فقال له رجل من الحاضرين: "يا نبي الله حدثنا عن رمضان" فقال الرسول: "إن الجنة لتزين لرمضان من رأس الحول إلى الحول، فإذا كان أول رمضان هبت ريح من تحت العرش فصفقت ورق أشجار الجنة فتنظر الحور إلى ذلك فيقلن: "يا ربنا اجعل لنا من عبادك في هذا الشهر أزواجاً تقر أعيننا بهم وتقر أعينهم بنا" ثم قال الرسول: "فما من عبد يصوم يوماً من رمضان إلا زوج زوجة من الحور العين في خيمة من درة" .
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: "إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب وينادي مناد، يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر . ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة" .
من كتاب "شهر رمضان منذ فجر الإسلام إلى العصر الحديث" لخليل طاهر
من أكثر المصطلحات شيوعاً على ألسنة علماء ودعاة الإسلام، وأيضاً المثقفين وعوام الناس وصفاً لما جاءت به الشريعة الإسلامية من تشريعات تنظم علاقة الإنسان بربه، وعلاقاته بكل ما ومن حوله في الكون، من إنسان وحيوان ونبات وجماد وماء وغير ذلك، اصطلاح (الوسطية) فهي شعار الإسلام الأكبر، والصفة التي تعبر عن تشريعاته وقوانينه ومعاملاته، وأيضاً عباداته وما يسعى لنشره بين الناس من آداب وأخلاقيات .
فما ملامح وخصائص هذه الوسطية الإسلامية؟ وما تأثيرها في تشريعات الإسلام؟ وما الثمار التي يجنيها الفرد والمجتمع من وراء هذه الوسطية؟
هذه التساؤلات وغيرها مما يتعلق بالوسطية الإسلامية نحاول الإجابة عنها في السطور التالية:
الفقيه الأزهري، د .سيف رجب قزامل، عميد كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، يوضح لنا معنى الوسطية فيقول: الوسطية تعني التوسط بين أمرين متقابلين أو متضادين، وهذه سمة الشريعة الإسلامية التي جاءت جامعة لكل الخصائص، ولذلك وصفت بالتوازن والاعتدال فهي لا تعرف الغلو ولا التفريط، كما أنها تجمع بين الربانية والإنسانية ففيها أحكام الخالق التي لا تغيير فيها ولا تبديل، لأنها من لدن حكيم خبير وفيها الجهد البشري ممثلاً في اجتهادات الفقهاء قديماً وحديثاً، وهو قابل للتغيير والتبديل لأنه جهد عقلي إنساني قابل للصواب والخطأ .
توازن واعتدال
ووسطية الإسلام- كما يقول العالم الأزهري - تبدو واضحة في العبادات والشعائر، فالإسلام جاء بمنهج وسط في عباداته بين الأديان السماوية، كما أنه دين وسط في الأخلاق بين غلاة المثاليين الذين تصوروا الإنسان ملاكاً فوضعوا له من القيم والأخلاقيات ما يعجز عن تطبيقه والالتزام به، وغلاة الواقعيين الذين تعاملوا مع الإنسان على أنه حيوان، ومن حقه أن يلبي كل رغباته ونزواته وغرائزه الحيوانية من دون ضابط أو رادع . . فالإنسان في نظر الإسلام مخلوق يجمع بين العقل والشهوة، فيه ملائكية، وفيه حيوانية، فيه استعداد للرقي الروحي، واستعداد للفجور والانحراف، ولذلك وصف الخالق سبحانه هذا الإنسان المركب من عقل وشهوة بقوله في سورة الشمس: "ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها" .
وأبرز ما تتجلى فيه وسطية الإسلام هو المجال التشريعي، فشريعة الإسلام - كما شهد لها كثير من القانونيين المسلمين وغير المسلمين - شريعة وسط تحمل كل خصائص التوازن والاعتدال، فهي تحقق مصلحة الفرد، وتحمي مصالح الجماعة، تقر للإنسان حرياته وحقوقه كاملة من دون عدوان أو تجاوز على حقوق الآخرين، تتضمن أحكاماً ثابتة لا تتغير بتغير الزمان ولا المكان، وفيها أحكام متغيرة تحمل كل سمات المرونة والسعة .
والتشريع في الشريعة الإسلامية الذي يتسم بالوسطية يعني استنباط الأحكام (القواعد القانونية) من الكتاب والسنة ويميز الفقهاء المسلمون هنا بين أمرين:
- الأول: شرع مبتدأ، وهو لا يكون إلا من الله ورسوله متمثلاً في الكتاب والسنة، والأحكام الواردة فيهما ملزمة للناس .
- والثاني: بيان لحكم تقتضيه شريعة قائمة، وهو ما قام به المجتهدون بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ويعرف بالاجتهاد أو الرأي .
وقد مر الاجتهاد بعدة تطورات تبعاً للأدوار المختلفة للفقه الإسلامي . ففي ظل حرية الاجتهاد لم تكن لاجتهادات الفقهاء صفة الإلزام، إلا أن كانت محل إجماع منهم، أو صدر بها قرار من ولي الأمر في حدود اختصاصاته .
بين مصلحتين
ويلتقط الفقيه الأزهري، د . نصر فريد واصل، عضو هيئة كبار العلماء، مفتي مصر الأسبق خيط الحديث من د . قزامل، ويقول: يعيش الإنسان في مجتمع ويرتبط مع أفراد هذا المجتمع بعدة علاقات يسعى من ورائها إلى تحقيق مصالحه، وربما تتلاقى مصلحته مع مصلحة الجماعة التي يعيش معها، أو تتعارض معها، وقد حاول الإنسان منذ القدم تحقيق الانسجام بين مصلحته ومصلحة المجتمع الذي يعيش فيه ولكنه عجز عن تحقيق هذا التوازن والانسجام، وتباينت المذاهب والنظريات التي جاءت لضبط سلوك الإنسان داخل الجماعة وتلبية طموحاته وتلخصت في العصر الحديث في ثلاثة:
* المذهب الفردي: وهو الذي يضع نصب عينيه مصلحة الفرد دونما اهتمام بمصلحة الجماعة حيث يقدس حرية الفرد اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً ولا يسمح للدولة بالتدخل في نشاط الفرد، فهي في نظره مجرد دولة حارسة، وحجته أن مصلحة الجماعة تتحقق من خلال مصلحة الفرد . وهذا المذهب يسود في أمريكا وأوروبا الغربية، وهو لا يحفل بالدين والأخلاق ويتركهما لضمير الفرد . ومن الواضح أن هذا المذهب يبتغي من التشريع غاية نفعية فردية وهو المذهب الذي تتبناه "العولمة" المعاصرة .
* المذهب الجماعي: ويقوم على السعي إلى تحقيق مصلحة الجماعة دونما اهتمام بالفرد، إذ لا يتمتع في ظل هذا المذهب بكيان ذاتي أو مصلحة خاصة، فسعادته تتحقق بالتبعية لسعادة الجماعة، ولذلك يسمح للدولة بالتدخل في كل أوجه النشاط البشري باعتبارها ممثلة للجماعة، وتقيد إرادة الفرد بعدة قيود وتلغي الملكية الفردية لأدوات الإنتاج . وهذا المذهب في صورته المتطرفة يعرف بالمذهب الشيوعي الذي ساد الاتحاد السوفييتي قبل سقوطه، ويعرف في صورته المعتدلة باسم الاشتراكية . والمذاهب الجماعية - مثلها في ذلك مثل المذهب الفردي - لا تحفل بالأخلاق وتتركها لضمير الجماعة، بل إنها تحارب الدين وهو أهم مصدر للأخلاق الفاضلة، وتصفه بأنه أفيون الشعوب .
* المذاهب الوسطية: وهي التي تعترف للفرد بكيان ذاتي مستقل عن الجماعة، كما تعترف للجماعة بمصلحة مستقلة عن مصلحة الأفراد، ولذلك تضع الضوابط التي توفق بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة بحيث لا تطغى إحداهما على الأخرى . . والمذاهب الوسطية تقوم على العدالة الاجتماعية والتكافل الاجتماعي، وتجمع بين الديمقراطية السياسية والاجتماعية في كيان واحد، ومن أبرز تطبيقاتها في العصر الحديث الاشتراكية الديمقراطية السائدة في شمال أوروبا . . والمذهب الذي ظهر حديثاً في أعقاب العولمة لتلافي مضارها وهو ما يسمى "الطريق الثالث" ولكنها كلها لا تحفل بالأخلاق، وتتركها لضمير الفرد والجماعة، كما أنها لا تقيم للدين وزناً فيما تضعه من قواعد قانونية باعتباره علاقة خاصة بين الفرد وربه . ولذلك كانت غاية التشريع ومقاصده نفعية بحتة لكل من الفرد والجماعة .
وسطية الخير والرحمة
وهنا تبرز وسطية الشريعة الإسلامية - كما يقول د . واصل- حيث جاءت بقيم العدل والخير والرحمة، يقول الحق سبحانه: "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس" ويقول: "قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون" أي قال أعدلهم وأخيرهم . والمعنى ذاته قرره الحديث النبوي: "خير الأمور أوسطها" وهذه الوسطية ليست وسطية مادية بل إيمانية لقوله تعالى: "يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون" . وهذا التوجه الإيماني ينزع الحقد والكراهية من النفوس ويزرع فيها المودة والرحمة وهذه الوسطية تدفع الإنسان إلى فعل الخير، وعدم إيذاء الناس والإضرار بهم، ويتبين هذا جلياً في كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ومنها قول الرسول عليه الصلاة والسلام: "خيركم خيركم لأهله" . والإيمان يفجر في الإنسان ينابيع الخير ويغلق أبواب الشر والضرر ويصبح فعل الخير والبعد عن الشر عادة أصيلة في نفسه . ومن كان يفيض خيره على أهله، (أي الأقربين) . فإن فعل الخير يتجاوزهم إلى غيرهم من الناس . والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: "لا ضرر ولا ضرار" بمعنى تحريم ارتكاب ضرر بالغير وعدم دفع الضرر بارتكاب مثله .
كما أن هذه الوسطية الإيمانية تدعو إلى التيسير والابتعاد عما يشق على الناس، وهذا المعنى عبرت عنه القاعدة الكلية الفقهية "المشقة تجلب التيسير" وقد استنبطها الفقهاء من عدة آيات قرآنية وأحاديث نبوية منها: قوله تعالى: "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" وقوله تعالى: "يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً" وقوله تعالى: "ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج" والحديث الشريف: "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا" .
مقاصد التشريع الإسلامي
وقد اتفق العلماء على أن هذه النصوص القرآنية والأحاديث النبوية هي التي حددت مقاصد التشريع الإسلامي القائمة على: "جلب النفع ودرء المفسدة" وعند التعارض "يقدم درء المفاسد على جلب المنافع" والشارع الحكيم هو الذي يقدر ما إذا كانت مصلحة ما تحقق منفعة أو تدرأ مفسدة . وهذه المصالح تختلف درجة طلبها قوة وضعفاً تبعاً لمدى أهميتها، فكل فعل يتفق مع مقاصد الشارع يتدرج من الوجوب إلى الندب إلى الإباحة . أما الأفعال التي تنافي مقاصد الشريعة فإنها تعتبر مفسدة، ويتدرج حكمها من التحريم إلى الكراهة .
وقد قسم العلماء المصالح إلى ثلاث مراتب:
- مصالح ضرورية: أي تتوقف عليها حياة الناس في الدنيا أو الآخرة . وتنقسم إلى خمسة أنواع: الدين، النفس، العقل، النسل، المال .
- مصالح حاجية: ولا تتوقف عليها حياة الناس ولكن وجودها يرفع عنهم الحرج وييسر أمور حياتهم مثل إباحة بعض صور المعاملات وتحريم بعضها الآخر .
- مصالح تحسينية: وهي لا تستهدف المحافظة على مصلحة ضرورية ولا حاجية ولكن تستهدف الأخذ بمحاسن العادات والأخلاق الفاضلة .
وإذا كانت كل الشرائع القانونية تنظم المصلحة الضرورية والمصلحة الحاجية، فإن الشريعة الإسلامية - كما يوضح د . واصل- تزيد عليها تنظيم المصالح التحسينية لأن مقاصد الشريعة الإسلامية ليست نفعية فقط، بل هي مثالية تبتغي تربية إنسان صالح . . وإذا ما تعارضت المصالح أو تنافست سواء فيما بين الأفراد، أو فيما بين الفرد والجماعة يتم الترجيح بينها حسب مرتبتها، فالمصالح الضرورية لها الأولوية، ثم تليها المصالح الحاجية، ثم تأتي المصالح التحسينية فإن اتحدت المصالح في المرتبة يتم الترجيح على أساس أولوية النوع، فتتقدم المصلحة في الدين على المصلحة في النفس، وتتقدم هذه على المصلحة في العقل وهكذا .
وإن تعارضت المصالح ذات المرتبة الواحدة والنوع الواحد يتم الترجيح حسب مدى عموم وخصوص كل منها فتتقدم المصلحة العامة، أي مصلحة الجماعة، على المصلحة الخاصة أي مصلحة الفرد . فإن تساوت المصلحتان المتعارضتان في المرتبة وفي النوع وفي درجة العموم أو الخصوص يتم الترجيح بينها على أساس المعيار الذي وضعته القاعدة الشهيرة "الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف" .
والوسطية الإسلامية التي تحمل خصائص تميزها عن المذاهب الفردية والمذاهب الجماعية والمذاهب الوسطية المعاصرة لابد أن تجني ثمار اعتدالها وتوازنها، فهي تدعو إلى مجتمع متوازن يراعي جميع النوازع التي تنفعل بها النفس البشرية وسبيلها إلى ذلك "الإيمان"، وتوفق بين مصالح الفرد ومصالح الجماعة وسبيلها إلى ذلك التضامن والتكافل الاجتماعيان .
ويضيف د . واصل: الإيمان أهم مقومات الوسطية الإسلامية وهو ما يميزها عن الشرائع المعاصرة . فقد جاء الإسلام بتنظيم شامل لأمور الدين والدنيا معا وجعل رعاية أمور الدين على رأس الواجبات التي يقوم بها ولي الأمر في الدولة الإسلامية، وهو بذلك يختلف عن الشرائع السماوية السابقة التي فصلت بين الدين والدولة، ففي شريعة الإسلام يكاد يكون مستحيلاً أن نفصل بين الجانب الديني والجانب الدنيوي في كل النظم التي جاءت لتنظيم المجتمع . ولذلك يوصف الإسلام بأنه دين ودولة .
ومن ثمار الوسطية الإسلامية التكامل بين العلم والإيمان، حيث تقوم الوسطية الإسلامية على الجمع بين العلم والإيمان وبين الدين والعقل في وحدة متناسقة شاملة .