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن ربي غني كريم، (سورة النمل الآية 40).
وأمر سليمان بتغيير بعض الملامح في العرش ليختبر عقلها، ولما رأت العرش قالت كأنه هو وعلمت أن العرش نقل في أقل من لمح البصر، فاستسلمت وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين.
وذكر الهدهد في السنة النبوية فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصرد.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الصرد، والضفدع، والنملة، والهدهد.