ما أصدق قول القائل، لكي تفهم شعباً، يجب أن تعرف قيمة الزمن عنده!! فلا مستقبل لأمة لا يؤرقها الوعي بالوقت، فإذا كنا نتحدث بصدق وجدية عن رغبة في تطوير الحاضر، وعن عزيمة تنقلنا لمقتضيات القرن الذي نعيشه، لنتمكن من استيعاب حضاراته، والتزود بتقنياته، واستكشاف رؤاه، والتبصير بخفاياه ومكائده، فلا بد من أن "يؤرقنا" ما يضيع من أوقاتنا ولنستثمره بالشيء المفيد .
منذ اكتشاف "المزولة الشمسية" أول ساعة عرفها البشر قبل الميلاد ب 3500 عام، كانت معرفة الوقت الشغل الشاغل للإنسان، ومن بعدها توالت الاكتشافات التي أعطت الإنسان تقييماً دقيقاً للزمن الذي تضاعفت أهميته، وتحول في وقتنا الحاضر من مجرد رصد لساعات اليوم إلى سلوك يجسد ثقافات الشعوب، فخرجت العديد من الدراسات التي تصنف الدول وفق نظرتها للساعات والدقائق فعرفنا ذات الإيقاع السريع والأخرى ذات البطيء وأن أسرع الشعوب أغناها، ولكل إنسان ساعته البيولوجية والتي أثبتت الأبحاث أنها تقع في المخ وتتكون من 20 ألف خلية عصبية ومهمتها تحديد أولوياتنا .
تختلف ثقافة الوقت من مجتمع لآخر ومن دولة لأخرى، فإذا تأخرت لساعة عن موعدك في البرازيل قد لا يعني ذلك بأنك قمت بعدم احترام من دعاك، أما إذا تأخرت ل 5 أو 10 دقائق في سويسرا عليك أن تشرح أسباب تأخيرك، من هنا نلاحظ أن نظرة الاختلاف بين الدول وطريقة تعامل الثقافات مع هذا المفهوم، والمؤكد أن الساعة باتت تعكس أولويات ومتطلبات المجتمعات ونظرتهم للعالم .
على مدار عقود من الزمن عكف علماء الاجتماع على دراسة الاختلافات الواسعة في نمط إيقاع الحياة في بلدان مختلفة وفي طريقة وإدراك وفهم أهمية الوقت، فالبعض يراه كسهم لاستبصار المستقبل والآخر كعجلة دوارة يدور فيها الماضي والحاضر والمستقبل بشكل مستمر . مجتمعات كسكان أستراليا الأصليين يخلطون ما بين الوقت والمكان، فلهم مفهوم ما يسمى بعصر الأحلام أو طرق الأحلام الذي لا يشمل في كونه أسلوباً لتأليف الأساطير وإنما تمثل طريقة لإيجاد أسلوب حياتهم داخل مناطقهم .
لا تختلف قيمة الوقت بين الدول والمجتمعات فحسب، بل حتى ضمن الدولة نفسها بين من هم في السلطة وبين عامة الشعب وذلك بحسب الدراسات فهذا الأمر يعد عالمياً، فالمسؤول في السلطة مرتبط دائما بمواعيد واجتماعات وزيارات ولقاءات تحدد نظرته للوقت، أما الإنسان من عامة الشعب تكون نظرته مختلفة .
يمكن القول إن دراسة الوقت يمكن أن تقسم إلى المصالح "البراغماتية" للأفراد وإلى طبيعة الكون كمكان للعيش .
على الجانب العملي وفي بداية الخمسينات من القرن الماضي كان عالم الانثربولوجيا "علم الاجناس" الأمريكي د . إدوار تي هول كتب أن قواعد الزمن في المجتمع تتضمن "لغة صامتة" وكان وقتها نشر كتاباً في عام 1959 بنفس العنوان وضح فيه كيف تؤثر العوامل الثقافية في الفرد بطريقة خفية من دون أن يدري بها .
وبحسب د . هول تكون مفاهيم المكان والزمان أدوات يمكن لجميع الكائنات البشرية نقل رسائل بواسطتها، على سبيل المثال، المكان هو نتاج دفاع غريزي لحيوان ما عن مخبئه، وينعكس في المجتمع البشري بصورة الدفاع الغيور لموظف عن مكتبه، وبشكل مماثل فإن مفهوم الوقت يختلف من دقة غربية إلى غموض شرقي، ويتوضح من رجل أعمال يترك عميلاً ينتظر من دون إحساس، وأحد سكان جزيرة في جنوب المحيط الهادي بقتل جاره من أجل ظلم عاناه قبل عشرين عاماً .
ذكر هول أن مفهوم الوقت لدى المجتمعات والثقافات المختلفة يؤدي إلى فهم خاطىء بين البشر، وأعطى مثالاً أن السفير الذي ينتظر نصف ساعة لاستقبال وفد أجنبي عليه قبول اعتذار الوفد ولا يعتبرها إهانة لشخصه .
يقول روبرت ليفين عالم النفس الاجتماعي من جامعة كاليفورنيا: "إن إحدى جماليات دراسة الزمن إنه نافذة رائعة على الثقافات، فبدراسة الوقت لديها، نحصل على أجوبة تخص الأمور الغالية بالنسبة للثقافات المختلفة، وبذلك تحصل على قدر من المعلومات يساعدك على معرفة المهم بالنسبة للشعوب المختلفة" .
الباحث في علم الأجناس في جامعة كوينز، كيفن بيرث، فقد درس الوقت في ترينيداد ووجد أن أي موعد في السادسة مساء يمكن أن يتأخر حضوره إلى السادسة وخمس وأربعين دقيقة أو حتى إلى السابعة، وعندما تعتب على المتأخر يقول لك: أي وقت في ترينيداد هو الوقت الصحيح، ويمكن لهذه الأريحية أن تطبق على مديري، وأصحاب الشركات والمسؤولين، إلا أنها لا تطبق على الموظفين، إذ يكون لزاماً عليهم الانضباط بساعات العمل الرسمية بحذافيرها، ويقول بيرث: "بالنسبة لهم، الوقت هو الوقت" .
ويضيف بيرث أن الارتباط بين النفوذ وفترة الانتظار أمر ملحوظ وقائم في ثقافات كثيرة، كما أن الطبيعة الضبابية للزمن تجعل من الصعوبة أمام عالم للأجناس أن يسير إلى أي شخص في المجتمع ويسأله: "أخبرني عن مشاعرك تجاه الوقت، فالناس غالباً لا يمتلكون جواباً عن مثل هذا السؤال، يجب عليك أن تجد أساليب أخرى للبحث" .
وحاول بيرث أن اكتشاف أهمية الوقت في ترينيداد من خلال استكشاف كيفية ارتباط الوقت بالمال في ذهن المجتمع، وقام بمسح بين ساكني المناطق الريفية ووجد أن المزارعين الذين ترتبط أيامهم بالطبيعة ومتغيراتها، كشروق الشمس وهطول المطر، لم يتعرفوا إلى جمل من مثل "الوقت هو مال" أو "ضعوا ميزانية للوقت لديكم" . بالرغم من أن هؤلاء المزارعين من الذين يمتلكون التلفاز وأجهزة الستلايت، ويطلعون على الثقافات الأجنبية السائدة، إلا أن الخياطين في نفس المنطقة الجغرافية كانوا يدركون أهمية الوقت ومعناه، واستنتج بيرث أن العمل المأجور يجعل الشخص أكثر إدراكاً للوقت وأهميته، وأن فكرة ارتباط الوقت بالمال ليست من الأفكار المنتشرة عالمياً، إلا أنها مرتبطة بنوعية العمل والأشخاص الذين نعمل معهم، وطريقة تعامل الناس مع الوقت على أساس يومي لا علاقة له بطريقة إدراكهم له كقيمة مطلقة . ويقول: "إننا لا نفكر بنظريات عالم الفيزياء البريطاني ستفن هوكينز حول الزمن، ولا نتذكر اينشتاين عندما ننظر إلى الساعة في حياتنا اليومية، ربما يكون مصطلح الزمن الأعصى على التعريف، فالزمن أمر نحس به أو نقيسه أو نقوم بتخمينه، وهو يختلف باختلاف وجهة النظر التي ننظر بها بحيث يمكننا الحديث عن زمن نفسي أو فيزيائي أو تخيلي" .
أسرع وأبطأ 5 دول
كان روبرت ليفين عالم النفس الاجتماعي بجامعة كاليفورنيا وفريقه أجروا دراسات حول "إيقاع الحياة" في 31 دولة وفي دراسة نشرت في عام 1997 صنفت فيها الدول، فيما يخص الوقت حسب ثلاثة مقاييس: سرعة السير على الطريق، وزمن توفير الطابع البريدي الاعتيادي من قبل موظفي دوائر البريد ودقة الساعات العامة، وبناء على هذه المتغيرات الثلاثة، وجد أن أسرع خمس الدول تشمل سويسرا وايرلندا وألمانيا واليابان وإيطاليا، أما أبطأ خمس دول فشملت سوريا السلفادور والبرازيل وإندونيسيا والمكسيك، أما الولايات المتحدة الأمريكية فجاء ترتيبها ال 16 مما وضعها في المعدلات المتوسطة .
إيقاعات
نظام الزمن يختلف لدى جميع دول العالم، لذا علينا جميعاً فهم نظرة كل شعب للوقت وأهميته لمعرفة كيفية التعامل معهم، فالثقافات بكل بساطة لديها قيم مختلفة .
كل الدول والثقافات في العالم تملك وسائل متنوعة لمعرفة الوقت والزمن، منها الساعات والتقويمات السنوية التي تسير العالم على إيقاع متشابه في الزمن ولكن هذا لا يعني أن الجميع لديه نفس الإيقاع في مفهوم الوقت، فالبعض من البشر يشعر بأن وقتهم ينفد بسرعة من كثرة الأعمال، فيما لا يجد البعض الآخر أريحية للتحكم بوقته على النحو الملائم .