يتميز الإنسان عن باقي المخلوقات بالقدرة على تصور الأشياء غير الحاضرة أمامه، وبناء على المعلومات والوصف يستطيع أن يشكِّل في ذهنه قدراً معتبراً من موقف ما ويستخلص نتائج تساعده في رؤية هذا الموقف الذي لم يشهده. وفي القرآن الكريم تشبيهات يغلب عليها التصوير الحسي الذي يجعل المشهد المحسوس حياً متحركاً وبارزاً مشخصاً.
هذا ما سنتحدث عنه في حلقات من خلال دراسات وتفاسير وآراء لعدد من علماء علوم القرآن.

«إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ».. (الانشقاق:1 6).

ماذا يملك الإنسان أمام هذا المشهد العظيم إلا الخضوع لأمر خالق هذا الكون وخالقه؟! إنه المشهد الذي به تنتهي الحياة على كوكب الأرض، تلك الأرض التي استخلف فيها رب العالمين ذرية بني آدم ليعيشوا فيها بحب وسلام وأمان وينشروا فيها العدل والخير، لكن هل فعلوا ما خلقوا من أجله وهو عبادة الله الواحد وطاعته أم بدلوا سنة الله في خلقه ونشروا الفساد والظلم في الأرض؟ قال المفسرون: في هذه الساعة المقدرة المعروفة في علم الله والمحددة تنقلب الأرض على هذه الذرية التي غيرت وبدلت في سنن الله، حيث يأذن لها رب العالمين بالانقلاب على الإنسان لتصبح بعد طاعتها له ناقمة عليه وأداة للخلاص منه في مشهد تنخلع له القلوب.

المصير المحتوم

هذه اللمحات الكونية الجليلة الرائعة المرهوبة الموحية يلتقطها القرآن لقطات سريعة ويخاطب بها القلب البشري الذي يغفل عن خطابها الكوني، وخلاصة ما ذكره المفسرون في الآيات الكريمة، أن القسم يلوح بها ليبرزها للمشاعر والضمائر في حيويتها وجمالها وإيحائها وإيقاعها ودلالتها على اليد التي تمسك بأقدار هذا الكون وترسم خطواته وتبدل أحواله.. وأحوال الناس أيضاً وهم غافلون، فتبدأ السورة ببعض مشاهد الانقلاب الكونية التي عرضت بتوسع في سورة التكوير، ثم في سورة الانفطار ومن قبل في سورة النبأ، لكنها هنا لها طابع خاص، طابع الاستسلام لله.. استسلام السماء واستسلام الأرض في طواعية وخشوع ويسر.

ذلك المشهد الجليل تمهيد لمخاطبة الإنسان وإلقاء الخشوع في قلبه لربه، وتذكيره بأمره وبالمصير الذي هو صائر إليه، حين ينطبع في حسه ظل الطاعة والخشوع والاستسلام الذي تلقيه في حسه السماء والأرض في المشهد الهائل الجليل، والمشهد الثالث عرض لمشاهد كونية حاضرة مما يقع تحت حس الإنسان، لها إيحاؤها، ولها دلالتها على التدبير والتقدير مع التلويح بالقسم بها على أن الناس منقلبون في أحوال مقدرة مدبرة لا مفر لهم من ركوبها ومعاناتها، ثم يجيء المشهد الأخير في السورة تعجباً من حال الناس الذين لا يؤمنون، وهذه هي حقيقة أمرهم كما في المشهدين السابقين، وتلك هي نهايتهم ونهاية عالمهم.

تذكير للضمير

آيات هذه السورة هادئة الإيقاع جليلة الإيحاء، يغلب عليها هذا الطابع حتى في مشاهد الانقلاب الكونية التي عرضتها سورة التكوير في جو عاصف، «سورة فيها لهجة التبصر المشفق الرحيم خطوة خطوة في راحة ويسر وفي إيحاء هادئ عميق، والخطاب في قوله تعالى «يا أيها الإنسان..» فيه تذكير للضمير، وهي بترتيب مشاهدها على هذا النحو تطوف بالقلب البشري في مجالات كونية وإنسانية شتى متعاقبة تعاقباً مقصوداً، فمن مشهد الاستسلام الكوني إلى لمسة لقلب الإنسان، إلى مشهد الحساب والجزاء، إلى مشهد الكون الحاضر وظواهره الموحية، إلى لمسة للقلب البشري مرة أخرى، إلى التعجب من حال الذين لا يؤمنون بعد ذلك كله، إلى التهديد بالعذاب الأليم واستثناء المؤمنين «بأجر غير ممنون..».

كل هذه الجولات والمشاهد والإيحاءات واللمسات في سورة قصيرة لا تتجاوز عدة أسطر، وهو ما لا يعهد إلا في هذا الكتاب الكريم، فيخاطب القلوب مباشرة من منافذها القريبة، ولنتأمل مشهد السماء وهي تطيع الأمر الإلهي «وأذنت لربها وحقت»، فإذن السماء لربها هو استسلامها وطاعتها لأمره في الانشقاق، وحقت أي وقع عليها الحق واعترفت بأنها محقوقة لربها، وهو مظهر من مظاهر الخضوع؛ لأن هذا حق عليها مسلم به منها.

استسلام فوري

يقول محمد علي الصابوني في (صفوة التفاسير): «تصبح الأرض في هذا الموقف كأنها كائن حي، فتلقي ما فيها وتتخلى عنه، وما فيها كثير.. منه تلك الخلائق التي لا تحصى والتي طوتها الأرض في أجيالها، ولا يعلم إلا الله مداها، ومنه سائر ما يختبئ في جوف الأرض من معادن ومياه وأسرار لا يعلمها إلا بارئها، وقد حملت حملها هذا أجيالاً بعد أجيال وقروناً بعد قرون، حتى إذا كان ذلك اليوم ألقت ما فيها وتخلت «وأذنت لربها وحقت» هي الأخرى، كما أذنت السماء لربها وحقت واستجابت لأمره مستسلمة مذعنة، معترفة أن هذا حق عليها، وأنها طائعة لربها بحقه هذا عليها، وتبدو السماء والأرض بهذه الآيات المصورة ذواتي روح وخلقتين من الأحياء تستمعان للأمر، وتلبيان للفور وتطيعان طاعة المعترف بالحق المستسلم لمقتضاه استسلاماً لا التواء فيه ولا إكراه، ومع أن المشهد من مشاهد الانقلاب الكوني في ذلك اليوم فإن صورته هنا يظللها الخشوع والجلال والوقار والهدوء العميق الظلال، والذي يتبقى في الحس منه هو ظل الاستسلام الطائع الخاشع.

وفي هذا الجو الخاشع الطائع يجيء النداء العلوي للإنسان، وأمامه الكون بسمائه وأرضه مستسلماً لربه هذا الاستسلام، يأتي النداء من رب العالمين للإنسان «يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه»، «يا أيها الإنسان» الذي خلقه ربه بإحسان، والذي ميزه بهذه الإنسانية، التي تفرده في هذا الكون بخصائصه والتي كان من شأنها أن يكون أعرف بربه وأطوع لأمره من الأرض والسماء، وقد نفخ فيه من روحه وأودعه القدرة على الاتصال به، وتلقى قبساً من نوره والفرح باستقبال فيوضاته والتطهر بها أو الارتفاع إلى غير حد حتى يبلغ الكمال المقدر لجنسه.