لم أتذكر كل هذا؟..هل لأن صديقي صالح العراقي، أبو محمد، مات؟ جاء ابو محمد الى الامارات بحثاً عن الحياة، ربما وجدها، لربما لم يجدها، لكنه مات.يموت ابو محمد في العراق، لكنه لم يعد اليه خوفاً من الموت، فمات بعيداً عن العراق. الموت عادة علنية وخرافية في العراق الآن، لكن موت الشعراء على ما يبدو يأخذ شكلاً خرافياً متميزاً، خذ مثلاً: كزار حنتوش. وحنتوش كان من زمرة جان دمو، أو ممن سموا بالشعراء الصعاليك تيمناً ب صعاليك الجاهلية: السليك والشنفرى وطرفة، والذين لا أدري من ابتدع تصنيفهم تحت هذه الخانة.

في مطلع العام ،2007 وكانت على ما يبدو قد خفت نوبة الصعلكة عند حنتوش، وأضحى رئيساً لاتحاد الأدباء والكتاب العرب في الديوانية. وفي الديوانية كذلك دعاه اتحاد الشعراء الشعبيين الى حفل تكرم من خلاله زوجته المسماة: رسمية محيبس فلنلاحظ الاسم.

حضر حنتوش الشاعر والزوج الحفل طبعاً، وسمع كل الخطب والأشعار التي ألقيت احتفاء بزوجته، وفي الختام حان دوره ليلقي قصيدة غزلية قديمة له عن رسمية. ألقى حنتوش المقاطع الأولى من تلك القصيدة وجاء فيها:

لولا فيروز ورسمية

لاقترنت ضفدعة بي

وألقى العنز علي الفضلات

فيروز المغنية اللبنانية طبعاً ورسمية رسمية، لكن حنتوش لم يُكمل قصيدته ونزل عن الميكرفون وجلس بجوار رسمية وسط الحشد المحتفل.

جلس حنتوش ولم يقم. جلس ومات.. أما المقطع الذي لم يكمله من القصيدة:

لا رسمية هذا اليوم

لا صحو غداً

اليوم غناء تحت التوت

وغداً تابوت

هل يتنبأ حنتوش هنا بالموت؟ الموت لا يحتاج الى نبوءة في العراق. لا يحتاج نبوءة ولكن كان لا بد من حضور الطرقات على الباب عند رواية السيناريو المفترض لمقتل الشاعر العراقي الكبير محمود البريكان (1931 - 2002).

لم أتعرف الى البريكان كما يجب. ولاحقاً ومتأخراً جداً، وقبل مقتله بقليل، أو بعده بقليل كذلك، اقتنيت كتابين يضمان شبه مختارات من شعره، وملامح متباعدة عن حياته. وقد ختمت هذه المختارات بالطبع قصيدته: حارس الفنار، والتي تبدأ بهذا:

أعددت مائدتي وهيأت الكؤوس

متى يجيء الزائر المجهول؟

أوقدت القناديل الصغار

ببقية الزيت المضيء

فهل يطول الانتظار؟

(......)

أنا في انتظار الزائر الآتي

أيجيء

بلا خطى

ويدق دقته على بابي

ويدخل في برود

وببرود مماثل أيضاً بإمكاني قراءة تقرير عن مقتل البريكان دوّنه أحد العراقيين ونشره على النت وحلف فيه بأغلظ الجمل بأن التقرير دقيق جداً ومستقى من مصادر موثوقة في أقسام الشرطة، ومن الأصدقاء المقربين للشاعر.

والتقرير المكتوب بلغة قانونية لا يخرج عموماً عن السيناريو الشائع حول ذلك المقتل. فالبريكان لم يخرج من العراق إلا قليلاً خرج لسنوات معدودة كي يدرّس في الكويت وعاد، ويقال بأنه عاد عند الخمسينات أو الستينات من القرن الفائت بثروة مادية ما، وظلت هذه الثروة الأسطورية - من راتب مدرس في الكويت وقتئذ - متنامية حتى بعد مقتله، لم يخرج من البصرة إلا قليلا، لم يخرج من البيت.

مصاب البريكان بالارتياب لربما، ولربما بما هو أكثر من الارتياب: الخوف الذي يقرع على نوافذ الداخل. إنه صوت ذو نبرة مختلفة، هكذا قال عنه النقاد، وقالوا ايضاً بأنه صوت ذاتي قوي وواثق، ولغته صلبة ودقيقة، وبالتأكيد كان البريكان ذاتياً، ودقيقا، ولغته صلبة. ولكن هل كان قوياً وواثقاً حقاً؟

إن ما أدهش وخلب عقول وقلوب العراقيين ليس شعر البريكان الرائد والقوي والمتميز والخاص وإنما الأسطورة التي خلقوها حوله، أو خلقها حول نفسه. فلقد قرأت مقالاً محكماً حول هذا المعنى الأخير لسامي مهدي، وحاول الاستاذ سامي الذي جالسته على طاولة في باريس وكان يهطل مطر خفيف، ويتراءى لي طفل ايلوار الجائع من خلف زجاج المقهى المضبضب أن يقنعنا بذلك، لكن اسطورة البريكان لن تتزحزح قيد مقالة، وكما شاهد الاخباريون الحلاج ينزل من صلبه ويركب حماراً ويغادر بغداد من جهة الشرق، فإن الأسطورة المعاصرة للبريكان ستتضخم وتكبر بعد موته وسينزل كسلفه من صليب التحليلات.

طوال حياته لم يقرّب البريكان، كما يقال، إلا القليل من الأصدقاء كان يجالسهم في مقاهي البصرة، والأقل منهم يزورونه في البيت. من يزوره لا يستطيع أن يصطحب معه أحداً من دون إذن مسبق، أو هكذا يقال، ويقال أيضاً بأن نوافذ بيته وأبوابه كانت متربسة ومتعددة الأقفال ومن خلف الباب كان ينظر الى الطارقين عبر فتحة أو فتحات: من الزائر الآتي. هكذا لربما كان يتساءل بتوجس، وكثيراً ما كان يتردد أو لا يفتح الباب إطلاقاً.

من مجايلي السياب ونازك والبياتي والحيدري الذين ملأوا العواصم العربية شعراً واسئلة ومفارقات وألماً وضجيجاً إلا أنه لا يحب الشهرة، لا يتبع وهمها الأشقر، ولا يطارد الأمسيات والصحافيين ولم ينشر إلا القليل من شعره. ولم يجر إلا مقابلات صحافية نادرة. وكان البعض من العراقيين ينتظرون وجهه وصوته وقصيدته كمعجزة هل لعب بأعصاب المنتظرين، وهل نجحت خطة الاختباء وخلقت صورته؟، ولم يفعل ذلك لأنه لا يحب الحياة، ولم يفعل ذلك لأنه لا يقدر شعره، فالجميع يكاد أن يتفق على انه وضع الأوراق التي كتب عليها قصائده في مصرف أيام القصف الايراني. ولكن ماذا كان يفعل البريكان في دقائق وحدته المديدة عاش ما يقرب من السبعين عاماً وتزوج مرتين وطلّق كما قرأت. بالطبع يكتب أحياناً، أحياناً قليلة، شعره، فهو ليس بمكثر. ولكن ماذا ايضاً؟ هل كان يعايش قلقه؟ كان يشرب قليلاً أو كثيراً، ويقرأ الأسطورة لا تقول هل كان يقرأ، وما الذي يقرؤه؟. ويسمع الموسيقا كان على معرفة عميقة بالموسيقا الغربية الكلاسيكية كما يحبذ أن يؤكد صديقي الشاعر زاهر الغافري.

الموسيقا تطلق أحياناً أشباح الداخل وترقّصها بين الضوء والعتمة.. ولربما كان يتأمل ما الذي يعنيه التأمل هنا؟، ولربما يفعل هذا:

أتذكر المدن الخفية في البحار

أتذكر الأموات. والسفن الغريقة. والكنوز وسبائك الذهب المصفى، والعيون اللامعات

وجدائل الشعر الجميلة في القرار

منثورة، وأصابع الأيدي المحطمة النحيلة

مفتوحة لا تمسك الأمواج.

في الطرق الظليلة

في القاع، تنتثر النياشين المدورة الصقيلة

وتقر أسلحة القراصنة الكبار.

يا طالما أسريت عبر الليل، أحفر في القرار

طبقات ذاك الموت. اتبعت الدفائن في السكون

استنطق الموتى. أرى ما كان ثم وما يكون .

واشم رائحة السكون الكامل الأقصى.

أريد

أنا لا أمثل من جديد

آلام تجربة العصور.

أنا لا أقطع بالتوتر، أو أسمر في الحضور.

أبصرت آدم في تعاسته، ورافقت الجيوش

في أضخم الغزوات، نؤت بحمل آلاف النعوش.

غنيت آلاف المواسم، همت في أرض الجمال

ووصلت أطراف المحال.

ورأيت كيف تدمر المدن المهيبة في الخفاء.

شاهدت ما يكفي. وكنت الشاهد الحي الوحيد في ألف مجزرة بلا ذكرى،

وقفت مع السماء

أتأمل الشمس التي تحمرّ. كان اليوم عيد ومكبرات الصوت قالت: كل إنسان هنا هو مجرم حتى يقام على براءته الدليل.

وسمعت أبواق الغزاة تضج في الليل الطويل.

ورأيت كيف تشوه الأرواح جيلاً بعد جيل.

وفزعت من لمعان مرآتي: لعلي كالمسوخ

مسخ تقنعه الظلال.

وعجبت منها دمعة في القلب تأبى أن تسيل.

والدمع مهما رق هل يكفي لمرثية الجمال؟.

هذا المقطع من قصيدة حارس الفنار أيضاً. البريكان الشمري يعاد إلى القبيلة والصحراء بغرض رج الدواء قبل الاستعمال في شعره عيون. عيون الوحدة حينما تفزع من لمعان المرآة أم تلك العيون التي لا تفوّت أي شيء؟ فلنقرأ مثلاً هذه السطور من قصيدة الغرفة خلف المسرح:

مدخل منعزل

ومصابيح باردة

ورفوف

ومشاجب غير مرئية

وزوايا تكدس فيها المناظر والكتل الخشبية

والأصص المرتبة

الثياب تغطي الثياب، ثياب غوان،

ثياب جنود، ثياب ملوك

ثياب لكل العصور

عشرات من الأقنعة

وسيوف حقيقية وسيوف خشب

وأرائك زاهية

وطنافس مطوية

وعقود زجاج

وحقائب فارغة

وكتب

وكؤوس

ورفش

ونعش.

رجل لا يخرج من البيت ما علاقته بغرفة خلف المسرح؟

رجل وحيد لا يخرج من البيت ما الذي يرى؟.. لكن أليس الانسان في الأساس نرجسياً، أي يكون عندما يرى صورته في نهر الحياة الجاري؟ ولكن ما دخل الوحيد والمنعزل بذلك النهر؟ ما دخله؟ سيجيب قراء باشلار فوراً: هنالك نهر يجري في الذات أيضاً.

هل كان البريكان منعزلاً ومغلقاً على نفسه الباب لكي ينظر ويرى نفسه وكل شيء من خلال نهر داخله الجاري؟ وهل يجري نهر الداخل اكثر عندما تكون وحيداً؟

الوحيد كله عيون هل لذلك يتقارب الوحيد مع الطواويس؟. حارس الفنار كذلك وحيداً، ومحاطاً بمرايا الماء وينتظر من خلال نوافذ الفنار الى القادمين، الى أي قادمين:

أنا في انتظار سفينة الأشباح تحدوها الرياح

في اخر الساعات. قبل توقف الزمن الأخير.

في أعمق الساعات صمتاً. حين ينكسر الصباح

كالنصل فوق الماء حين يخاف طيراً أن يطير

في ظلمة الرؤيا.

سأركب موجة الرعب الكبير

وأغيب في بحر من الظلمات ليس له حدود.