ورد اسم الله الوهاب في ثلاثة مواضع في القرآن الكريم، الأولى حسب ترتيب المصحف في قوله تعالى: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب (آل عمران: 8)، والثانية في قوله تعالى: (أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب) (ص: 9)، والثالثة في قوله تعالى: قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب (ص: 35).

ولم يرد اسم الله الوهاب في صحيح السنة إلا فيما ورد عند البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن عفريتاً من الجن تفلت علي البارحة ليقطع علي الصلاة فأمكنني الله منه، فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي، فرده الله خاسئا).

لا عوض ولا غرض

وقال ابن منظور في لسان العرب: (الهبة هي العطية الخالية عن الأعواض والأغراض، فإذا كثرت سمي صاحبها وهّابا)، وقال الخطابي: الوهاب هو الذي يجود بالعطاء عن ظهر يد من غير طلب للثواب من أحد، فالهبة هي الإعطاء تفضلا وابتداء من غير استحقاق ولا مكافأة، وقيل هي أن تجعل ملكك لغيرك بغير عوض، ولا غرض، وبغير قدرة من الموهوب على كسبها، ولا تكون هبة إلا بهذين الركنين: التملك أولا، وأن تكون بلا عوض ثانيا، ولذلك قيل في تفسير اسم الله الوهاب سبحانه أنه هو الذي يكثر العطاء بلا عوض، ويهب ما يشاء لمن يشاء بلا غرض، ويعطي الحاجة بغير سؤال، ويسبغ على عباده النعم والأفضال، نعمه كامنة في الأنفس، وجميع المصنوعات، ظاهرة بادية في سائر المخلوقات، نعم وعطاء وهبات تدل على الوهاب: (الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم) (البقرة: 22)، وقال تعالى: أم من خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون. أم من جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون. أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون. أم من يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون. أم من يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (النمل: 60 64).

والله جل شأنه يهب العطاء في الدنيا على سبيل الابتلاء، ويهب العطاء في الآخرة على سبيل الأجر والجزاء، فعطاؤه في الدنيا علقه بمشيئته وابتلاؤه للناس بحكمته ليتعلق العبد بربه عند النداء والرجاء، ويسعد بتوحيده وإيمانه بين الدعاء والقضاء، وهذا أعظم فضل وأكبر هبة وعطاء إذا أدرك العبد حقيقة الابتلاء، واستعان بالله في تحقيق ما يتمناه، وقال تعالى عن الراغبين في الدنيا المعرضين عن الآخرة: من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا (الإسراء: 18)، فعلق تحقيق مراد العبد في الدنيا على مشيئته سبحانه، أما في الآخرة فيحقق للعبد مشيئته وما يتمناه قال تعالى: لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد (ق: 35).

هو سبحانه الوهاب المتفضل بالعطايا الذي ينعم بها لا عن استحقاق عليه، بل هي محض تفضل منه، وما دفع أحد من خلقه ثمنا لها ولا كافأه عليها تبارك وتعالى، ولذلك قال القرطبي في تفسيره لاسم الله الوهاب: (فالله عز وجل من أسمائه الحسنى الوهاب ومن صفاته أنه يهب ما يشاء لمن يشاء كيف يشاء، فإن أوجب شيئا على نفسه فهو من فضله وكرمه، فما يعطيه لعباده ظاهرا وباطنا في الدنيا والآخرة، إنما هي نعم وهبات وهي من الكثرة بحيث لا تحصيها الحسابات).

لا واهب غيره

ولا واهب على الحقيقة بحسب تعريف الهبة إلا الله عز وجل، فإذا كانت الهبة عبارة عن التمليك بغير عوض، فلن تجد في الأرض من يعطي شيئا بلا عوض، حتى المؤمن إذا وهب، فهو يطمع برضاء الله عز وجل، فيكون عوضه الثواب من الله عز وجل، وعلى هذا فكل الناس واهبون على المجاز أي لا يملكون العطاء إلا لمن أراد الله، فالوهاب في حقيقة الأمر هو الله، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك)، وهو سبحانه يجعل لهبته أسبابا، وحين جاء جبريل عليه السلام إلى مريم عليها السلام قال لها: (إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا)، وفي قراءة أخرى: (ليهب لك غلاما زكيا) فالوهاب على الحقيقة هو الله، ولكن جبريل هو الذي تجري الهبة على يديه فيكون واهبا على المجاز.

وما من مخلوق أعطي رزقا إلا والله هو الذي أعطاه، وما من عبد وهب نعمة إلا والله هو الذي وهبه: قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى (طه: 50)، والهبات تتحدث عن الواهب الذي وهبها، ولا وهاب لها غيره، وهي لا تعد ولا تحصى، فالولد الصالح هبة، وقد يجمع الله عز وجل لعبد من عباده كلا الهبتين من الذكور والإناث، كما في قوله تعالى: يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور. أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير (الشورى: 49 50)، وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أولادكم هبة الله لكم، يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور، فهم وأموالهم لكم إذا احتجتم إليها)، وسليمان هو هبة الله إلى عبده ورسوله داود: ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب (ص: 30)، وهو سبحانه الذي وهب إبراهيم عليه السلام الذرية الصالحة: فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا (مريم: 49)، وهو جل وعلا الذي استجاب لدعاء نبيه زكريا ووهبه يحيى عليه السلام: فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين (الأنبياء: 90).

والزوجة الصالحة هبة، قال تعالى عن نبيه زكريا عليه السلام: (وأصلحنا له زوجه (الأنبياء: 90)، والأهل هبة قال تعالى في نبيه أيوب عليه السلام: ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا (ص: 43)، والأخ الصالح هبة، قال تعالى عن نبيه موسى حين أرسل معه أخاه هارون: ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا (مريم: 53)، والنبوة هبة، يقول القرآن الكريم على لسان نبي الله موسى عليه السلام: فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين (الشعراء: 21)، والأخلاق الطيبة هبة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، وأصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت).

ثمرات وهبات

ودعا سليمان عليه السلام ربه باسمه الوهاب فطلب ما لم يطلبه نبي من قبله ولا من بعده وأجابه الوهاب إلى ما طلب: (قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب) (ص: 35)، وكان صلى الله عليه وسلم يدعو ربه باسمه الوهاب ليهب له الرحمة كما جاء في قوله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه رضي الله عنهم: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب) (آل عمران: 8)، وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كان إذا استيقظ من الليل قال: لا إله إلا أنت سبحانك، اللهم إني أستغفرك لذنبي وأسألك برحمتك، اللهم زدني علما ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب).

رجاء لا ينقطع

وأولى ثمرات معرفة الله باسمه عز وجل الوهاب ألا ينقطع رجاء العبد من الوهاب فيسأله من هباته وواسع فضله، وينظر إلى واسع كرمه وجليل نعمه ويطمع في رحمته، كما فعل نبي الله إبراهيم عليه السلام إذ سأل الله عز وجل الحكم والصلاح، فقال: (رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين) (الشعراء: 83)، وسأل نبي الله سليمان عليه السلام أن يهبه الوهاب الملك فقال: (رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي) (ص: 35)، ودعا نبي الله زكريا عليه السلام بأن يهب له الولد فقال: (رب هب لي من لدنك ذرية طيبة) (آل عمران: 38).

والعبد المؤمن الذي يتعبد ربه باسمه الوهاب يتعمد أن يكون كريما معطاء وجوادا وسخيا، وقد ذم النبي صلى الله عليه وسلم العودة عن الهبة فيما روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه ليس لنا مثل السوء)، وفي رواية النسائي وصححه الشيخ الألباني: (لا يحل لأحد أن يهب هبة ثم يرجع فيها إلا من ولده، فمن فعل ذلك فمثله كمثل الكلب يأكل ثم يقيء ثم يعود في قيئه).