مدينة قديمة، فيها ابنية عجيبة وآثار عظيمة وقصور على اساطين الرخام لا نظير لها في الدنيا. بينها وبين دمشق ثلاثة أيام وقيل اثنا عشر فرسخاً من جهة الساحل.

بمثل هذا التعريف الدقيق والمدهش والموجز، يطالعنا ياقوت الحموي في معجم البلدان عند حديثه عن بعلبك بالفتح ثم السكون وفتح اللام، والباء الموحدة والكاف المشددة.

بعلبك، كما وردت في معاجم اللغة، من ابنية العرب كحضرموت، وهو اسم مركب من بعل اسم صنم وبك اصله من بك عنقه أي دقها، وتباكّ القوم أي ازدحموا. فإما ان يكون نسب الصنم الى بك، وهو اسم رجل، أو جعلوه يبكّ الأعناق، هذا ان كان عربياً. أما إذا كان عجمياً فلا اشتقاق له.

وفي دائرة المعارف الاسلامية. يشير سوبرنهيم، الى أنه لم يهتد بعد الى اشتقاق كلمة بعلبك. ويضيف قائلاً ان التسمية اليونانية هليوبوليس، تدل على ان المدينة، كانت مقراً لعبادة واحدة من آلهة الشمس، ويلتمس صلة بلقبها العربي الذي عرفت به: بقاع العزيز فيقول ان لفظة العزيز تدل على معبود متصل بآلهة الشمس التي كانت تعبد في بلاد شمالي الشام وأواسطها.

واشتهرت بعلبك بأطلال معبد جوبيتر الذي شيده الامبراطور انطونينوس، وبالساحات والأبهاء التي زانها الامبراطور كراكالا، وبمعبد باخوس ايضاً، وذلك في العصور الرومانية. ويحكى ان معبد بعلبك كان قصراً لسليمان عليه السلام قدمه مهراً لبلقيس ملكة سبأ، وكان مبنياً من اساطين الرخام.

وتذكر كتب المصادر العربية ان بعلبك قصدها الشاعر الجاهلي امرؤ القيس بعد مقتل ابيه حجر أحد ملوك كندة، وذكرها في شعره حيث يقول:

لقد أنكرتني بعلبك وأهلها

لابن جريج في قرى حمص أنكرا

انها بحق قلعة الحضارات، ففي زمن الفتوح، الحقت بعلبك صلحاً بالدولة الاسلامية على يد أبي عبيدة بن الجراح قائد الخليفة عمر بن الخطاب عام 16ه/637م بعد فتح دمشق، حيث سار الى حمص فمر ببعلبك، فطلب أهلها اليه الأمان والصلح، فصالحهم وكتب لهم كتاب الأمان، وظلت بعلبك من أعمال دمشق، في عهد خلفاء بني أمية وبني العباس، ولما فتح الخليفة المعز لدين الله الفاطمي مدينة دمشق عام 361ه/943م أقام في بعلبك والياً له. وظلت المدينة في حوزة الفاطميين حتى عام 468ه/974م، والثانية عندما احتلها صالح بن مرداس امير حلب عام 416ه/1025م.

وقد ابتدأ الحكم السلجوقي فيها عام 468ه/1075م، في زمن الأمير تتش وأولاده كما ولي الحكم بعد السلاجقة طغتكين، وكان اتابك من قبلهم في ما سبق، وكانت بعلبك طوال هذه الفترة مدينة حصينة منيعة للغاية، وقفت كتب التاريخ والمصادر عن حسن دفاعها. وفي فترة لاحقة أصبحت بعلبك تحت حكم عماد الدين زنكي أمير حلب، الذي عاد في ما بعد وولى عليها ايوب والد صلاح الدين بعد ان عمل على تقوية حصونها.

وعندما قتل زنكي عام 541ه/1146م، اضطر ايوب ان يعيد بعلبك الى أثر الذي اقطعها الى الخصي عطاء. وبعد مقتل عطاء استولى ابن اخيه الضحاك، أمير وادي التيم في الجنوب الغربي من البقاع على بعلبك، ثم تخلى عنها لنور الدين محمود زنكي الذي أمر بإعادة تشييد أسوار بعلبك وتجديد تحصيناتها، خصوصاً بعد الزلزال الذي ضربها عام 565ه/1170م.

وفي ظل حكم بني ايوب، كما في ظل حكم المماليك، كانت بعلبك تتبع والي الشام من حيث ادارتها بالأصالة أو بالنيابة، كما كانت تحصيناتها ودفاعاتها تتجدد باستمرار، حتى استولى عليها القائد المغولي قتبغا، فهدم حصونها، غير أن قطز سلطان مصر هزم المغول في العام نفسه، فدخلت بعلبك سلطة المصريين من خلال والي دمشق. وقد ظلت هذه الحال، حتى كان الفتح العثماني عام 922ه/1516م، فضمت الى املاك الدولة العثمانية، ولو ان السلطان ابراهيم باشا المصري كان قد استولى عليها لمدة وجيزة عام 1831م.

مرتبة مرموقة

طوال العهود الاسلامية كانت بعلبك مقصد أهل العلم من مختلف الأمصار، مما جعلها تحافظ على مرتبة مرموقة في علوم الحديث والفقه، وسائر العلوم الجليلة الأخرى التي كانت ذائعة في تلك العصور. ولهذا ظهر منها جماعة من أهل العلم، نسبوا الى بعلبك، منهم محمد بن علي بن الحسن بن أبي المضاء، أبو المضاء البعلبكي المعروف بالشيخ الدين، وعمه القاضي أبو علي الذي سمع منه أبو الحسن بن عساكر وأجاز لأخيه أبي القاسم الحافظ، وأبو مسلم البعلبكي القاري، المعروف بابن كسري الذي روى عن سويد بن عبدالعزيز والوليد بن مسلم ومروان بن معاوية، ولهذا كان تاريخها العلمي كما تذكر كتب المصادر في ذراه الكبرى.

وفي بداية القرن الماضي باشر الألمان في أعمال الحفر في مدينة بعلبك، تحت إشراف كل من بوشتين وشولز وذلك من عام 1900 الى عام 1904 وقد وصلا إلى معلومات قيمة، على صعيد بناء القلعة في بعلبك وتقسيماتها: وهذه القلعة تتكون من تسعة أقسام: 1- الحصن الأمامي، 2- البوابة الجنوبية الداخلية، 3- البوابة الغربية القديمة، 4- مسجد متصدع، 5- هيكل باخوس مع اضافات من العصور الوسطى، 6- برج السلطان قلاوون، 7- كنيسة بيزنطية (وقد أزيلت أثناء التنقيب)، 8- أساسات هيكل جوبيتر، 9- خنادق دفاعية.

وبالاستناد الى تقرير بوشتكين عن حفائره في بعلبك، يظهر أن العرب حولوا المعبد الى قلعة، وأول ما لفتهم وأمسك بألبابهم الساحات والمعبدان، والأسوار الخارجية التي تكسب القلعة الحصانة والمناعة، فالمعبد الصغير، كان بناء قائماً بذاته داخل القلعة، وهو بمثابة البرج، وتشهد على ذلك الخنادق والحوائط الخارجية، خصوصا من الجهة الشمالية.

وقد بنى البرج الكبير في الركن الجنوبي الشرقي من هذا المعبد، بقصد حمايته، وكان يتعين بذل المال الكثير لملء الفراغ الذي يفصل بين المعبدين الكائنين في الركن الجنوبي الغربي للقلعة، وكان بهذا الركن مدخل الطريق الى البقاع والمخرج منها، ولذلك فقد عمد مهندسو العرب الى منافسة مهندسي الرومان، وإظهار براعتهم في هذا الميدان، وتبين أنه لا بد من ترميم الأسوار العربية، كي تصمد لحاجات الدفاع المتغيرة، كما صمدت الأسوار القديمة أمام جميع المحن.

وقد شيد العرب سورين، أحدهما ناحية الجنوب الغربي، للمعبد الصغير والآخر تجاه الواجهة الغربية للمعبد الكبير، وقد وضع الباب وسط الجانب الغربي، وأقيم على كل من جانبيه برج قليل الارتفاع.

وفي عهد آخر يوافق زمن محمد بن بوري الذي دافع عن القلعة دفاعاً عظيماً، أو عهد زنكي الذي انهمك في تحصين بعلبك، نقل الباب الى الجانب الجنوبي للقلعة. وفي هذا الجانب ممر مسقوف يؤدي الى جانب الحصن الخارجي، وقد كان متصلا بالقسم الشرقي من القلعة بواسطة ممر آخر مسقوف، يرتفع ارتفاعاً تدريجياً، حتى يصل الى مستوى هذا القسم.

وقد بني مكان الباب القديم وبرجيه الصغيرين، برج آخر كبير، أقيمت على جانبيه استحكامات جديدة، لا تبعد عن الاستحكامات التي كانت سابقا، وفي عام 610ه/ 1212م، شيد السلطان بهرام شاه برجاً جديداً جبهة البرج الغربي. وبالاضافة الى ذلك ابتنى السلطان قلاوون وخلفاؤه مبان عدة جديدة منيعة، بعد أن خرب المغول بعلبك في نهاية القرن الثالث عشر الميلادي، وقد شيد برج منيع بحجارة ضخمة في الركن الجنوبي الشرقي للمعبد.

ولضرورة حماية الباب الجنوبي، أقيم حصن إسلامي آخر خارج القلعة، ويستدل على ذلك من الطريق الموجودة وراء الجسر المنصوب فوق الجندق ووراء الباب الخارجي، الذي ينحني أربع مرات قبل أن يصل الى الباب الداخلي، وقد استدل العلماء على ذلك من خلال النقوش التذكارية القائمة على دعائم الباب الخارجي المتهدمة والتي تشير ان الحصن الخارجي، شيد حوالي 689ه/ 1209م، وآخر التعديلات الاسلامية كانت لتعديل حصون قلعة بعلبك والتي أدخلت على الخندق المحيط بالقلعة عام 796ه/ 1394م.