مكان اليوم كان شاهداً على هزيمة الباطل بفضل من الله وعنايته بعباده الصالحين وعلى انتصار الحق، حيث تجلت فيه قدرة الخالق بنزول ملائكة السماء ليقاتلوا مع المسلمين في هذا المكان المبارك "بدر" . وبدر هو الاسم الذي عُرفت به المعركة نسبة إلى المكان الذي وقعت فيه وكان به بئر تسمى بدر حفرها رجل من غفار اسمه بدر بن قريش بن يخلد بن النضر بن كنانة، وهي الآن تتبع منطقة المدينة المنورة وتبعد عنها 150 كيلومتراً وعن ينبع 70 كيلومتراً، وتقترب من البحر مسافة لا تزيد على 40 كيلومتراً، وتكمن أهميتها في أنها ملتقى الطرق المهمة بين ينبع والمدينة المنورة وجدة، وهي مركز إقليمي يخدم أكثر من 30 قرية، ويعتمد نشاطها الاقتصادي على الزراعة وصيد الأسماك .

يوم الفرقان

"وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلةٌ فَاتقُوا اللهَ لَعَلكُمْ تَشْكُرُونَ" (سورة آل عمران الآية: 123) .
يوم بدر كان يوم جمعة وافق السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة كما ذكر ابن كثير وهو يوم الفرقان الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله ودمغ فيه الشرك وخرب محله وحزبه، هذا مع قلة عدد المسلمين يومئذ فإنهم كانوا ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلاً، فيهم فارسان وسبعون بعيراً والباقون مشاة، ليس معهم من العدد جميع ما يحتاجون إليه، وكان العدو يومئذ ما بين التسعمئة إلى الألف في كامل عدته والخيول المسومة، فأعز الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأظهر وحيه وتنزيله وبَيّض وجه النبي وقبيله، وأخزى الشيطان وجيله، ولهذا قال تعالى ممتناً على عباده المؤمنين وحزبه المتقين "ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة"، أي قليل عددكم لتعلموا أن النصر إنما هو من عند الله لا بكثرة العَدَد والعدة .
درس في الشورى أرساه النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة، ليتعلم المسلمون منه، فحين سلمت عير قريش جمع الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين في بدر فاستشارهم وقال: "أروني ماذا أفعل؟" فقالوا: "يا رسول الله نحن ما خرجنا للقتال، وليس معنا سلاح، ثلاث مرات"، فانتبه سعد بن معاذ رضي الله عنه - وكان زعيم أهل المدينة - فقال: "يا رسول الله لعلك تعنينا؟"، قال: "نعم" لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد بايعه أهل المدينة على الدفاع لا على الهجوم، قال سعد: "والله يا رسول الله لقد آمنا بك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وإنا والله لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، فوالله لو وجهتنا إلى برك الغماد أو خضت بنا هذا البحر لخضناه وراءك ما تخلف منا رجل واحد" .

انسحاب إبليس

من لطف الله بهذا الجمع القليل من المسلمين أن جعل في قلوبهم الطمأنينة، وقذف في قلوب المشركين الرعب، بل وأمد المسلمين بجنود من عنده نزلت بأمر الله لنصرة المستضعفين، فكانت معركة بين الحق والباطل حتى إن المفسرين قالوا إن إبليس شارك في هذه المعركة، فذكروا أن قريشاً لما أرادت أن تخرج تذكروا أنه كان بينهم وبين بني كنانة ثأر، فخافوا إن هم خرجوا أن يخلفوهم في ديارهم، فجاء إبليس في صورة سراقة بن مالك، وقال لهم: لا تخافوا منهم، أنا جار لكم لن يأتيكم منهم شر، وخرج معهم . . يقول ابن كثير: خرج إبليس برايته، وبجند معه بالرايات ومشوا حتى قاربوا أرض بدر، فلما رأى نزول الملائكة إذا به ينسحب، ويقول: إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله رب العالمين، فأخذ عمرو بن مالك يناديه: يا سراقة! يا سراقة! ألم تعاهدنا أن تكون معنا؟! ألم تعاهدنا على النصرة؟! فلم يجبه ومر في طريقه حتى نزل البحر، فلما سمع بذلك أبو جهل قال: لا يضرنكم انسحاب سراقة، لقد كان على موعد مع محمد .
إن المولى سبحانه هو الذي أخرج رسوله من بيته بالحق، وهو الذي تولى أمره، وهو الذي أيده بنصره، وسخر العوامل من أرض وسماء، ومن جنود المسلمين والملائكة، لنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر معظم المفسرين أن الملائكة كانت تقاتل مع المسلمين في غزوة بدر، فقد جاء رجل فوجد أسيراً موثقاً فوقف وقال: "أسير من هذا؟! من الذي أسر هذا؟" فلم يجبه أحد، ففك وثاقه وذهب به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: وجدته موثقاً وناديت فلم يعرفه أحد، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: من أسرك؟ قال: رجل طويل بثياب بيض على فرس أبلق، قال: "صدقت، هذا من ملائكة السماء الثالثة"، ومن آثار الملائكة في المعركة أن الرجل كان يسعى وراء المشرك ليضرب عنقه، فإذا به يرى الرأس قد انفصل عن سائر الجسد، والرسول صلى الله عليه وسلم قال لهم: "علامة قتلى الملائكة وقتلاكم أنكم تجدون في أثر الضربة كأنه وسم بنار" .