فوق هضبة مستديرة صخرية في الشعاب الجنوبية لجبال النيرية يربض برج شاهق يتميز بحجارته الضخمة وعبقريته الهندسية التي لا مثيل لها في العالم وهو برج صافيتا الأثري الذي يرتفع عن سطح البحر 419م، ويبعد عن مدينة طرطوس 27 كم، كما يشرف على الساحل السوري حتى ارواد وطرابلس والدريكيش وقلعة الحصن، ويُعد هذا البرج منطقة وسطى بين ارواد (طرطوس - ارواد) وحصن سليمان مما يرجح أنه كان محطة وموقعاً دفاعياً لحامية فينيقية في دولة ارواد.
حمل البرج اسم القصر الأبيض وأطلقت هذه التسمية عليه أيام الحروب الصليبية، ويعود سبب هذه التسمية إلى أن الحجارة التي بني منها هي حجارة كلسية بيضاء، وسُمي البرج كذلك كاستل بلان وهو يرتفع حوالي 28 متراً ويضم كنيسة لا تزال تقام فيها الشعائر حتى اليوم.
بني البرج فوق معبد كنعاني، ثمّ أنشئت كونتية طرابلس أول حصن في المكان بعد أن تمكن ريموند دي سان جيل من الاستيلاء على طرابلس من إمارة بني عمار التي حكمت طرابلس لصالح الخلافة الفاطمية. وبعد أن طرد أتابك حلب نور الدين الزنكي الفرنجة منه عام 1167م، انتقل البرج إلى عهدة فرسان الداوية الذين جددوا بناءه بعد الهزة الأرضية التي حدثت عام 1170م والتي تسببت في تخريبه من جديد، وحاول نور الدين الزنكي استرجاعه عام 1171م. وتمّ له ذلك في العام التالي في زمن ريموند الثالث كونت طرابلس. ثم حاصر السلطان صلاح الدين الأيوبي البرج خلال توسعه في سوريا عام 1188م.
واحتل البرج جاك دو فيتري أسقف عكا اللاتيني في عام 1217م، وكان يرسل الحمام الزاجل من أعلى البرج ليعلن عن تنقلاته وليطلب إرسال خفراء لملاقاته ثم شن الملك الأشرف سلطان حلب هجوماً مضللاً على البرج لإرهاق مؤخرات الجيش الفرنجي الخامس الذي كان في تلك اللحظة يحاصر دمياط في عام 1218م. وفي عام 1217حاصر السلطان الظاهر بيبرس البرج ومنذ ذلك التاريخ والبرج بيد العرب وبقي بحالة جيدة حتى نهاية القرن التاسع عشر ومن ثم بدأ سكان المناطق المجاورة في بناء المساكن المحاذية له والقريبة منه وضمن سوره وفوقه بحيث أصبحت تغطي قسماً كبيراً من معالم سور البرج حتى شكلت تلك المنازل بلدة صغيرة يطلق عليها اليوم اسم صافيتا نسبة إلى البرج.
وفي العصر الحديث شهد برج صافيتا العديد من الأحداث التاريخية التي مرت بسوريا ففي العام 1832م قدم ابراهيم باشا إلى صافيتا وأرهق سكانها بالضرائب فثاروا عليه، وما ان عادت الضرائب حتى شهدت انتفاضة شعبية ضد العثمانيين في العامين(1858-1859)، وعلى الرغم من تمكن السلطات العثمانية من قمعها بقسوة أُجبرتها على إعطاء المنطقة حكماً ذاتياً. وتذكر بعض المصادر التاريخية أن الجنود العثمانيين كانوا يأتون بالثوار ويُلقون بهم من أعلى برج صافيتا في الوادي الشمالي، ونتيجة لهذه الأوضاع هاجر الكثير من أبناء صافيتا إلى الأمريكتين.
ويتم الدخول إلى البرج من البوابة المطلة على جهة الشرق، وهي ذات بناء مؤلف من طابقين لم يبق منه سوى الجدار الغربي وأطلال ذات عقود فقدت في السنوات الأخيرة الكثير من معالمها الأصيلة، أما البرج المحصن فيبدو من المدخل الرئيسي بشكل جيد جدرانه قد شيدت من قطع حجرية مربعة رائعة تظهر فيها آثار مميزة للإصلاحات التي جرت بعد الزلزال الأول عام1170م والزلزال الثاني عام 1202م الذي انهار خلاله الطابق العلوي وبقيت أجزاء من البرج في حالة سليمة جداً ويتألف البرج المحصن من أربعة أقسام: الأساس وهو فينيقي الأصل مغمور تقريباً ولكن تظهر بعض أجزائه من الجهة الشرقية والشمالية، وهناك الطابق الأرضي وهو عبارة عن أقبية ذات سقوف نصف دائرية لها بوابات تفضي إلى سراديب عميقة وتحتوي على خزان ماء محفور في الصخر تم ردمه عندما بدأ السكان ببناء مساكنهم ويتألف الطابق الأول للبرج من كنيسة لا تزال تمارس الطقوس الدينية فيها حتى اليوم.
والطابق الثاني ويُدعى (القاعة الكبرى) ويقوم فوق كنيسة البرج المحصن وهو عبارة عن صالة مفتوحة وفيها نوافذ ومرامي سهام عميقة كانت تؤمن الدفاع عن البرج، وتم تصميم هذا الطابق وبناؤه في أوائل القرن الثالث عشر على ثلاث ركائز من الأعمدة الضخمة البارزة التي تستند إليها عقود متصالبة شديدة الانحناء وهذه الأعمدة لا تقابلها أعمدة في الطابق الأول وهي معجزة هندسية تخلت عن كل النظريات العلمية الحديثة في الهندسة، أما سطح البرج فيحتوي على شرفات لا يزال قسم منها محتفظاً بفتحاته وهي تطل على الأفق البعيد، وهذه الشرفات مبنية من صخور ضخمة ومنحوتة بدقة وعناية، وقد كان المدافعون عن الموقع يقيمون الاتصالات بوساطة النيران والإشارات مع القلاع المجاورة. كما كانوا يطلقون من سطح القلعة الحمام الزاجل وخاصة في عصر الدعوة الإسماعيلية لإرسال الأخبار أو تلقيها، وكان السور المحيط بالبرج مرتفعاً وواسعاً ولكنه مع مرور الزمن تهدم وبنيت المنازل داخله حتى التصقت بالبرج من الجهة الجنوبية أو تكاد، ولا يزال إلى الآن قسم من السور الشرقي ببوابته الجميلة قائماً وقد قامت المديرية العامة للآثار والمتاحف منذ فترة بترميم هذا السور، إضافة إلى ترميم أجزاء البرج الأثري الأخرى على عدة مراحل بالتعاون مع عدد من هيئات الآثار الدولية.
وقد أعطى وجود برج صافيتا هذه المدينة مكانة سياحية تحسد عليها وارتبط اسمه بها ارتباطاً وثيقاً حتى إذا ما سألت عن مدينة صافيتا اليوم يقال لك صافيتا البرج.