برج المقطع في أبوظبي معلم تاريخي يحكي ذاكرة المكان ويختزن ثقافته ونمط معماره وعمقه التاريخي، ولا يزال قائماً حتى الآن يغالب عواتي الزمن منذ أكثر من 200 سنة على تأسيسه .

وتضرب المصادر التاريخية صفحاً عن تقديم معلومات شافية ووافية من شأنها تحديد تاريخ إنشاء البرج والاستدلال على ماضيه العريق والأدوار التي اطلع بها وصمّم من أجلها، وإن كانت هناك نتف متفرقة في بعض المصادر، مثل موسوعة دليل الخليج الجغرافي ل ج . ج . لوريمر التي تحيل إلى أن البرج كان موجوداً خلال العام ،1908 ومن خلال مقارنة الباحثين للعناصر المعمارية والإنشائية للبرج من حجارة الجرف الصخري الشبيه به، وأسلوب صف هذه الحجارة بمادة الجص، على نحو يتشابه مع أسلوب بناء البرج الشمالي لحصن أبوظبي والبرج الذي يقع في يسار مقر سكن حكام أبوظبي من حيث الشكل وإن كان برج الحصن أكبر وأوسع قاعدة، كما يتشابه أيضا مع برج (الجبس) الذي يشكل جزءاً من حصن القواسم بالشارقة . تأسيساً على تلك المقارنات كلها استنتج الباحثون فرضية كون البرج قد بُني تزامناً مع بناء قصر الحصن حوالي 1793 . فضلاً عن التشابه الكبير في نمط العمارة والهندسة التي صممت عليها مباني الإمارات التاريخية . يقع برج المقطع وسط خور يفصل مدينة أبوظبي عن اليابسة، وتؤكد الدراسات المتوفرة أن البقعة التي بني عليها البرج كانت بقعة طبيعية لأن الناس كانت تقطعها على الأقدام جيئةً وذهاباً عندما يكون المد منخفضاً .

إن نمط البرج المعماري نمط محلي صرف، وهو يمزج بين الفن الساحلي والصحراوي .

اعتمد البناء المحلي على استعمال قطع من جذوع النخل بدلاً من خشب الجندل الذي تم استيراده من إفريقيا لاحقاً . ويتخذ البرج الشكل المخروطي الذي يعتبر سمة معمارية للكثير من المباني في الإمارات مثل حصن أم القيوين، ورأس الخيمة، ومربعة الخان، ومربعة بيت الشامسي في الشارقة، وقد بني بالأساس ليكون برجاً لحراسة مدخل مدينة أبوظبي، من الجهة المائية، ومراقبة الداخل والخارج إليها، يتم الصعود إلى أعلاه عن طريق درج مصنوع من الحبال يرفع عند دخول الحراس فيه .

ظل البرج شامخاً يتوسط مياه الخور في مشهد مفعم بالشاعرية، يحكي قصة مدينة، وحضارة أمة في جزء من تاريخها وفنونها المعمارية . مثّل الخط الدفاعي الأول الذي يصدر إشارات الإنذار والتنبيه في حالة أي خطر محدق، وعيناً ساهرة وحارسة لمدخل المدينة، وذلك منذ تأسيسه وحتى خمسينات القرن العشرين، حيث تم استحداث وحدة حراسة وجمارك (مخفر المقطع، قلعة المقطع، حصن المقطع) لتقوم بدور الحراسة والأمن الذي كان موكلاً إلى البرج، لكن النمط المعماري الذي بنيت به القلعة يختلف اختلافاً كبيراً عن النمط المعماري لبرج المقطع، لأنها شيّدت بعده بنحو مئة سنة .

البرج وقيمته التراثية والمعمارية والحضارية جعلت منه معلماً حضارياً وتاريخياً ووجهة للسياح والراغبين في الوقوف على معالم ماضي مدينة أبوظبي، وما تعبق به من ثراء وغنى وتنوع يمنحها نكهة مميزة، ويضفي عليها جمالية خاصة تصل الماضي بالحاضر في لوحة شعرية فريدة .

ذاكرة البرج تحتفظ بذكرى الميلاد الأول، وسنوات التحوّل والتطور الذي طرأ على المدينة، وتختزن تراثها ومآثرها ومعمارها في أحجار، وسعف، وآثار باقية من القرون الخالية، تحكي قصة المنشأ، وطبيعة الحياة، ونمط المعمار، والتواصل مع حضارات وثقافات عريقة .