رغم اشتهار برجسون بكونه احد أهم الفلاسفة المعاصرين تشدداً في نقد النزعة العلموية، فإنه في حقيقة مشروعه الفلسفي، لا يخلص إلى استبعاد العلم، بل ينادي باستحضاره، ويعترف بقيمته، مع نقد نزوعه الإمبريالي، أي تجاوزه وتخطيه لمجاله الجغرافي، وغزوه لمجالات أخرى يراها برجسون لا تتناسب مع أدواته المنهجية، ولذا فهو لا ينفي العلم بل ينادي فقط بضرورة استبقائه بين حدود مجاله. فما هذا المجال المنسجم مع المقاربة العلمية؟

يميز برجسون بين مجالين: المكان؛ الذي يمكن مقاربته بعقلية تحليلية تجزيئية، أي ما يمكن للعلم الاشتغال عليه. ومجال الديمومة: التي ينبغي مقاربته بالمنهج الفلسفي، أي منهج الحدس (بمدلوله البرجسوني).

وللحدس كما هو معلوم في الفلسفة البرجسونية قيمة محورية لا يعادلها أي مفهوم آخر من المفاهيم التي اختار برجسون تشكيل جهازه المفاهيمي بها؛ إذ يقول في رسالة له إلى هوفدينغ: كل اختصار لآرائي سيشوهها في كليتها، وسيعرضها لسيل من الاعتراضات، إذا لم يضع في الموقع الأول، وإذا لم يرجع كل مرة وحين، إلى ما اعتبره مركزاً مذهبياً، وهو حدس الديمومة.

أما التحليل فهو تجزيء، ومن ثم لا يمكن النفاذ إلى حقيقة الديمومة بل أكثر من ذلك إن: التحليل - يقول برجسون - العملية التي ترد الشيء إلى عناصر معروفة مقدما، أي عناصر مشتركة بين هذا الشيء وبين أشياء أخرى. فالتحليل إذن هو التعبير عن شيء بما ليس إياه. وانطلاقاً من هذا التمييز والتحديد لمجال الاشتغال، فإن برجسون يؤكد قيمة كل من العلم والفلسفة وتكاملهما، حيث يقول: فإذا كان من واجب العلم أن يمد عملنا إلى الأشياء، وإذا كنا لا نستطيع العمل إلا بالمادة غير الحية كأداة، فإن العلم يستطيع، بل يجب عليه أن يستمر في معالجة الحي، كما كان يعالج غير الحي. ولكن سيكون من المعلوم أنه كلما توغل في أعماق الحياة، فإن المعرفة التي يزودنا بها تصبح معرفة رمزية، وتتناسب مع إمكان العمل. وإذن يجب على الفلسفة في هذا المجال الجديد أن تتبع طريق العلم، حتى تضيف إلى الحقيقة العلمية معرفة من نوع آخر، يمكن أن نطلق عليها اسم المعرفة الميتافيزيقية. ومن ثم تنهض معرفتنا جميعا سواء أكانت علمية أم ميتافيزيقية. فنحن نوجد في الحقيقة المطلقة ونجول فيها ونحيا.. ونصل إلى لب الوجود في أعماقه عن طريق التقدم المشترك للعلم والفلسفة.

لكن السؤال الذي ينبغي طرحه على برجسون - وهو السؤال التقليدي، الذي طرح، منذ كانط بتعبير آخر عند كل مقارنة بين العلم والفلسفة - هو: ما الذي جعل العلم يتقدم في استكشاف المكان، ويحقق نجاحات ملحوظة، بينما الفلسفة لا تزال تتخبط في بحث مجالها الديمومي؟

إن السبب حسب برجسون، يكمن أساساً في طبيعة الموضوعين اللذين يتعامل معهما العلم والفلسفة، فموضوع العلم (أي المكان) موضوع قابل للتجزيء والحساب. والعلم هنا يستثمر آلاف السنين من الجهود بدءا من الحس المشترك إلى اللحظة العلمية، .. إن العلم الوضعي نتاج للعقل.. وسواء أقبل الناس أم رفضوا فكرتنا عن العقل، فإن هناك نقطة يسلم لنا بها الجميع، وهي أن العقل يشعر بأنه في مجاله الطبيعي.. عندما يوجد وجها لوجه مع المادة غير العضوية، بينما الفلسفة تتعاطى مع الديمومة، أي مع مجال تطور خلاق، متغير دوما، مسكون بإيقاع التجديد والإبداع والخلق، وهذه الديمومة التي تمثل عمق ذواتنا وعمق العالم، تستلزم القطيعة مع عوائدنا في التفكير، ومسبقاتنا الذهنية المتراكمة، إنها تتطلب حدساً أصيلاً.