وسطية الإسلام جعلت منه طوداً شامخاً، يستعصي على أعدائه الذين يحاولون جاهدين أن يئدوه حياً فلا يستطيعون، وهذه الوسطية وهذا الاعتدال نجدها في تعاليم الإسلام السهلة الميسرة التي لا تحتاج إلى كثير من العناء، وسطية في الفهم ووسطية في التفكير ووسطية في العبادة ووسطية في الحوار واعتدال في الحياة بكل صورها .
وستظل هذه الأمة المسلمة باقية عزيزة لأنها خير أمة أخرجت للناس كما قرر الحق تبارك وتعالى ووصفها بأحب الأسماء وأجلها ونسبها إلى ذاته العلية ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين وخاطبها بقوله ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين .
إن الإسلام وسط في الأخلاق والسلوك بين غلاة المثاليين الذين تخيلوا الإنسان ملاكاً فوضعوا له من القيم والآداب ما لا يمكن أن يدركه، وبين غلاة الواقعيين الذين حسبوه حيواناً فأرادوا له من السلوك ما لا يليق به، فأولئك أحسنوا الظن بالفطرة الإنسانية فاعتبروها خيراً محضاً، وأولئك أساؤوا بها الظن فعدوها شراً خالصاً والإنسان إنما هو قبضة من طين ونفخة من روح، أودع الله جل وعلا فيه عقلاً وجسداً وروحاً، وجعل غذاء العقل المعرفة، وغذاء الجسد الطعام، وغذاء الروح التزكية، كما أوجد له سبحانه: باهرات المعارف، وطيبات الطعام، وزاكيات العبادات، وراقيات السماع، والعاقل من يضرب في كل غنيمة بسهم، ويقطف من كل بستان زهرة، ويلبي حاجة الفطرة بما أمر الله، والمقصر من يضيّع حاجة من حاجات الفطرة فيختل بناؤه ويضطرب تكوينه . (الخصائص العامة للإسلام . . يوسف القرضاوي) .
عدل واستقامة
إن انعدام الوسطية أظهر الغلو في فهم الحقائق إفراطاً وتفريطاً، وولد تيارات وفرقاً سياسية وفكرية متطرفة يلعن بعضها بعضاً ويكفر كل أتباع طائفة، أتباع الطائفة الأخرى، فصرنا أشداء على إخواننا، رحماء على أعدائنا، أقوياء على من ساعدنا، أذلاء أمام من حاربنا .
وبعد صريح الآيات، وصحيح الروايات اتفقت كلمة العلماء في الفقه والأخلاق ونحوهما على أن الوسط هو خير الطرق وأقومها، وهو الموصل إلى الغاية المرضية من قبل الحق تعالى، والموافق لقصد الشارع المقدس، وكل ما خرج عن ذلك الحد مذموم ملوم ومحاسب دنيا وآخرة، والذي يراجع أبواب الفقه المختلفة يقف على موارد كثيرة تدعو للأخذ بهذه القاعدة، ومن تلك الأبواب، الأطعمة والأشربة حيث يقول سبحانه وكلوا واشربوا ولا تسرفوا والإسراف خلاف الوسط كما أن الشجاعة وسط بين التهور والجبن وهكذا الأمر يجري في الاقتصاد، والاجتماع والعلاقات الإنسانية، حيث يقول سبحانه واقصد في مشيك .
إن التوسط في الأمور دعت إليه شريعة السماء وتعاليم الأنبياء عليهم السلام، ومن تأمل موارد الأحكام بالاستقراء عرف أن التوسط هو الموافق لقصد الشارع وغرضه، وما من كلية شرعية ألا وهي قائمة على التوسط، وأما التشديد المخالف للحكمة أو التخفيف المخالف لها أيضا فهو خروج عن روح الشرع .
قال القاموس المحيط: العدل: ضد الجور، وما قام في النفس أنه مستقيم، وعدل الحكم تعديلا: أقامه، وعدل فلانا: زكّاه، وعدل الميزان سواه، والاعتدال توسط حال بين حالين في كم أو كيف، وكل ما تناسب فقد اعتدل، وكل ما أقمته فقد عدَلته وعدّلته، والعدول: هم الخيار .
وذكر في القاموس المحيط: من معاني العدل والاعتدال: الحكم بالعدل، والاستقامة، والتقويم، والتسوية، والمماثلة، والموازنة، والتزكية، والمساواة، والإنصاف، والتوسط .
أما اصطلاحا فالاعتدال: هو التزام المنهج العدل الأقوم، والحق الذي هو وسط بين الغلو والتنطع، وبين التفريط والتقصير، فالاعتدال والاستقامة وسط بين طرفين هما: الإفراط والتفريط . . والاعتدال هو: الاستقامة والتزكية، والتوسط والخيرية .
فالاعتدال يرادف الوسطية التي ميز الله بها هذه الأمة، قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى الناسِ وَيَكُونَ الرسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ التِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتبِعُ الرسُولَ مِمنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الذِينَ هَدَى اللهُ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِن اللهَ بِالناسِ لَرَؤوفٌ رَحِيمٌ .
وفي المعنى اللغوي يقال: وسط القوم، ووسط المكان، فهو واسط . والأوسط: المعتدل من كل شيء (المعجم الوسيط ج2 ص1030) .
ويقول الراغب الأصفهاني في مفرداته إن الوسط: ماله طرفان متساويا القدر، ويقال ذلك في الكمية المتصلة كالجسم الواحد إذا قلت: وسطه صلب، وضربت وسط رأسه بفتح السين، ووسط بالسكون . .
أما الفيروزابادي فيرى الوسط: عدلا فيقول: الوسط، من كل شيء أعدله وكذلك جعلناكم أمة وسطا أي: عدلا خيارا (القاموس المحيط ص893) .
وفي تفسير الآية الكريمة وكذلك جعلناكم أمة وسطا . . يقول الطبري: فَضلْنَاكُمْ عَلَى غَيْركُمْ مِنْ أَهْل الْأَدْيَان بِأَنْ جَعَلْنَاكُمْ أُمة وَسَطاً . وَأَما الْوَسَط فَإِنهُ فِي كَلام الْعَرَب: الْخِيَار ولِأَن الْخِيَار مِنْ الناس عُدُولهمْ والْوَسَط الْعَدْل . . ويُقَال فُلان وَسَط الْحَسَب فِي قَوْمه: أَيْ مُتَوَسط الْحَسَب، إذَا أرَادُوا بِذَلِكَ الرفْع فِي حَسْبه، وَهُوَ وَسَط فِي قَوْمه وَوَاسِط، كَمَا أن الله تَعَالَى ذِكْره إنمَا وَصَفَهُمْ بِأَنهُمْ وَسَط لِتَوَسطِهِمْ فِي الدين فلم يغلوا كالنصارى ولم يفرطوا كاليهود .
حق الروح والجسد
وبما أن الإنسان مكون من سلالة من طين، ومن نفخة من روح، وأن لكل منهما مطالب وحاجات فقد جاءت التشريعات والتعاليم المرتبطة بها منظمة على أساس الأمرين مراعية (حق الروح) و(حق الجسد) فلا روحانية مقترة، ولا مادية مسرفة، بل تعادل وتوازن بينهما، لأن إهمال أحدهما إهمال للإنسان المكرّم .
وبما أن الإنسان تتحكم فيه نزعات فردية وتسلطية تتعارض مع النزعات الاجتماعية التي تأخذ قسطاً كبيراً من حريته، فإن الشريعة دعت إلى تنمية الحس النوعي عند الفرد لجعله يهتم بالآخرين كما يهتم بنفسه . فقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، انه قال: أعدل الناس من رضي للناس ما يرضى لنفسه وكره لهم ما يكره لنفسه .
فوسطية الإسلام لا تقتصر على جانب محدد وإنما تشمل الجوانب الأخرى، وتمكن مشاهدة ذلك في اغلب مجالات الدين والحياة .
وسطية بين الارتماء في أحضان الدنيا والرهبانية المنقطعة فقال تعالى في ذلك: وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا (القصص: 77) .
وقال ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة (البقرة: 201) ووسطية بين الإسراف والتقتير حيث يقول: والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً (الفرقان: 67) ويقول: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً (الإسراء: 29) .
الاقتصاد في المعيشة
إن القصد في المعيشة من الأمور التي أولتها الشريعة كامل الاهتمام وأفردت لها حيزاً كبيراً من عنايتها، ولعل الأحاديث التي وردت في هذا الباب تزيد على كل ما جاء في الأبواب الأخرى، ومن جملة الأسباب أن استمرارية الحياة الإنسانية قائمة على الاقتصاد في المعيشة وفي كل شيء، فعن أيوب بن حر قال: سمعت رجلا يقول لأبي عبدالله الحسن بن علي بلغني ان الاقتصاد والتدبير في المعيشة نصف الكسب فقال أبوعبدالله: لا بل هو الكسب كله، ومن الدين التدبير في المعيشة .
ووسطية بين التكالب على الأكل والشرب والانقطاع عن الغذاء حيث قال تعالى: وكلوا واشربوا ولا تسرفوا (الأعراف: 31)، وقال علي رضي الله عنه: عليكم بالقصد في المطاعم فإنه أبعد عن السرف، وأصح للبدن، وأعون على العبادة .
ووسطية في اللباس بين ما يوجب شهرة بالجودة وشهرة بالرذالة، فالمتقون فيها (الدنيا) هم أهل الفضائل، منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد (نهج البلاغة خطبة 193) أي أنهم لا يلبسون ما يلحقهم بدرجة المترفين ولا ما يلحقهم بأهل الخسة والدناءة أو يصير سبباً لشهرتهم بالزهد كما هو دأب أغلب المتصوفة .
وسطية في العلاقات الإنسانية، بين التصلب والليونة، لا تكن لينا فتعصر ولا يابساً فتكسر، بين الحب والبغض فإذا أحببت فلا تفرط وإذا أبغضت فلا تشطط، وفي البعد والقرب عن الناس والمجتمع، فعن علي رضي الله عنه انه قال: خير الناس النمط الأوسط يلحق بهم التالي ويرجع إليهم الغالي (لسان العرب ج7 ص429)، وقال لقمان لابنه: يا بني لا تقترب فيكون أبعد لك . . ولا تبتعد فتهان .
ووسطية في السلوك بين التباطؤ والهرولة، أو بين خفض الصوت وارتفاعه، وفي هذا قال تعالى: واقصد في مشيك واغضض من صوتك (لقمان: 19) .
ووسطية أيضاً عند القراءة في الصلاة بين الجهر والاخفات حيث يقول تعالى: ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً (الإسراء: 011) .
إن الإسلام لا ينحصر في العقيدة والعبادة فقط، بل يمتد ليصبغ الحياة كلها صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ . ويتسع ليكون رسالة لإصلاح المجتمع، وسياسة الدولة، وبناء الأمة، ونهضة الشعوب، وتجديد الحياة .
فقه الأولويات
إن التصور الإسلامي الصحيح يدرك أن تكاليف الإسلام ليست كلها على درجة واحدة من الأهمية بل فيها ما هو فرض وما هو نافلة، فيها المتعدي النفع وفيها اللازم، فيها ما هو كلي وفيها ما هو جزئي، والنظرة الوسطية تقتضي أن نقدم الفرض على النافلة، والمتعدي النفع على اللازم والكلي على الجزئي .
إن معرفة الأولى وإنجازه وتقديمه على ما هو دونه في الأولوية، أمر في غاية الأهمية وغيابه يوقع الناس في الكثير من السلبيات التي من أهمها:
أولاً: الاستغراق في الجزئيات والتفاصيل والانشغال بها عن الكليات والعجز عن رد الجزئيات إلى كلياتها والفروع إلى أصولها، وفهم العلاقة الدقيقة بينها .
ثانياً: تقديم النوافل على الفرائض، أو التحسينات على الحاجيات، أو الحاجيات على الضروريات في مختلف جوانب الحياة وذلك لافتقاد المنهجية الهادية والافتقار إلى التفكير العلمي الرصين، والنظر الموضوعي المنضبط .
ثالثاً: الميل إلى تجاوز الأسباب، وعدم الحرص على الأخذ بها اعتماداً على متوهمٍ مع تجاهل أن الارتباط بين الأسباب والمسببات ارتباط سُنن ولن تجد لسُنة الله تبديلا (الفتح: 23) ولا تجد لسنتنا تحويلا (الإسراء: 77)
رابعاً: عدم التفريق بين الحق والرجال، الأمر الذي يؤدي إلى رفض الحق إن جاء من غير ثقة، أو قبول الباطل إن صدر من ثقة، وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه، وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم (الأحقاف: 11) .
خامساً: الخلط بين ما هو ثابت وما هو متغيّر، فكثير من المتغيرات أصبحت ثوابت نسبة لذيوعها، وكثير من الثوابت حُوّلت إلى متغيرات نسبة للجهل بها .
سادساً: عند غياب أسبقيات الفهم تحدث ممارسات خاطئة كثيرة تنطلق من اضطراب المفاهيم وبعدها عن الوسطية، فقد يختلط على الإنسان مفهوم (التهور) بمفهوم (الشجاعة)، ومفهوم (البخل) بمفهوم (الاقتصاد)، ومفهوم (الكرم) بمفهوم (الإسراف) وتنعدم المساحات الفاصلة بين هذه المفاهيم وتضمحل .
معرفة الواقع
إن مقاصد الدعوة إلى الله هي الوصول إلى المثل الأعلى والوجه الأسنى لتطبيق الدين في واقع الناس، لكن النظرة الوسطية تدعو إلى معرفة الواقع الذي نعايشه والتفكر في مرحلية التدرج به من حاله التي هو عليها إلى الحالة المنشودة والغاية المبتغاة . مطلوب منا أن نعرف أولوياتنا ونرتب أسبقياتنا حتى لا يكون السعي بعيداً عن الواقع، عديم التأثير، صاداً عن سبيل الله، بعيداً عن روح الإسلام وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم .