بترومين نموذج عن القرية اللبنانية التقليدية والتراثية وهي لا تزال تحافظ على طابعها بدءاً بمنازلها الفسيحة بعقودها وقناطرها وقرميدها، وكبرت شهرتها في الفترة الأخيرة بعدما كشفت الحفريات في باطن أرضها وتاريخها القديم كما عشرات القرى اللبنانية .

تقع بترومين وسط قضاء الكورة في شمال لبنان، وهناك من يعيد تاريخها الى زمن الوثنيين . وجاءت المكتشفات الأخيرة لتزيد من أهميتها، وهي تتألف من حوالي 40 عقداً مبنياً بالحجر الصخري والحوارة أي بالأشكال الهندسية التي تؤكد الإبداع المعماري وهي تتصل ببعضها بعضا على مساحة ألفي متر مربع تقريباً ويذهب الخيال الى توقع وجود ممرات بين هذه العقود، حيث لا تزال هناك بقايا معصرة زيتون ومطحنة للبرغل وحجارة مجوفة ومستديرة كانت المياه تجمع داخلها للاستخدام المنزلي . ويتذكر بعض كبار السن في القرية ان الأولاد كانوا يلعبون داخل هذه الأقبية ويعبرون بينها من خلال ممرات خاصة ضيقة .

وكان متخصصون في المديرية العامة للآثار زاروا بترومين منذ سنوات عدة واطلعوا على الأقبية والعقود مشيرين الى أن بعضها يعود الى القرن الرابع عشر، ولا يزال أهل هذه البلدة في انتظار توفر الإمكانات اللازمة لإطلاق دراسة تعنى بترميم أحد البيوت القديمة وتحويلها الى متحف يضم تاريخ منطقة الكورة، وحيث لاحظ متخصصون وجود حجارة ضخمة هي بقايا عمرانية تدل على ان قلعة كانت قائمة في هذا المكان قد هدمت وطمرت بمرور الزمن . كما يذهب البعض الى القول ان هناك كنزاً مدفوناً في هذه البقعة فضلاً عن بقايا منازل وآثار عمرانية قلاعية .

عضو المجلس البلدي لبترومين لويس قبرص أوضح أن هذه الاقبية والعقود تعود ملكيتها الى أفراد بعضهم رحل الى العالم الآخر، وبعضهم الآخر غير معروفين ما يوجب توفر الأطر القانونية لتملك هذه العقود بصورة شرعية وما يفسح في المجال للبدء في عملية ترميم هذا التراث وتحويله معلماً يشهد على تاريخ بترومين وما كان ابناؤها قد جادوا به عبر عصور عدة من فن معماري يتطلب جهوداً شاقة وصبراً جباراً وتضحيات جمة .

ويلفت قبرصي الى أن الاهتمام اقتصر حتى الآن على زيارة لنواب الكورة وبعض سفراء الدول الأوروبية وهيئات تعنى بالتراث والآثار فاطلعت على الأقبية والعقود . ويأمل أهل بترومين أن تكر السبحة وتنطلق عجلة الاهتمام بهذه القرية التراثية فتصبح معلماً أثرياً قادراً على جذب السياح والباحثين .

ويؤكد قبرصي أن لا رؤية محددة بعد لأية خطة في هذا الإطار وللكلفة والطاقات المطلوب توفرها وتوظيفها للوصول الى تحقيق الأهداف التي ستوضع إضافة الى هوية الأشخاص الذين سيشتركون في أية عملية ستطلق لاحقاً .

والأهم في الوقت الحاضر في نظر قبرصي ان يتم الحفاظ على هذا المعلم من عبث العابثين وتجار التراث، وان في وضعيته الراهنة بغض النظر عما يعانيه من ترسبات الزمن وعوامله التي تظهر للعيان بوضوح وهي تحتاج الى الترميم بسرعة .

وينقل قبرصي عن أهل بترومين توقهم الى تحويل هذه الأقبية والعقود الى قرية أثرية تحتوي على كل ما يعيد الزوار بالذاكرة الى تلك الحقبة من تاريخ لبنان ويتيح لهم ان يقيموا في هذه المنازل ليوم واحد أو أكثر .