وطمحت الدكتورة بدرية الشامسي بأن تتدارك الجهات المعنية بالتراث والثقافة ما عند «الشيّاب» من مخزون إرثي من عادات اندثرت حالياً، بتوثيقها واستدراك ما غاب عن الاهتمام من التراث المعنوي المحفوظ في ذاكرة شبابنا.
بدرية حولة الشامسي بدأت مشوارها العملي كمعلمة تاريخ في المدارس الحكومية، لمدة 8 سنوات وكان طموحها أعلى من أن تكون مجرد معلمة تاريخ، واستثمرت تعلقها بالتراث حين كانت معلمة في مشاريع الألعاب الشعبية وأبدعت في مشاريع تراثية مختلفة لتغرس حب التراث في نفوس طلبتها.
ودرست الشامسي في مدرسة هند بنت عتبة في المرحلة الابتدائية ثم انتقلت إلى مدرسة البيضاء في المرحلة الإعدادية ثم درست الثانوية في مدرسة الصباحية، وتخصصت في بكالوريوس تاريخ في جامعة الإمارات، ودرست في جامعة الخليج العربي ماجستير في تربية فائقي التميز والموهوبين، وبعدها أكملت الدكتوراه في علوم التراث من جامعة تونس في رسالتها المتعلقة بعادات الزواج وتقاليده في الإمارات من منتصف القرن الماضي حتى قيام الدولة.
تقول: «من حبي للعلم والتبحر في شتى علومه أكملت دراستي في ماجستير تربية خاصة تخصص تربية الموهوبين، من جامعة الخليج العربي في مملكة البحرين، والذي غير مسار تخصصي هو انضمامي لدبلوم مختص في التراث قدمته وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع بالتعاون مع جامعة الإمارات للمهتمين بالتراث، وكانت مدة الدراسة 4 أشهر متواصلة منها شهر عملت فيه ميدانياً للأخذ من الرواة والمخبرين واخترت الطب الشعبي، واستفدت شخصياً من ذلك الدبلوم وتعرفت الى كثير من الرواة، واستشعرت قيمة الكنوز البشرية الحافظة للتراث الشفوي، الذي نمتلكه والمهدد بالفقد». وشاركت بدرية الشامسي كعضو فاعل في عدة مهرجانات وملتقيات خاصة بالتراث كالمشاركة في مهرجان رمضان الشارقة الثقافي بورقة عمل بعنوان «التاريخ الشفوي ذاكرة وتوثيق» كما شاركت في ملتقى التراث الخليجي في الفجيرة بورقة عمل بعنوان «التعامل مع الكنوز البشرية»، وأيضا في ملتقى الحرف في الشارقة، وشاركت في عدة دورات في أيام الشارقة التراثية، كما درست مادة «الدراسات الإماراتية» في كليات التقنية العليا في رأس الخيمة. وحصلت مؤخراً على جائزة العويس للإبداع، فئة البحث المتميز 2015م
تضيف: «استفدت من الدبلوم في كيفية التعامل مع الرواة، واستخلاص العبر بحكمة منهم، خصوصاً من النساء فكان أغلبهن معالجات شعبيات مشهورات بالمساح والترفيع، وهي إزالة اللوز المتلهبة من البلاعيم، وغيرها من طرق العلاج فيما يخص المرأة، وتعمقت في توثيق الأعشاب المستخدمة في الطب الشعبي». وتتابع، قائلة: «تشجعت بعدها على إكمال دراسة الدكتوراه في التراث، وبحثت عن الجامعات المختصة بذلك المجال، فوجدت جامعة تونس وبحثت عن المجالات التي لم يكتب فيها بالتفصيل، فوجدت دورة الحياة المتمثلة بالميلاد والزواج والممات، أن أحداً لم يكتب بالتفصيل عن الحلقة الوسطى في دورة الحياة والمتمثلة بالزواج، فركزت دراستها عن عادات وتقاليد الزواج في الإمارات». وثقت الشامسي في دراستها عن المحنيات والزفافات والمهام التي اندثرت حالياً، وهي تؤكد أن النساء كن الخبيرات اللاتي يتقلدن مناصب ومهام، حل محلها حالياً مراكز التجميل ومحال الديكورات، إذ كان يميز غرفة العروس سابقاً تزيينها ب«جلة»، وهو ما اسم يطلق على المكان الذي يزف فيه العروسان وعادة ما تكون في غرفة في منزل والد العروس، وتعدها وتنسقها امرأة متخصصة، وهي عادة توكل إلى امرأة يطلق عليها «الزفافة»، وتفرش أرضية الغرفة بالسجاد، وتزين جدرانها بالمرايا طويلة، كما تزين جوانب الغرفة بالسجاد الملون، وكذلك السقف ينال حظه من الزينة حيث يغطى بالأقمشة الملونة الزاهية، ويعطر المكان بالعطور العبقة التي يضرب بها المثل من رائحتها الزاكية، فيصبح منظر الغرفة جذاباً يملأ جميع الحواس، فيُنقل العروسان إلى عالم مختلف من الرومانسية.
تقول: «كان التكافل الاجتماعي في الأعراس قديماً في أبهى حلته، حين يتوفر للعروس الذهب بأنواعه المختلفة التي منها المرتعشة والمرية وطاسة الذهب (الكف الذي يلبس على كف اليد، والحيول وهي عبارة عن أساور من الذهب) من صديقاتها وقريباتها، لتتزين به يوم العرس وترجعه بعدها». ورصدت الشامسي في دراستها أنواع التسريحات القديمة للعروس، وأبرزها ما يطلق عليها «العكفة» والشونجي، وهي تسريحة يستخدم فيها مزيج من الأعشاب المعطرة، كما رصدت بعض طرق بحث أم العريس عروساً لولدها، وأطرفها حين كانت تدعي «الأم» بأنها أضاعت «معزة» أو دجاجة وتبحث عنها في المنازل ومنها تتعرف الى الصبايا، وتختار بتلك الطريقة عروساً لولدها بعد أن تعاينها عن قرب وتسأل عن أهلها.
كما رصدت في دراستها أسماء الكثير من الشخصيات الذين كان لهم دور كبير في المجتمع المحلي في منتصف القرن الماضي مثل أشهر الطباخين وأشهر الزفافات وأشهر المحنيات، والخياطات، وأشهر المطاوعة (المأذونين) الذين يوكل إليهم مهمة عقد القران.
وهدفت الدراسة إلى التعرف عن عادات الزواج في الدولة في الفترة ما بين منتصف القرن العشرين حتى قيام دولة الإمارات، وتحدثت فيها مع 100 إخباري وإخبارية من مختلف الإمارات من ضمنهم عدد من الرواة، وبينت في دراستي مدى التعاضد والتعاون الذي كان سابقاً في الأفراح، إذ إن كل حي شعبي يشارك في التنظيم وإعداد العرس التي كانت غالباً في منزل والد العروسين، وتسمى بالفزعة و«العينية». عادات مندثرة من العادات التي كانت تقام في الأفراح ثم اندثرت تدريجياً، توضح الدكتورة بدرية الشامسي أن العروس لم يكن لها حق في اختيار زوجها أو رفضه، كما كان سن العروس يتراوح ما بين 10 إلى 14 عاماً، وتلبس العروس «البرقع» بعد خطبتها مباشرة، كما تتم خياطة ملابس العروس في بيت والدها على يد نساء الفريج، وطبخ الطعام كان يتم أمام منزل العروسين وعلى يد طباخين من أهل «الفريج». وأشارت إلى أن العريس كان يترك اختيار الزوجة لأهله، خصوصاً الأم، التي تقع عليها مهمة اختيار زوجة الابن، وكانت الأمهات يتحين الفرص والمناسبات لاختيار زوجته، كيوم التحميدة حين تختم الفتيات القران عند المطوعة أو يوم العيد أو حين ترى الأم الفتاة وهي تصطحب أمها لجمع الحطب أو جلب المياه من البئر، وغالبا ما كانت أسس الاختيار تتركز على القرابة وبخاصة من بنات العم.
مأثورات وقصص رصدت بدرية الشامسي، أهم المأثورات القولية المرتبطة بعادات الزواج وتقاليده، كقول «الخيل من خيالها والحرمة من ريالها» و«خذ الأصيل لو على حصير»، ودعمت دراستها بأهم القصص التراثية القديمة والتي تحمل معاني وقيماً يتداولها العامة ليأخذوا الدروس منها.
وتتمنى الشامسي بأن تختص بالتراث وزارة وتجمع فيها كل الجمعيات التراثية والمتاحف وتلتقي به المهتمين بكل ما يتعلق بالتراث بشقيه المعنوي والمادي، ليبقى موروثنا الفكري والمادي نبراساً تتعلم منه الأجيال وترتقي به نحو التطور والابتكار، تطبيقاً لقول المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه: «اللي ماله ماضي، ماله حاضر».
أول مواطنة تحصل على دكتوراه في التراث
بدرية الشامسي: تعلمت من الرواة كثيراً
12 نوفمبر 2015 00:54 صباحًا
|
آخر تحديث:
12 نوفمبر 00:54 2015
شارك
حصلت إحدى المواطنات من رأس الخيمة مؤخراً على شهادة الدكتوراه في علوم التراث بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى، لتسجل كأول المواطنات اللاتي تعمقن في دراسة التراث بشكل علمي ممنهج، ووثقت في رسالتها أهم ما يخص «الزواج التقليدي» من عادات اندثرت وقصص وتقاليد عبقة من الماضي التليد.