وضعت المعارضة اليمنية المنضوية في إطار تكتل اللقاء المشترك وشركاؤها، حداً للتساؤلات بشأن موقفها من المبادرة التي تقدم بها الرئيس علي عبدالله صالح قبل أسبوعين، والتي شملت العديد من النقاط، كان من أبرزها القرار المثير للجدل والمتمثل في تأجيل الانتخابات التشريعية التي كان من المقرر أن تشهدها البلاد في السابع والعشرين من شهر إبريل (نيسان) المقبل، وتجميد التعديلات الدستورية التي كان أحالها البرلمان إلى مجلس النواب، والتي كانت تسمح ببقاء صالح فترة أطول في الحكم، بالإضافة إلى استئناف الحوار الذي كان جمده حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم من طرف واحد وذهابه منفرداً إلى الانتخابات بعد أن شكل لها لجنة عليا من القضاة، وهي إجراءات اعتبرتها المعارضة انقلاباً على التوافق السياسي الذي كان قائماً بين الجانبين خلال السنوات الماضية .
السؤال لماذا قررت المعارضة العودة إلى الحوار المنقطع منذ أشهر، ثم لماذا عاد الحزب الحاكم ومد يده من جديد للمعارضة، رغم إصرار العديد من قادة الحزب بأن العودة إلى الحوار قضية مستحيلة، وما هي السبل التي تجعل الطرفين قادرين على إنجاح تحركاتهما السياسية لتهدئة الشارع الذي بدأ يفقد ثقته فيهما، بخاصة بعد أن تزود بجرعة من الشجاعة التي حملتها إليه رياح التغيير في كل من تونس ومصر ؟
احتقان سياسي
طوال الأشهر التي تلت انقطاع الحوار بينهما، تبارى الطرفان، السلطة والمعارضة، في تحميل المسؤولية في الإخفاق على الطرف الثاني، لكن الأحداث التي شهدتها كل من مصر وتونس أعادت جزءاً من الحيوية إلى المعارضة التي رأت في هذه الأحداث عاملاً مشجعاً في انتزاع الكثير من التنازلات التي ظل الحزب الحاكم يتمنع من منحها للمعارضة، فقد كان صقور الحزب الحاكم يدفعون البلد إلى إجراء انتخابات تشريعية بالمعارضة أو بدونها، بل وأكثر من ذلك تهيئة البلد إلى تعديلات دستورية تمنح الرئيس صالح فترة أطول في الحكم عبر تمرير حزمة من التعديلات الدستورية أهمها تعديل المادة 112 من الدستور التي تحدد فترة ولاية رئيس الدولة بفترتين فقط كل منهما سبع سنوات لتصبح خمس سنوات، وإلغاء فترة التحديد، بحيث يمكن للرئيس صالح الترشح لأكثر من مرة، وهو ما وصفه الأمين العام المساعد لحزب المؤتمر سلطان البركاني ب قلع عداد الرئاسة، وهو ما اعتبرته المعارضة إفساح المجال للرئيس صالح ليبقى رئيساً مدى الحياة .
وجاءت أحداث تونس وهروب رئيسها زين العابدين بن علي بصورة فاجأت الجميع، ومن بينهم اليمن، الذي سارع الرئيس صالح إلى إعلان حزمة من القرارات التي عبرت في مجملها عن قلق مما جرى في تونس، حيث قرر صالح زيادة رواتب موظفي الدولة من مدنيين وعسكريين وقوات أمن، والبدء بتحريك ملفات الفاسدين المجمدة لدى الهيئة الوطنية للفساد التي شكلها الرئيس صالح قل عدة سنوات، حيث لم تقدم الهيئة أي مسؤول إلى المحاكمة، مع أن ظواهر الفساد طاغية بشكل كبير .
وبدا وكأن السلطة استشعرت خطورة النموذج التونسي من الانتقال إلى الشارع اليمني، فداهمتها أحداث مصر وما رافق هذه الأحداث من تطورات وصور أذكت مشاعر اليمنيين وحفزتهم على تمثل النموذج المصري، فنزل الآلاف إلى الشوارع في محاكاة للنموذج المصري، فحمل الرئيس صالح معه مبادرة إلى اجتماع مشترك لمجلسي النواب والشورى والحكومة، تضمنت تأجيل الانتخابات التشريعية التي كان من المقرر أن تشهدها البلاد في شهر أبريل ( نيسان ) المقبل وتجميد التعديلات الدستورية واستئناف الحوار مع المعارضة، والأهم من ذلك كله قراره بعدم ترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية المقبلة المقرر أن تجرى في سبتمبر ( أيلول ) من العام 2013 من خلال تأكيده على أنه لا تمديد ولا توريث، ما يعني أن الحزب الحاكم لن يستقوي بتأريخ الرئيس صالح في الانتخابات الرئاسية المقبلة، كما أن هذا الموقف يحد من السعي إلى توريث سلطة صالح إلى أكبر أنجاله، وهو قائد الحرس الجمهوري أحمد علي صالح، والذي كان يعد ليكون الوريث الحقيقي بعد أبيه، على الرغم من تأكيد صالح نفسه أكثر من مرة أن لا نية بتوريث الحكم في نظام جمهوري، خاصة وأن المعارضة تؤكد باستمرار أن النظام الجمهوري في اليمن تحول ببقاء الرئيس صالح في الحكم لمدة 33 عاماً إلى نظام ملكي، إذ إن لا تداول سلمياً للسلطة في البلاد منذ قيام دولة الوحدة العام 1990 .
أحداث مصر وقبلها تونس رفعت منسوب الاحتقان السياسي إلى أعلى مستوى له منذ سنوات، بخاصة بعد أن قررت المعارضة التعبير عن حالة الخصومة مع السلطة للخروج إلى الشارع عبر تسيير تظاهرات ضخمة في العاصمة صنعاء وعدد من مناطق البلاد، أكدت أن المعارضة لا تزال لديها القدرة على حشد أنصارها، ما شكل حرجاً كبيراً للحزب الحاكم وحلفائه، فقرروا النزول هم أيضاً إلى الشارع في خطوة أراد خلالها الحزب الحاكم التأكيد على حضوره وتأثيره في الشارع، موظفاً مخاوف اليمنيين من الفوضى، بحيث صور الحزب الحاكم المعارضة وكأنها بخروجها إلى الشارع كمن تستبيح العاصمة دماراً وتخريباً ونهباً، وهو ما خلق الشعور بالخوف لدى المواطنين ودفعهم إلى اتخاذ إجراءات صارمة لحماية أنفسهم من تصرفات الغوغائيين، الذين كانت تدمغ السلطة أنصار المعارضة، إلا أن تظاهرات المعارضة مرت بسلام، وأثبتت المعارضة أنها قادرة على السيطرة على جمهورها، ما دفع بوزير الداخلية اللواء مطهر رشاد المصري إلى الإشادة بالروح الايجابية التي تحلت بها تظاهرات المعارضة، وبالطبع تظاهرة الحزب الحاكم، وهي التظاهرات التي خرجت في توقيت واحد .
قلق مشروع
على الرغم من أن انعكاس الأحداث في تونس كانت كبيرة على الساحة اليمنية، إلا أن زلزال مصر كان هو الأعنف، فقد حضر النموذج المصري بشكل كبير في المشهد السياسي في البلاد، فقد تسمر اليمنيون طوال 18 يوماً أمام شاشات التلفزيون لمتابعة هذا الزلزال، ورأوا فيه نموذجاً يمكن تكراره في اليمن، وقد خرج إلى الشوارع الآلاف من أنصار المعارضة والناشطين الحقوقيين تحت لافتة دعم الثورة المصرية، لكنها في الحقيقة كانت تهدف من ورائها إلى إشعال ثورة شبيهة بثورة الشباب في مصر، ما جعل السلطة تتصدى للأمر باحتلال ميدان التحرير في العاصمة صنعاء حتى لا تسيطر عليها المعارضة ويتحول إلى مكان شبيه بميدان التحرير في مصر، وصدرت أوامر لقادة حزب المؤتمر الشعبي العام للنزول إلى الميدان وحشد الأنصار بهدف قطع الطريق على المعارضة من استخدام رمزية المكان إلى ثورة شبيهة بثورة الشباب في مصر .
ورأت أطراف سياسية أن قلق السلطة اليمنية من تكرار نموذجي تونس ومصر مشروع، بخاصة وأن كافة المؤشرات كانت ترجح انتقال عجلة التغيير من مصر إلى اليمن كبلد ثالث يحتمل فيه التغيير، إلا أنهم يرون أن الظروف التي يعيشها اليمن تجعل من هذا السيناريو مخيفاً فالوضع في اليمن لا يحتمل خضات عنيفة، بخاصة وأن العامل القبلي يؤثر في العلاقات الاجتماعية، بالإضافة إلى غياب مؤسسات دستورية حقيقية تكون قادرة على التعاطي مع أية أحداث أو خضات، وفوق ذلك كله توفر السلاح في أيدي المواطنين، مثله مثل المواد الغذائية والانزلاق في الفوضى يجعل اليمن غير قادر على السيطرة على الناس، ويجعل من مؤسسة الجيش غير قادرة على الإمساك بالوضع برمته، إذ إن كل جندي يمكن أن يعود إلى قبيلته إذا ما غاصت في البلاد في بحر الأزمات .
وفي الحقيقة فإن إمساك الرئيس صالح بالوضع طوال سنوات حكمه الممتدة لثلاثة وثلاثين عاماً ولّد انطباعاً من أن لا أحد غيره قادر على الإمساك بزمام الأمور في البلد، كما أن تهميش المعارضين طوال هذه السنوات أطلق العنان لمخاوف مرحلة ما بعد الرئيس، لهذا تمسك حزب المؤتمر الشعبي العام بصالح كمرشح وحيد له في الانتخابات الرئاسية المقبلة، على الرغم من أنه أكد في الانتخابات الأخيرة التي جرت في سبتمبر ( أيلول ) 2006 أنه ملّ الناس وأن الناس ملّوه، وأنه لن يترشح في أية انتخابات قادمة .
وانتقل القلق إلى السلطة والمعارضة معاً، بخاصة مع تأكيدات لدى قادة كبار في المعارضة أن ورقة الشارع ليست بيد أحد والمراهنة على هذه الورقة يمكن أن يجلب الكثير من التصعيد، مع إصرار الحزب الحاكم على عدم التخلي عن هذه الورقة لتصبح في يد لاعب واحد، ويبدو أن الحزب استفاد من سلبيات التجربتين التونسية والمصرية، ودفعت بالرئيس صالح إلى التأكيد على أنه مستعد لتقديم تنازلات تلو التنازلات إذا ما كانت هذه التنازلات ستعمل على خدمة استقرار اليمن، ما فهم أن النظام أراد تجنب التشدد الذي أبداه النظام المصري في بداية ثورة الشباب قبل الخامس والعشرين من شهر يناير ( كانون الثاني ) الماضي، وجاءت أعمال العنف والدمار الذي حصدته الأيام الأولى من ثورة شباب مصر لتزيد من منسوب القلق لدى السلطة من أن تكون قابلة للتطبيق في اليمن .
تنفيس سياسي
بعد أسابيع من مراقبة التطورات في كل من تونس ومصر اضطر طرفا الصراع إلى تبني مشاريع سياسية من شأنها تقليل مخاطر الانزلاق إلى العنف، ترافق ذلك مع رسائل خارجية، بخاصة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا مفادها أن على السلطة والمعارضة أن يدركا أن الحوار ضروري لإجراء إصلاحات سياسية واجتماعية عميقة، وأن اليمن لابد أن يجري مراجعة شاملة لمواقفه من قضية هذه الإصلاحات، بل إن الرئيس الأمريكي باراك أوباما خاطب الرئيس صالح بذلك بنفسه من خلال اتصال هاتفي به، بارك من خلاله بالمبادرة التي أعلنها في الاجتماع المشترك لمجلسي النواب والشورى، بل وطالبه بإيجاد آلية لتطبيقها .
ولم تكن ضغوطات الخارج على السلطة فحسب، بل وعلى المعارضة أيضاً، وقد التقى سفراء الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي بأطراف المعارضة لأكثر من مرة وشددوا خلال هذه اللقاءات على ضرورة انخراط المعارضة في عملية انتخابية سليمة بشروط يتفق الجميع حولها .
وربما كانت هذه الضغوط، بالإضافة إلى مخاوف تحمل المعارضة مسؤولية إفشال المبادرات السياسية الهادفة إلى مخرج من الأزمة القائمة، بخاصة بعد أن رمى الرئيس صالح بمبادرته إلى ملعب المعارضة جعلت الكثير يترقب موقف المعارضة من هذه المبادرة .
وبعد نحو أسبوعين من المبادرة جاء رد المعارضة، وكان هذه المرة رداً إيجابياً، خفف من وطأة الشعور بدخول البلد في نفق الأزمة، وكانت رؤية المعارضة مرتكزة على الموافقة على مبادرة الرئيس صالح التي تعني إلغاءً لكافة الإجراءات الانفرادية المخالفة لهذه الاتفاقيات والمتمثلة في التعديلات الدستورية والتصويت على قانون الانتخابات، وتشكيل اللجنة العليا للانتخابات، واستئناف الحوار عن طريق اللجنة الرباعية المشكلة من الرئيس صالح بصفتها هيئة رئاسة اللجنة المشتركة للتهيئة والإعداد للحوار الوطني ( ما تسمى لجنة ال200 )، ما يعني أنها عندما تجتمع بهذه الصفة ستبدأ من حيث انتهت وستعرض ما تتوصل إليه على اللجنة المشتركة للتهيئة والإعداد للحوار الوطني، التي تمثل المشترك وشركائه، والمؤتمر وحلفائه .
ورأت المعارضة في مشروع موافقتها على مبادرة الرئيس صالح أنها مستعدة للتوقيع خلال أسبوع على محضرٍ يحدد أطر وخطوات السير بعملية الحوار الوطني الشامل حتى بلوغه الأهداف المرجوة منه دونما توقف، مشيرة إلى أنها لن تقبل بأي حال من الأحوال أي تضييع أو تلاعب بالوقت .
واشترطت المعارضة لإنجاح الحوار أن يكون الجميع مشتركاً فيه، سواء كان الحراك الجنوبي أو الحوثيين أو قادة المعارضة في الخارج لضمان مشاركتهم الفاعلة في الحوار الوطني، وأن يجري تشكيل اللجان الفنية التي تقتضيها موضوعات وقضايا الحوار، وهي لجنة دستورية مشتركة، لجنة قانونية مشتركة، لجنة اقتصادية مشتركة، وأية لجان أخرى يتم التوافق عليها .
وقدمت المعارضة تلخيصاً لموقفها من المبادرة الرئاسية بتحديد العديد من النقاط، أبرزها أن الحوار لم يعد وسيلة لهروب الحزب الحاكم من أي مأزق وضع نفسه ووضع البلد فيه وأن الحوار يجب أن يتجه نحو تغيير النظام السياسي وهي مسألة يجب أن تشترك فيها كافة فعاليات المجتمع، وأن يتحمل المجتمع اليمني كله كلفة السير في طريق التغيير .
الجديد في موقف المعارضة موافقتها على تشكيل حكومة الوفاق الوطني على أن تتولى إنجاز الكثير من القضايا أبرزها: طرح التعديلات الدستورية التي سيتم التوافق عليها إلى مجلس النواب لاتخاذ الإجراءات الدستورية اللازمة، ومتابعة تقديم تعديلات قانون الانتخابات إلى مجلس النواب لإقراره على أن تتضمن حكما انتقاليا ينص على أن مهمة اللجنة العليا في المرحلة الأولى ينحصر في الإعداد للاستفتاء على التعديلات الدستورية وتشكيل لجنة عليا للانتخابات على قاعدة أربعة إلى خمسة (للمعارضة والحاكم على التوالي) وتعديل قانون الانتخابات وطرحه على مجلس النواب في ضوء نتائج الاستفتاء على الدستور، على أن تباشر اللجنة العليا للانتخابات الإعداد للانتخابات النيابية وأن يتم الانتهاء منها في الزمن الذي سيتم تحديده والتوافق عليه من قبل الجميع .
وتبقى تقدم الجميع نحو تنفيذ الاتفاقات بين السلطة والمعارضة هو التحدي الأهم، فذلك هو الطريق الوحيد لتجنيب البلد مخاطر الانزلاق إلى الفوضى ويحقق في نفس الوقت التغيير الذي يتطلع إليه اليمنيون كافة، وألا يبقى الصراع محصوراً بين الساسة والصراع في الشارع .