دخلت شيماء إلى أحد المواقع المنتشرة بكثرة على الانترنت والذي نصحتها به صديقاتها اللواتي لا شغل لهن إلا التعارف حتى أن واحدة منهن تزوجت عن طريقه، فبدأت بقراءة الاستمارة. أعجبت بالموضوع وفكرت أنها تستطيع التلاعب بالأمور، فليس هناك من يكذبها، فهم لا يطلبون أية إثباتات، فرحت وقررت أن تذكر أشياء لا تمت إليها بصلة. فقط فكرت بما كانت تتمنى أن تكونه والشكل الذي طالما رغبت به والسن الذي تحلم أن تعود إليه لتصلح ما أفسدته هي دون قصد منها وما أفسده الدهر بآثاره المطبوعة على وجهها من تجاعيد رقيقة وعميقة. فقد بلغت الخامسة والأربعين، تزوجت ابنتها التي كانت تعيش مع والدها وهي صغيرة لتجعل منها جدة، وهي لا تزال تشعر بأنها شابة لم تتعد العشرينات، كانت تكره رؤية ابنتها تكبر أمامها لتصبح عروسا فائقة الجمال كوالدتها عندما كانت بمثل سنها، لكن يبدو أن سن المراهقة ظل ملتصقا بشيماء، خاصة أنها أصبحت مطلقة بعد مرور عامين على زواجها، وابنتها لم تكن معها فقد أخذها والدها منها بحكم المحكمة، حيث كان يملك المال الكثير وابتاع الشهود الذين أكدوا أنها ليست أهلا لتربية الصغيرة، فلم تشعر بأنها أم، لذلك كانت عندما تأتي لزيارتها بعدما أصبحت شابة تغار منها وتقلدها بكل شيء، ملابسها وماكياجها، الكنادير والأحذية، شعرها الأسود قصته وأنزلته على جبينها.

كانت تقول لها إياكِ أن تناديني ماما أمام الناس. كانت ابنتها تحزن فهي تحب كلمة أمي التي حرمت منها طويلا لكن حبها الكبير لوالدتها جعلها تمتنع عنها، وبعد أن تزوجت ابنتها كانت ترفض أن تذهب للاهتمام بحفيدتها، لأنها تشعرها بأنها أصبحت جدة وهذا الموضوع كان يقلقها، كانت دائما تنتظر فارس أحلامها وما زالت، لم تكل أو تمل من الانتظار حتى عندما أصبحت بهذا العمر. كانت والدتها تلومها على إهمالها لابنتها وغيرتها منها، كانت تقول لها أيوجد في العالم أم تغار من ابنتها؟ عيب يا ابنتي هذا لا يجوز سوف تخلقين هوة بينك وبينها، سوف تكرهك على تصرفاتك تجاهها، هي بحاجة لأم وليس لرفيقة أو صديقة فلديها الكثيرات لكن، لا حياة لمن تنادي فشيماء لن تتبدل يجب أن تزور طبيبا نفسيا ليعالجها ويحل عقدتها، وبالعودة إليها وما فعلته باشتراكها بموقع التعارف فقد كانت محتارة بالاسم الذي سيظهر عند الجميع أرادته اسما يلفت الانتباه ويجعل الأشخاص الفضوليين يتوقون إلى معرفتها، فأخذت تفكر وتفكر إلى أن توصلت لاسم يرضيها فكتبت (قلب لم يعرف الحب) وبدأت بملء الاستمارة لآخرها فذكرت أنها تبلغ السابعة والعشرين، جميلة رشيقة، طولها متر وخمسة وسبعون، وزنها خمسة وستون كيلوجراما، خمرية اللون، مثقفة تعمل في مجال الإعلانات، تبحث عن حب يؤدي إلى الزواج، ثم انتقلت إلى الجزء الأخير، حيث طلب منها أن تذكر المواصفات التي تطلبها بفتى أحلامها وفتح أمامها خيارات عنه فضغطت عليه لتختار من خلاله الأوصاف والسن أو البلد الذي تريده فاختارت الإمارات بالطبع، أما السن فحددت ما بين الثامنة والعشرين إلى الخامسة والأربعين، أما أوصافه فكانت كالآتي: الشكل غير مهم، الثقافة جامعية، غير متزوج، مطلق أو أرمل دون أو مع أطفال لا مشكلة، لكنها تريده أن يكون محباً حنوناً قلبه كبير مرح متواضع مثقف كريم غيور يشاركها أحزانها قبل أفراحها مستمع جيد. وولجت بعد أن تم قبول كافة البيانات لتجد أشكالا وأنواعا من الرجال هذا الأسمر وذاك الأشقر الأبيض والأسود الشاب والمسن من جميع أقطار العالم مع مهن متنوعة. احتارت من تختار. فبدأت تقرأ ما كتب كل من أعجبها شكله ولدهشتها وجدت أن الكثيرين منهم غير مرتبطين مع أن أعمارهم تراوحت بين الخامسة والثلاثين والخامسة والأربعين كلهم يبحثون عن نصفهم الثاني، لا سيئات عندهم ولا طلبات إلا أن تكون الفتاة جميلة بيضاء نحيفة طويلة تعمل، متحررة غير معقدة، مرحة، الله! هذا كل ما يطلبونه من الفتاة؟ أمرهم غريب هؤلاء الرجال لا يهمهم سوى شكل الفتاة وحريتها كي تخرج معهم براحتها. من يعتقدون نفسهم. ضحكت بسرها وقالت إذا كان هذا ما يريدونه سأعطيهم بعضا منه فزادت إلى ملفها صورة اقتطعها من مجلة عربية تضع صورا لفتيات جميلات وغير معروفات، هن فقط وجوه في حفلات ومطاعم فاختارت أجملهن ثم صورتها بكاميرة الهاتف ووضعتها على أنها صورتها وأضافتها على ملفها بعد أسبوع من اشتراكها المجاني بذاك الموقع وبعد دقائق انهالت عليها الرسائل كلهم يريدون التعرف إليها وتوطيد علاقتهم معها. كانت تضحك وتقضي وقتا ممتازا وهي جالسة ترد عليهم واحدا تلو الآخر فأخذت تحذف من يكون وقحاً وتبقي على من هو مرح وذكي، أدهشتها جرأتهم وانجرافهم خلفها فقط، لأنهم رأوا امرأة جميلة، لكنها كانت تخاف عندما يصر أحدهم على أن تفتح الكاميرا كي يراها وتراه، كانت تتذرع بأشياء كثيرة ثم تقطع الاتصال.

ظلت هكذا مدة شهرين كانت لا تصدق متى تجلس وحدها في غرفتها لتفتح الانترنت وترى كم معجب بانتظارها، كانت تسعدها كلمات الإطراء التي يمطرونها بها فتعرفت على الكثيرين أعطت البعض منهم بريدها الالكتروني والبعض الآخر حذفته من موقعها إلى أن أتى يوم ووجدت رسالة في بريد الموقع من أحدهم فتحتها وقرأت قلبك سيخفق لي وحدي. أنا متأكد من ذلك فلن تجدي من هو أفضل مني على الإطلاق. تفاجأت من ثقته الزائدة من نفسه فدخلت إلى ملفه لترى شابا وسيما جدا، لكنها قالت بالتأكيد ليست صورته فشاب مثله لا حاجة له للاشتراك بتلك المواقع فهو يستطيع أن يختار أجمل فتاة يراها، لكنها فتحت الصور الأخرى لتراه في السيارة وعلى شاطئ البحر وفي المنزل، معقول قالت، لكنها قررت ألا ترد عليه.

في اليوم التالي وجدت رسالة أخرى منه يقول فيها لماذا لم تردي على رسالتي؟ ألم أعجبك فردت عليه بكلمة واحدة لا!.. شعرت بأنها ستستفزه بذاك الرد وقامت تنتظر. قال أنت مغرورة من تعتقدين نفسك أنا أساسا لم تعجبيني فشكلك عادي وتطلبين أن يكون فتى أحلامك شبه كامل كنت أود أن أساعدك لتتخطين عقدة القلب الذي لم يحب شفقة عليك لأنك لم تجربي الحب من قبل. كانت قد بدأت تتعود على كلام الباقين المنمق الكاذب ففوجئت برده وثقته بنفسه، لكنها أيضا لم ترد عليه وفي اليوم الذي تلاه فتحت بلهفة لترى ماذا عنده من جديد فوجدت رسالة يقول فيها أنا آسف لم أقصد ما قلته يحق لك أن تغتري بجمالك ومواصفاتك لكن ردي على رسالتي من فضلك لا تكوني قاسية واستمعي إلى قلبي الذي بدأ يخفق لك، وبين أخذ ورد استمر أسبوعين كان يرجوها خلالهما أن يتحدث معها على المسنجر أرسل لها بريده الالكتروني، لكنها لم ترد. كانت بخبرتها تعلم أنها تشوقه وتشده أكثر إليها إلى أن بدأ يتوتر فعلا ويقول لها أنا أجلس طوال اليوم مقابل شاشة الكمبيوتر بانتظارك، أرجوك أعطيني بريدك الالكتروني، فهكذا يكون تواصلنا أسهل، أريد أن أتعرف بك أكثر لكن اللعبة كانت قد أعجبتها وأرادت أن تعلقه، لكنها صدمت في اليوم التالي بأن الموقع لا يفتح عندها، جنت وأخذت تتصل بصديقاتها ليؤكدن لها أن به عطلا يعملون على إصلاحه، خافت أن يطول الأمر واشتاقت لكلامه فأرسلت له رسالة على بريده تقول فيها مرحبا، وكانت البداية الفعلية لعلاقة استمرت طويلا، لكنها كانت علاقة مبنية على الكذب، لم تكن صادقة معه بشيء إلا بمشاعرها، فقد أحبته خلال فترة بسيطة، كان يرجوها أن تفتح الكاميرا حتى يراها فكانت تقول إنها لا تملك واحدة لأن شقيقها ووالديها لا يسمحان لها بذلك، استغرب الأمر وقال أنت في الثامنة والعشرين أجابت لقد كذبت فأنا فقط في السابعة عشرة، لكنني خفت ألا تكلمني كان يصدقها بكل كلمة تقولها لكنه أصر عليها أن يسمع صوتها على الأقل بأية وسيلة كالهاتف مثلا؟؟ قالت مستحيل! لا يسمح لي باقتناء هاتف، فعائلتي متزمتة جدا بمواضيع كهذه، والفتاة عندنا مجردة من أية حقوق. أصر أن يهديها هاتفاً مع رقم بالسر عنهم، لكنها رفضت ثم قالت وكيف توصله لي أجاب بالطريقة التي تناسبك أنا لا يهمني إلا أن أكلمك واسمع صوتك وبعد أخذ ورد وافقت وقالت إنها سترسل صديقتها إلى مكان معين فيسلمها الهاتف طار المسكين من الفرحة لكنها اشترطت عليه ألا يكلم صديقتها ولو كلمة واحدة لأنها تغار، فحلف بأغلظ الإيمان بأنه لن يفعل وفي اليوم المتفق عليه ارتدت النقاب ووضعت نظارات شمسية لبست القفازات بيديها وذهبت إلى الموعد على أساس إنها الصديقة، عندما اقتربت سيارته منها شعرت بأن قلبها سيتوقف فعلا، أخذت ترتجف كالورقة وهي تراه أمامها إنه كصوره تماما شاب وسيم جدا في نهاية العشرينات رياضي رائحة عطره تملأ المكان لم تكن تحلم بأن يكلمها حتى ولو كانت مراهقة بحق. ترجل من السيارة حالما اقتربت منه حزنت للحظات كأنها قررت أن تكون تلك المرة الأولى والأخيرة التي تراه فيها، ألقى عليها السلام وعيناه في الأرض لم يرفعهما فردت بصوت خافت سلمها الهاتف قائلا أمانة سلميلي عليها ودعيها تفتحه وتكلمني بسرعة. شكرها جدا وعاد إلى سيارته. سارت بضعة خطوات مبتعدة عنه أوقفت سيارة أجرة وابتعدت. خافت أن يتبعها ليعرف أين تذهب فنزلت عند أول مجمع دخلت من بابه إلى أقرب حمام خلعت النقاب والقفازات وخرجت من باب آخر لتأخذ من جديد سيارة أجرة وتعود أدراجها إلى المنزل لم تتصل به في اليوم الأول كانت كالمراهقات خائفة ومترددة لم يغمض لها جفن طوال الليل وهي تفكر كيف ستنهي هذا الموضوع فعلاقتهما تقوى وتكبر مع الأيام والكذب يزيد كل دقيقة. لم تصبر كثيرا فاتصلت به في الصباح الباكر بدلت صوتها وكلمته قائلة صباح الخير لم يصدق أنه سمع صوتها فأمطرها بوابل من الكلمات الرقيقة وأخذ يتغزل بصوتها العذب ويقول انه أسعد يوم في حياته، فكانت تفرح وتشعر بأنها تعيش العلاقة التي طالما راودت أحلامها وداعبت مخيلتها، كانت قد أصبحت تصدق أنها فعلا صغيرة وتتابع دراستها تكلمه عن المدرسات ومشاكلها معهن كان عندما يناديها صغيرتي تذوب، لم يكن يعكر صفو علاقتهما شيء إلا موضوع اللقاء فكان كلما طلب أن يراها تفتعل المشاكل معه وتتهمه انه لا يقّدر ظروفها فهي ممنوع عليها الخروج من المنزل دون والدتها وشقيقها. كانت تخترع الأشياء ثم تهدده قائلة إن كنت تصر على رؤيتي دعنا ننهي العلاقة. كان يحبها جدا فيخاف أن يفقدها فيعتذر ويعدها إلا يتكلم عنها مجددا. وهكذا مر عام على علاقتهما وكأنه شهر كان خلالها مخلصا وفيا لحبهما ينتظر اللحظة التي سيراها فيها، لكن وصل اليوم الذي طالما أخافها، حيث قال أنا لا استطيع الانتظار أكثر. يجب أن أراك فقد مرت سنة على علاقتنا وانا لم أراك ولو من بعيد إن كنت لن تدعيني أراك فأنا سأنهي كل شيء حتى لو تعذبت، لكنني سأنسى بعد فترة لانني لم أعد أستطيع الاستمرار هكذا أنا أتعذب هنا، حرام عليك قولي لي أين تسكنين وانا سأدع والدتي تزوركم ماذا تريدين أكثر فقالت له حسنا، حسنا سأراك اهدأ صرخ هل أنت جادة؟ نعم أجابت، قال متى الآن؟ غدا؟ فقط حددي الوقت قالت بعد يومين دعني ارتب الموضوع وأحاول إقناع والدتي بأن تسمح لي أن أزور صديقتي المريضة. طار المسكين من الفرحة وبدأ يجهز نفسه للقائها وشراء الهدايا لها، وصل اليوم المنتظر وذهب إلى حيث طلبت منه أن يلقاها، انتظر بسعادة بالغة غير مصدق، شعر بقلبه سيخرج من بين ضلوعه فأرسل لها رسالة نصية يشرح حالته، قرأتها شيماء بحسرة وحزن كبير، بقهر وغصة، سحبت البطاقة من الهاتف وارتمت في سريرها تبكي حظها فعندما وجدت الحب الحقيقي كان مبنياً على الخداع من ناحيتها، أما هو فبعد أسبوع وصلت إلى بريده الالكتروني رسالة منها فتحها بغضب فوجدها موجهة إلى عدة أشخاص فقرأ النص وهو يكذب عينيه حيث كتب فيها إلى جميع أصدقاء شقيقتي المنتقلة إلى رحمة الله تعالى بحادث سيارة مروع صلوا من أجلها كي يسكنها الله فسيح جناته، وقع المسكين على كرسيه شعر بأنه سيموت خلفها كانت صدمة كبيرة له لم يتخطاها للآن أما شيماء فعادت باسم آخر ومعلومات أخرى تقيم علاقات جديدة وتوقع بأبرياء جدد.

[email protected]