في عملية أمنية شملت تسع دول، جرت عملية مصادرة لأصول بقيمة 173 مليون دولار أخفاها ماتيو ميسينا دينارو، الذي يوصف بأنه «العراب الأخير» للمافيا الإيطالية، والذي ظل هارباً لمدة 30 عاماً، بعد إدانته في العشرات من جرائم القتل، لكنه توفي متأثراً بسرطان القولون في أحد المستشفيات بعد القبض عليه عام 2023.
الممتلكات والحسابات المصرفية التي جرت مصادرتها ثبت أنها تعود إلى ماتيو ميسينا دينارو، وهو عراب «مافيا صقلية»؛ حيث تم اكتشاف الأصول في الأراضي التابعة لبريطانيا في جبل طارق وجزر كايمان، إضافة إلى إيطاليا وإسبانيا وموناكو وأندورا ولوكسمبورغ وسويسرا ولبنان.
وفي إسبانيا، تم العثور على فيلات فاخرة وأصول أخرى مرتبطة بزعيم المافيا في المدن الساحلية ماربيا ومالقة وبناهافيس وبويرتو بانوس.
كما حددت الشرطة ثماني شركات مرتبطة بميسينا دينارو: خمس شركات مقرها في إسبانيا، واثنتان في جبل طارق، وواحدة في جزر كايمان.
التهم والإدانات
دِين ماتيو ميسينا دينارو غيابياً بعشرات جرائم القتل وهو هارب من العدالة، وشملت الأصول المصادرة فيلات وسيارات فاخرة وحصة كبيرة في بنك لبناني و12 كيلوغراماً من الذهب.
وأكد جيوفاني ميللو، كبير المدعين العامين الإيطاليين المختصين بمكافحة المافيا: «إن الاستيلاء على هذه الأصول يعني مواصلة عملية التفكيك اللازمة لمنع ظهور هياكل قادرة مرة أخرى على بسط نفوذها الترهيبي والاقتصادي الكامل، على نطاق عالمي. وكان التعاون بين مختلف الدول أساسياً».
وأوضح بحسب التليغراف، أنه تم اعتقال ثلاثة أشخاص في العملية المشتركة التي قادتها مديرية مكافحة المافيا في المنطقة، وهي وحدة نخبة مقرها باليرمو، عاصمة صقلية.
وتم القبض على زعيم المافيا سيئ السمعة، فيما تفيد التقارير بأنه أمر ذات مرة بإذابة صبي يبلغ من العمر 12 عاماً مختطفاً في الحمض، كما يتردد أنه تفاخر بقتل الكثير من الناس لدرجة أنه يستطيع ملء مقبرة، وذلك وفق شهود عيان، أثناء وجوده في إحدى العيادات الطبية في يناير 2023؛ حيث كان يتلقى العلاج من سرطان القولون، فيما توفي في المستشفى بعد بضعة أشهر عن عمر يناهز 61 عاماً.
كيف بنى إمبراطوريته؟
بحسب الشرطة، فإن الأصول التي تبلغ قيمتها 173 مليون جنيه إسترليني هي جزء من الثروة التي جمعها ميسينا دينارو من عائدات تهريب المخدرات والأنشطة الإجرامية الأخرى، في ثمانينات القرن الماضي.
بدأ في بناء إمبراطوريته التجارية في ثمانينات القرن الماضي؛ حيث استثمر عائدات الجريمة في شبكة معقدة من الشركات الخارجية.
صادرت السلطات الإيطالية أصولاً بمئات الملايين من اليورو خلال حياة ميسينا دينارو. وقد استثمر أرباح تهريب المخدرات في مجموعة من المشاريع التجارية التي تبدو مشروعة، من محال السوبر ماركت ومزارع الرياح إلى مزرعة دواجن في فنزويلا بقيمة 5 ملايين دولار (3.7 مليون جنيه إسترليني).
وخلال ثمانينات القرن الماضي، تولّى فصيل من منظمة كوزا نوسترا، ضم ميسينا دينارو في دائرته المقربة، زمام تجارة الهيروين. وكان الهيروين يأتي من الشرق الأقصى وتركيا ويُشحن إلى الساحل الشرقي للولايات المتحدة، بحسب ما قاله البروفيسور جون ديكي، الخبير في الجريمة المنظمة الإيطالية ومؤلف كتاب شفق الآباء الروحيين - الموت الغريب للمافيا الصقلية الذي سيصدر قريباً.
وأضاف: «لقد جنوا أموالاً طائلة، مستغلين طفرة الهيروين الطويلة في الولايات المتحدة في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، بعد حرب فيتنام. وبدأ تدفق أموال تجارة المخدرات فجأة إلى صقلية، والتي كانت على وشك أن تصبح جزيرة مخدرات. وفي نهاية المطاف، كان هذا ما أشعل فتيل حرب المافيا في أوائل الثمانينات، بمستويات العنف المذهلة التي شهدتها».
أُجبر ميسينا دينارو، الملقب باللهجة الصقلية «U Siccu» (النحيف)، على الاختفاء عن الأنظار في عام 1993، على الرغم من أنه كان يُعتقد أنه قضى معظم وقته في منطقته الأصلية في غرب صقلية، حول مدينة تراباني.
ولطالما تكهنت وسائل الإعلام الإيطالية بوجود تواطؤ من جانب السلطات الإيطالية، من السياسيين والشرطة إلى أجهزة المخابرات، حتى يتمكن من الإفلات من القبض عليه لفترة طويلة. لكن البروفيسور ديكي يعتقد أن ذلك غير محتمل، وأنه بدلاً من ذلك تمكن من البقاء حراً؛ لأنه كان لديه شبكة محلية قوية من المؤيدين.
ويوضح: «دائماً ما تقول الصحافة الإيطالية إنه لا بد أنه كان محمياً من قبل شخص ذي نفوذ كبير. أعتقد أن هذا محض خرافة. لقد كان مدعوماً بشبكة من الشركاء الموثوق بهم الذين كانوا على صلة بالمافيا لسنوات طويلة».
«النحيف القاسي»
حتى بمعايير العصابات الوحشية، فقد كان ميسينا دينارو معروفاً بقسوته، وأمر باختطاف ابن أحد المخبرين البالغ من العمر 12 عاماً، وخنقه، ثم إذابته في حوض من الحمض. كما خنق حتى الموت صديقة أحد منافسيه من المافيا وهي حامل.
وأثناء فراره، دِين غيابياً بالعشرات من جرائم القتل، بما في ذلك تفجيرات عام 1992 التي أسفرت عن مقتل اثنين من قضاة مكافحة المافيا البارزين جيوفاني فالكوني وباولو بورسيلينو.
كان من بين العديد من زعماء المافيا الذين دِينوا بتهمة إصدار أوامر بتنفيذ سلسلة من التفجيرات عام 1993 استهدفت كنيستين في روما، ومعرض أوفيزي في فلورنسا، ومعرضاً فنياً في ميلانو. وأسفرت التفجيرات عن مقتل عشرة أشخاص.
بعد اعتقاله، بدأ ميسينا دينارو يقضي أحكاماً بالسجن المؤبد في سجن شديد الحراسة في لاكويلا، وهي مدينة تقع في جبال وسط إيطاليا، حيث استمر في تلقي العلاج الكيميائي لسرطان القولون. لكن حالته تدهورت وتوفي قبل ثلاث سنوات.