تتسم الدراسات العلمية للديناصورات بالكثير من التشويق والغموض الذي أحاط بتلك المخلوقات العملاقة التي سكنت الأرض منذ ملايين السنين وسيطرت على مجريات أمورها وأصبحت مصدر إلهام لنا نظراَ لقوتها الكبيرة وضخامتها، إلا أن أثار تلك المخلوقات لم ينته بمجرد انقراضها، بل امتد ذلك التأثير على تطور الكثير من الكائنات الحية بعد موتها، إذ كانت حلقة الوصل بين جنسها والزواحف والثدييات من خلال حيوانات تجمع بين كل تلك الصفات الوراثية، وحسب احدث الدراسات العلمية تم إثبات تسببها في تطور أنواع الثدييات على اليابسة والكائنات البحرية .

يعتقد الباحثون أن منذ ملايين السنين، وبعيداً عن أية أحداث كارثية وفي تسلسل واضح، تم انقراض وفناء ما يقرب من 90% من الكائنات البحرية و70% من الكائنات التي تعيش على اليابسة، لتصبح السبب الرئيسي لوجود وتطور الثدييات على كوكب الأرض منذ انقراضها إلى الآن . وأكدت الصحيفة العلمية الصادرة من الجمعية الملكية لوقائع العلوم والجيولوجيا في بريطانيا إن حيوان السينودونت cynodonts المنقرض قد تمكن من العيش بعد انقراض الديناصورات، بل وازدهر وتطور وازدادت خصائصة وتأقلمه مع البيئة من حوله، فقد كان في أوائل أيامه صغير الحجم مثل حيوان المورجانوكدوم morganucodon البريطاني الذي عاش في العصر الترياسي، أو حيوان البيونوثيريوم Bienotherium الذي عاش في أواخر العصر الجوراسي المبكر في الصين، وكان يمتلك أسناناً متباينة بما في ذلك القواطع والانياب والضروس، وكان يمتلك لمخ كبير الحجم، ويرجح العلماء بأنه كان من ذوات الدم الحار وكان يكسوه الفراء، وذلك بعيداً عن هيئة الزواحف من أشباهه ليبدأ رحلة نجاح لم تنته إلى الآن على الرغم من انقراضه .

بدأت تلك المخلوقات الفريدة في التطور والبروز تدريجياً خلال فترة طويلة من الزمن، ومن المرجح أنها تألقت وتواجدت بكثافة في فترة تعرف جيولوجياً باسم العصر البرمي، وعلى الرغم من وفرة المعلومات حول تلك الكائنات، إلا أنه لا يزال غير معروف كيف انتهت، وهل لثوران براكين منطقة سيبيريا حينها دور في ذلك أم لا، يقول العالم مارسيلو لوتا أستاذ تطور الباليوبيولوجي في جامعة لينكولن البريطانية، إن جميع العلماء يرون أن الانقراض الجماعي الذي حدث منذ ملايين السنين أضاف الكثير من السلبيات على حياة الكائنات على سطح الأرض وفي المحيطات، ويضيف: على العكس تماماً، فعلى الرغم من تلك الكارثة برزت كائنات السينودونت التي كانت تضم أنواعاً كثيرة من الحيوانات والقوارض قبل الانقراض واستطاعت التأقلم والتعايش مع البيئة الجديدة، لتصبح محاربين تفوقوا على غضب الطبيعة خلال العصر الترياسي، وتحولها من حيوانات آكلة للحوم إلى حيوانات آكلة للعشب والنباتات . قارن العلماء بين 150 جمجمة وهيكلاً عظمياً عثر عليها لحيوانات من سلالة السينودونت التي عاشت منذ 200 مليون عام وكان واضحاً مدى تباينها وتطورها الملفت للنظر، كانت المفاجأة أثناء اختبارات الحمض النووي الذي أظهر تغلغله في ملايين الكائنات الحية والثدييات واجتماعهما على أصل واحد يتمثل في حيوانات وسلالة السينودونت، مما يدل على أنها المصدر لوجود كائنات أخرى انبثقت منها في تطور واضح حدث حين افتراقها في قارات العالم المختلفة واختلاف البيئة التي كانت تعيش فيها .

تقول العالمة جنيفر بوثا برينك خبيرة بالمتحف الوطني بجنوب إفريقيا، إن تلك السلالة انشقت إلى مجموعتين خلال العصر الترياسي، وهما الثنوجناثيانس cynognathians والبروباينوجوناثيانس probainognathians، وتضيف: كانت المجموعة الأولى من آكلي العشب، والأخرى من آكلي اللحوم، ويعتقد أن المجموعتين ازدهرتا في وقت معين ثم انطمستا في ظروف غريبة، ولكن خلال حياتهما تفوقت المجموعة آكلة العشب وازدهرت وانبثق منها العديد من السلالات التي بدورها نشأ منها سلالات أخرى وهكذا، ولكن قبل نهايتهما ظهرت بقوة سلالة المجموعة الثانية والبروباينوجوناثيانس التي كانت أكثر تنوعاً وتعايشاً وتكيفاً حينها، وهي السلالة التي نشأ منها أول نوع من الثدييات قبل 25 مليون عام بعد حادثة الانقراض الجماعي . تعد حيوانات سلالة السينودونت أكثر الكائنات المنقرضة تنوعاً وتميزا، فقد كان متوسط أطوالها أربعة أقدام، وكانت تتغذى على النباتات والجذور كبقية الثدييات والقوارض الآن، والحشرات والبيض كالزواحف، وصغار الحيوانات والديناصورات الصغيرة كالحيوانات أكلة اللحوم، لذا فقد كانت مفتاح السر وراء وجود هذا الكم الهائل والمتنوع من الثدييات بجميع أنواعها وسلالاتها .