النصيحة الصادقة من الأخلاق الفاضلة والسنن الحميدة التي وجهنا إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العديد من وصاياه الكريمة، فهي العمود الفقري لواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما أنها أساس الارتقاء بالعلاقات بين أفراد المجتمع.
لكن التناصح الصادق بين المسلمين للأسف لم يعد له مكان في خريطة اهتماماتهم، حيث حلت «الأنانية» محل «الإيثار» و«الفضيحة» محل «النصيحة» وحل «الشجار والإسفاف والتنابز بالألقاب» محل «التسامح والرحمة والعفو».. وفي ظل هذا المناخ حرم المسلمون من خير كثير.
يقول د. شوقي علام، مفتي مصر: النصيحة من دون فضيحة سلوك نبوي كريم غاب عن حياتنا المعاصرة، خاصة في ظل غياب الأخلاق الإسلامية عن سلوكيات الناس، سواء أكانوا مواطنين بسطاء أم إعلاميين ومثقفين يتحملون مسؤولية توجيه الرأي العام، ولذلك تتعدد الفضائح في وسائل إعلامنا من دون وجود رادع لكل من يخرج عن الآداب والأخلاقيات العامة.

ويضيف: من السنة أن ننصح المحيطين بنا من دون أن نفضحهم أو نجرح مشاعرهم، أو نهينهم، فالمسلم في دعوته إلى الخير وإلى مكارم الأخلاق يلتزم بما قاله رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه: «الدين النصيحة»، وعندما سأله بعض صحابته الكرام: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم».
هذه الوصية النبوية الوجيزة البليغة - كما يقول د. علام - ترسم طريق الخير للمجتمع الإسلامي، فالمجتمع الذي يتناصح أفراده هو مجتمع يتحقق فيه التواصل في أسمى صوره، وتتجلى فيه رسالة الدين الحق دون إكراه ووفق المنهج الذي حدده الخالق سبحانه وتعالى.. كما أنه مجتمع متراحم يؤدي فيه كل فرد واجباته الدينية والدنيوية على الوجه الأكمل.

النصيحة لله والرسول

والنصيحة تكون أولاً لله - سبحانه وتعالى - وهي تحمل معنى الإخلاص، فالذي ينصح بإخلاص لا يغش ولا يضل، فالإنسان إما يكون ناصحاً وإما غاشاً، والمسلمون قوم يخلصون النصيحة بعضهم لبعض، والمنافقون قوم يغشون بعضهم بعضاً.. والنبي - صلى الله عليه وسلم - يريد أن تكون العلاقات بين المسلمين بعضهم بعضاً قائمة على النصح والإخلاص والصفاء، لا على الغش والخداع.
ولهذا حينما سمع الصحابة الكرام هذه العبارة «الدين النصيحة»، حرصوا على أن يعرفوا لمن تكون النصيحة؟ فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن النصيحة لكل مَن بينه وبين الإنسان علاقة مادية أو معنوية.

أيضا ينبغي أن يكون الناصح قدوة ومثلا، فلا يجوز أن ينصح الإنسان بسلوك حميد وهو لا يفعله، أو ينهى عن منكر وهو يفعله، ولذلك قال العلماء بضرورة أن يكون الناصح ملتزماً بما ينصح به من وجوه الخير وكريم الخصال وحميد الأخلاق، كما ينبغي أن يكون مخلصاً في نصيحته، قلبه عامر بالإخلاص، خال من الغش والرياء. والنصيحة للرسول واجبة مطلوبة من المسلم في كل وقت، وهي تعني دعوة الآخرين إلى الالتزام بسنته - صلى الله عليه وسلم - باعتباره ممثل الإرادة الإلهية، ومبعوث العناية الربانية، فهو لا ينطق عن الهوى، وحين يأمر وينهى لا يمثل نفسه وإنما يمثل مَن أرسله، وصدق الله العظيم إذ يقول: «والنجم إذا هوى. ما ضل صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى»، ولذلك كانت طاعة الرسول طاعة لله، واتباعه محبة لله، والنصيحة لرسول الله، تكون باتباع سنته، وإحيائها ونشرها في الناس، خاصة ما هجر من السنن أو مات، فمن أحيا سنة ميتة فله الجنة، يقول عليه الصلاة والسلام: «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء» قيل: ومَن الغرباء، يا رسول الله؟ قال: «الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي، ويحيون ما أمات الناس من سنتي».

الإخلاص للقرآن

ثم تأتي النصيحة لكتاب الله - عز وجل - وهي تعني الإخلاص للقرآن العظيم، الذي أنزله الله شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين، والذي أنزله الله ليصحح ما اعوج من سلوك الناس، ويصلح به ما فسد من أمور حياتهم، وينور به ما أظلم في طريقهم، ويهدي به للتي هي أقوم، فهو دستور الحياة الآمنة، لا يضل مَن اهتدى به، مَن قال به صدق، ومَن حكم به عدل، ومَن عمل به أجر، ومَن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم.
والنصيحة لكتاب الله تعني العمل به، واتباع هداه، وتصديق شرائعه، والتأدب بآدابه، والتخلق بأخلاقه، كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث سئلت السيدة عائشة عن خلقه، فقالت: «كان خلقه القرآن» فقد كان عليه الصلاة والسلام مفسراً لهذا القرآن بقوله وعمله.
ومن معاني النصيحة لكتاب الله، أن نتدبره، ونتفهم ما أنزل الله فيه من معانٍ وأسرار تصلح الحياة، وتصلح الأفراد والمجتمعات، وقد عاب الله تعالى قوم أغلقوا قلوبهم عن نور هذا القرآن، فلم يتدبروه، فقال عز وجل: «أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها».

ثم تأتي النصيحة لأئمة المسلمين وهم رؤساؤهم وحكامهم وولاة أمرهم، فواجب خاصة الشعب وعامتهم أن يقدموا لهم النصائح الصادقة التي تحقق لهم الخير والهدى والصلاح والرشاد، والشعب الذي يقدم النصيحة مخلصة لحكامه هو شعب يعرف واجباته ويريد لبلاده الخير والاستقرار. يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويسخط لكم ثلاثاً: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا، وأن تناصحوا من ولاه الله أموركم».

والنصيحة الصادقة لحكام المسلمين لا ينبغي أن تغضبهم.. كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على المنبر فقال: «رحم الله من أهدى إليّ عيوبي»، وكان يقول لحذيفة بن اليمان، الخبير بالمنافقين، والذي اختص بسرِّ المنافقين، وعرفه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بهم، كان عمر يقول له: يا حذيفة بالله عليك أتجدني منهم؟ فيقول له حذيفة: لا يا عمر، ولا أزكي أحداً بعدك.. أي لا يريد أن يفتح هذا الباب حتى لا يكشف الأسرار.

وقال له رجل مرة: اتق الله يا ابن الخطاب.. فضاق بعض الحاضرين بهذا القول وأراد أن يعاقبه أو يعاتبه على ذلك، فقال عمر: (دعوه.. والله لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نسمعها).

ثم يكون النصح مؤخراً لعامة المسلمين.. وهم جماهير المسلمين، فالمسلم مطالب بتقديم النصيحة لكل مسلم وأن يكون مخلصاً في ذلك.

من آداب التناصح

ويوضح مفتي مصر أن التناصح الواجب بين المسلمين يحتاج إلى آداب وسلوك أخلاقي أرشدنا إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأول هذه الآداب أن التناصح يحتاج إلى علم، فلا يصح أن ينصح المسلم بأمر وهو جاهل بحكمه الشرعي أو وجه الحلال والحرام فيه، لأن هذا يؤدي إلى التباس الحق بالباطل، والله - سبحانه وتعالى - يقول: «ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون».

يقول د.علام: الخطاب الديني اليوم مطالب بكشف زيف الأفكار المنحرفة والشاذة، وتحذير الناس من عدم الانخداع بها، والالتفات إليها، كما أن واجب علماء ودعاة الإسلام تفنيد هذه الأفكار والرد عليها، وبيان ما بها من عوار حتى نقطع الطريق على دعاة الفتن وما ينشرونه من ضلالات،خاصة مع كثرة التلبيس والتضليل في عصرنا .

من هنا يؤكد د.علام ضرورة أن يتسلح الناصح أو الموجه الديني بالعلم، فهو من أركان الحكمة، وقد جعل الإمام البخاري له باباً سماه «باب: العلم قبل القول والعمل»، وذلك لقيمته وأهميته، وذلك لمنع التلاعب بالشرع والتقول على النبي - صلى الله عليه وسلم -ومخالفة النصوص الصريحة من الكتاب والسنة.
أيضا.. من آداب التناصح أن يعرف المسلم الفرق بين النصيحة والفضيحة، فالنصيحة تحقق ثمارها والفضيحة تأتي بنتائج عكسية.

حماية المجتمع

هذا التناصح الصادق بين المسلمين يستهدف الصالح العام.. يقول - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن النعمان بن بشير: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكأن الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا»

وإذا كان ذلك واجب الفرد في الأمة نحو نفسه فإن عليه كذلك نحو المجتمع الذي يعيش في كنفه فوق ما تقدم أن يحاول ما استطاع أن يصلح قدر طاقته ما يراه معوجاً من حوله، بالنصح والتوجيه في رفق ولين، فالدين النصيحة، ليكون الجميع لبنات قوية تشيد صرح المجتمع القوي.

لكن إذا سادت روح اللامبالاة - كما هو حادث في سلوك كثير من الناس الآن - فلن يفكر الإنسان في غير نفسه، ولن يهمه من ضل أو اهتدى.. وفي هذه البيئة يضيع الجميع.