تحقيق: محمد الدويري

يعد الهروب من المدرسة من دون إذن رسمي من الإدارة أو الأسرة، أو إخطارهما بالغياب لعذر مشروع، من أصعب المشكلات التي تعانيها المنظومة التعليمية والتربوية، لتبقى الثغرة القديمة التي تتجدد كل يوم، في الوقت الذي تنتج عنها تأثيرات سلبية في حياة الطالب الدراسية والاجتماعية، وسبباً في كثير من إخفاقاته التحصيلية وانحرافاته السلوكية، ولا سيما أنها تساهم بشكل كبير وأساسي في زيادة المخاطر على الطالب الهارب والمجتمع.
هروب الطالب من المدرسة يكون في عدم تواجده فيها خلال الدوام الرسمي أو جزء منه، سواءً كان هذا منذ بداية اليوم الدراسي - أي قبل وصوله للمدرسة - أو كان بعد وصوله إليها، والتنسيق مع بعض زملائه حول التسرب من الدوام الدراسي في اليوم التالي، أو حضوره للمدرسة والانتظام فيها، ثم مغادرته لها قبل نهاية الدوام من دون إذن رسمي أو عذر مشروع.

«الخليج» رصدت ثلاثة طلاب أثناء قفزهم من فوق سور مدرستهم بهدف الهروب من الحصص الدراسية المتبقية لإكمال يومهم الدراسي، وحاورتهم حول سبب فعلتهم، وتطرقت لآراء خبراء تربويين حول جوانب فعلتهم وآثارها السلبية في الطالب والمجتمع، والحلول الممكنة للتخلص من هذه المشكلة التي ما زالت حية.

قال الطالب (س.ش) بكل وضوح وصراحة، إنه ملّ الدوام المدرسي، واكتفى حتى هذه الساعة، مشيراً إلى أنهم انهوا المساقات الدراسية، ولا يوجد ما هو جديد الآن، فكل الحصص ما هي سوى مراجعات لبعض الدروس، ووجودنا داخل المدرسة لا داعي له، في ظل عدم وجود ما هو ترفيهي، أو ما يضفي على واقعنا المتعة واللعب، مبيناً أنه يود الذهاب للمنزل للراحة وتناول الطعام ومتابعة التلفاز.
وحول فعلته في القفز من أعلى السور، قال إن الهروب بهذا الشكل فيه نوع من المتعة، وفيها تأكيد على الهروب من دون أن يراك أحد من الأساتذة أو الإدارة ويرجعك إلى المدرسة، مشيراً إلى أن ساعات الدوام ما زالت كثيرة حتى تنتهي، لذلك هذه أفضل وسيلة للتخلص من الضغط.
زميله الآخر الذي فضل عدم ذكر اسمه، قال: الهروب هكذا فيه «أكشن»، مؤكداً وهو يبتسم أنه لم يكمل دواماً مدرسياً كاملاً منذ بداية الفصل الدراسي، أو حتى إنه لا يذكر متى أكمل الحصص الدراسية في يوم من الأيام، مشيراً إلى أن الدوام ممل وطويل جداً، وروتيني، كما أن لديه التزامات أكثر أهمية من تواجده داخل المدرسة، موضحاً أنه يهرب للذهاب إلى الصالة الرياضية التي يرتادها منذ ستة أشهر.

الحب والتقدير

قال إبراهيم الجاوي مدير مدرسة الجودة للتعليم الثانوي، إن الإدارة تتابع تواجد الطلبة في المدرسة خلال اليوم، حتى يسمح لهم بالمغادرة بشكل رسمي، والطالب الذي يتجاوز التعليمات، نتخذ معه الإجراءات القانونية الرادعة.
وأوضح أن عدم إحساس الطالب بالحب والتقدير والاحترام من قبل المجتمع المدرسي، يبقيه قلقاً ومتوتراً، وعدم إيفاء التعليم لمتطلباته الشخصية والاجتماعية، وعدم توفر الإمكانات لتأمين الأنشطة الكافية والمناسبة لميوله وقدراته، وعدم انسجام الحياة الدراسية مع مواهبه الشخصية التي تساعده في خفض التوتر لديه، وتحقيق المزيد من الإشباع النفسي، إضافة إلى أن كثرة الأعباء والواجبات، خاصة المنزلية التي يعجز الطالب عن إنجازها، تخلق للطالب نفوراً حاداً يجبره على الهروب من المدرسة من باب فرض ما يدور في خلده على المجتمع المدرسي والأسرة.
وأشار إلى أن طبيعة الجو المدرسي الداخلي، واحاطتها بأسوار مرتفعة من باب إغلاق جميع المنافذ، تخلق نوعاً من التحدي لدى الطلبة في اجتياز هذا الحاجز وكسره للشعور بالنصر، كما أن النظام القائم فيها، والظروف السائدة التي تحكم العلاقة بين أفراد المجتمع المدرسي تعتبر من أهم العوامل التي تلعب دوراً مهماً في تحديد علاقة الطالب بالمجتمع المدرسي ودرجة تقبله له، موضحاً أن عدم سلامة النظام المدرسي، وعدم اتخاذ الوسطية كنهج للتعامل مع الطلبة، والتأرجح ما بين الصرامة والقسوة، وسيطرة العقاب كوسيلة للتعامل مع الطلاب، أو التراخي والإهمال وعدم توفر وسائل الضبط المناسبة، تولد للطالب عدم ثقة بالمنظومة التعليمية والتربوية.

حوار موحد

من جهتها، أكدت الدكتورة شيخة الطنيجي أخصائية تربوية، أن هروب الطالب من المدرسة يعود لأسباب وعوامل عدة، منها ما يعود إلى الطالب نفسه، ومنها ما يعود للمدرسة، وأخرى تعود للأسرة، إضافة إلى عوامل كثيرة متنوعة، لذلك معرفة الأسباب وإيجاد حلول لها، واجب على جميع الأطراف مجتمعة، من خلال حوار موحد، والاعتراف بوجود المشكلة أو النقص الذي نعانيه، للوصول إلى الحل الناجع في الحد من هذه التصرفات غير المسؤولة من قبل الطلبة تجاه انفسهم ومجتمعهم.
وأشارت إلى أن أبرز العوامل الذاتية التي تعود للطالب نفسه في اللجوء إلى هذا التصرف، في شخصية الطالب وما يمتلكه من استعدادات وقدرات وميول بعيدة عن طبيعة العمل المدرسي، تجعله لا يتقبله ولا يقبل عليه، وهذا ما يجب أن يكون له برامج تربوية مختلفة عما هو تقليدي، لتعزيز ما في الطلبة من قدرات يمكن أن تكون إيجابية تجاه أنفسهم ومجتمعهم.
وأضافت: إن الإعاقات الصحية أو الأزمات النفسية، تمنع الطالب المصاب من مسايرة زملائه، فتصبح المدرسة بالنسبة له مكان غير سار، إضافة إلى أن عدم قدرة الطالب على استغلال وتنظيم وقته، أو عدم مقدرته على مواكبة زملائه في التحصيل العلمي، يسبب له إحباطاً وإحساساً بالعجز ما يؤدي إلى نفوره من الحياة المدرسية ليلجأ إلى الهروب.
وتابعت: هنالك رغبة تنتاب الطلبة في تأكيد الاستقلالية وإثبات الذات من خلال الاستهتار، والعناد، وكسر الأنظمة والقوانين التي تفرضها الإدارة المدرسية والأسرة، حيث يعتبرها الطالب وسيلة للبروز مهما كانت العواقب، فضلاً عن ضعف الإقبال للطالب نحو التعلم وعدم وجود دوافع تعزز لدى الطالب فكرة التوجه نحو التعليم، فيفقد الاستثارة ومواصلة التقدم ما يؤدي إلى الإخفاق المستمر وعدم تحقيق التكيف الدراسي.

وعلى صعيد الجانب الأسري، قالت الطنيجي إن طبيعة الحياة المنزلية والظروف التي يعيشها الطالب، والعلاقة التي تحكم بين أعضائها، وما يتخللها من اضطراب في بعض الأحيان، وما يشوبها من عوامل التوتر والفشل من خلال كثرة الخلافات والمشاجرات، إضافة إلى ضعف عوامل الضبط والرقابة الأسرية بسبب ثقة الوالدين المفرطة بالأبناء، أو إهمالهم وانشغالهم عن متابعتهم بشكل مستمر، تشعر الطالب بالحرمان وفقدان الأمن النفسي، ليجد في عدم المتابعة فرصة لاتخاذ قراراته الفردية بعيداً عن عيون الآباء.