محمد إسماعيل زاهر

(1)

من منّا لم يحلم في طفولته بأنه يطير؟ هو حلم يحيل إلى التفوق، أو الرغبة في اختصار الزمن والقفز إلى مرحلة عمرية لاحقة، ويهجس بمتعة خفية نحصل عليها في التحليق ومشاهدة الأرض من منظور آخر، وتحويل الكائنات الكبيرة والضخمة إلى المتناهي في الصغر حتى يمكن إدراكها وأسرها في وعي بريء تفتح للتو على الوجود، وعي لم يزدحم بعد بكل ما يشد إلى الأرض، ويعيق الخطى، ويدفعنا إلى التفكير المرة تلو الأخرى قبل الإقدام على الفعل، فالطفل لا يمشي أو يتحرك بتؤدة أو بخطوات محسوبة، هو في الحقيقة يقفز.
الطيران في أحلام الطفولة مساحة رحبة لا يحدها بصر يمكن للطفل فيها أن يرسم خريطة جديدة تتغير فيها الأبعاد، خريطة مختلفة للعالم يستطيع الصغير تخزينها في عينيه، لاستعادتها مرة أخرى ومن ثم الاستمتاع بها في لحظات يركن فيها إلى نفسه بعيداً عن المحيط الغريب وغير المفهوم، طيران الطفل تحليق يسمو فوق الملموس والمعروف.
لا يكتفي الطفل بالحلم، ولكن معظم الصغار حاولوا الهروب من ثقل الأرض، من خلال الطائرات الورقية، والتي تطورت بعد ذلك إلى طائرات صغيرة على شكل لعبة، ثم طائرات أكبر يمكن التحكم فيها وتوجيهها في نطاق معروف، فالطفولة لا تكتمل إلا بالتحليق، ولكن الطائرة في تلك الحالة.. طائرة خاصة لا يشارك الصغير فيها أحد، طائرته التي يرخى لها الحبل أو يتقافز فرحاً وهو يمسك بها أو يتحكم فيها آلياً، يطلقها لتبتعد، ولكن ليس لتغيب عن ناظريه، كما الطائرة الحقيقية، فالمساحة الأوسع لخيال الطفل لابد أن تكون في راحة اليد.
من خلال لعبة الطائرات الورقية استطاع خالد الحسيني في رواية «عداء الطائرة الورقية»، تلك التي وزعت 22 مليون نسخة حول العالم، أن يرسم صورة أخرى لأفغانستان، صورة إنسانية، فهذا البلد الفقير الذي أنهكته التقلبات السياسية والحروب، والذي نفكر فيه بوصفه مكاناً ينبت فيه التشدد والتطرف والوجوه العابسة المكفهرة التي ترفض الآخرين وتضيق بهم، ليس كذلك، فمدارس وأحياء كابول قبل عام 1975 كانت تنظم مسابقة سنوية للأطفال يتنافسون من خلالها في مسابقة «الطائرات الورقية»، حيث يصطف الأهل مع الأطفال في أمكنة محددة والجميع يرتدون الملابس الجديدة، ثم يطلق كل طفل طائرته ومن خلال مهارة التحكم في الحبل يحاول أن يصل بها إلى أبعد مدى، ولكن قوانين المسابقة لا تقتصر على هذا الشرط فهناك أيضاً ذلك الطفل الذي يصل أولاً إلى المكان الذي سقطت فيه طائرته، من خلال تلك اللعبة البسيطة نطل على مجتمع مفعم بالحياة ونشعر بأنه قريب منا.
يتخلى الحسيني في تلك الرواية عن أنانية الطفل، و يسمح لنا أن نركب طائراته الورقية ونرحل إلى ماضي أفغانستان لنحط بالقرب من بشر يشبهوننا، لا نتحسس منهم، ولا نفكر مؤقتاً في مشاكلهم الفكرية، هو التحليق عندما يمنحنا فسحة من الوقت نمسك فيها لحظة طفولية مفارقة لمختلف الإيديولوجيات.

(2)

إذا كان الطيران بالنسبة للطفل عالم آخر يختزن طاقة لا نهائية من اللامرئي الذي يدعو إلى الاكتشاف، فإن طائرة الكبار هي ذلك الاختراع الذي «رفع النقاب عن وجه الأرض فعرفناه على حقيقته»، وفق ما يذهب أنطوان دو سانت أكزوبيري في كتابه الفاتن والنادر «أرض البشر».
كانت الأرض قبل الطائرة خبيئة تسكنها الحكايات الغامضة، كانت الأرض أمنا التي نحترمها ونهابها ونستلقي في حضنها، لنحصل على الدفء والطمأنينة، ولكن الطائرة أكسبتنا جرأة مفارقة كل ذلك، علمتنا الطائرة أن نصل إلى وجهتنا بسرعة، وفي خط مستقيم، لم تعد هناك أي طرق مستحيلة، تتحدى الإنسان وتستثير شغفه في الوقت نفسه، أو رحلات شاقة أو أسفار عسيرة تمتلئ بالغريب والمستعصي على العقل، غابت عن الخريطة الدوائر والزوايا والأركان التي كنا نسعى بوجل إلى التلصص عليها من بعيد من خلال الاستماع إلى قصصها الخرافية، واختفت تلك القلة من المغامرين الذين تحلوا دائماً بقلب شجاع واقدموا على هتك أسرار تلك الخريطة، حررتنا الطائرة كما يرى أكزوبيري من «عبودية حبيبة» للأرض.
كشفت الطائرة الأرض، اختزلت الخيال، ولذلك لا يلبث أكزوبيري أن يضع جانباً مهنته كطيار، حيث جعلته الطائرة يبصر العالم بنظرة حادة وقاسية وأحادية البعد، ليستعيد طفولته/‏إنسانيته، من خلال كتاب آخر بعنوان «الأمير الصغير»، بطله طفل يحلق بين الكواكب ويتعاطى مع الأرض من زاوية نظر مختلفة، هل كان أكزوبيري يعود مع أميره إلى عبوديته الحبيبة لأمنا الأرض؟، وهي مثل كل أم علينا ألا نبتعد عنها، نلعب بالقرب منها، وعندما نكبر قليلاً نحلق بالقرب منها لنفهم حكمتها رويداً رويداً.

(3)

الطيران ليس لحظة فارقة في حلمنا كأطفال وكبار بأبعاد مختلفة للمكان، ولكنه أيضاً لحظة اختبر من خلالها الإنسان عبر تاريخه الفعلي أو المتخيل إدراكه للزمن.
في بدايات القرن السادس عشر تحدث ليوناردو دافنشي عن إمكانية الطيران بطريقة علمية، وفي عام 1638 نُشر كتاب فرانسيس غودوين «الإنسان في القمر»، بطله يستخدم آلة طائرة مزودة ببجعات برية ضخمة يمكنها الوصول إلى القمر في اثني عشر يوماً، وفي عام 1668 أصدر لوبوفييه دوفونتونيل كتاب «محادثات حول تعددية العوالم»، تناول فيه إمكانية الحياة على الكواكب الأخرى، كانت رؤى تتمرد على زمنها البطيء وتتطلع إلى المقبل. أُطلق أول منطاد في باريس في عام 1783، ورافق ذلك في القرن التاسع عشر سرديات كبرى لجول فيرن وهربرت جورج ويلز، مدارها القفز في الزمان عبر الطيران، ثم اخترع الإنسان الطائرة وملحقاتها ومع النظريات العلمية الحديثة في القرن العشرين بدا أن الطيران وحده هو الأداة التي تمكن الإنسان من الرحيل بالفعل عبر الزمن.

(4)

عندما ارتكب الإنسان أول جريمة في التاريخ، وقف الأخ حائراً عاجزاً عن التصرف في جثة أخيه، ولم ينقذه من بؤسه إلا ذكاء الغراب.
صاحبت الطيور الإنسان في رحلة طويلة، هنا بإمكاننا إدراك حيرة النبي إبراهيم عليه السلام، والذي دعا الله أن يريه كيف يحيي الموتى في خلال قصة الطيور القرآنية الشهيرة، وهناك هدهد سليمان عليه السلام، ومعجزة عيسى عليه السلام بخلق الطيور من طين الأرض. كانت الطيور أيضاً وسيلة عقاب، الطير الأبابيل، ولم تقتصر رمزية الطيور على الدين ولكنها شملت مرويات وحكايات..لا تبدأ من الحمامة التي أرشدت النبي نوح عليه السلام إلى الأرض بعد الطوفان ولا تنتهي بنسور لقمان الحكيم، وفي هذا القوس بإمكاننا أن نقرأ عن دلالة ذات طابع خاص وفي كل الحضارات للطاووس، ذلك الكائن المربك الذي يوصف أحياناً بأنه طائر يمتلك ريش ملاك وصوت شيطان وأقدام لص، أما مدونة الشعر فتمنح أسطورة العنقاء بطولة خاصة.
وهبتنا الطيور الحكمة وعودتنا على أن نشخص في السماء لنتدبر أفاقها، تتبع أعيننا رفة الجناح، وهبتنا أيضا الإحساس بالانفلات من الزمن المعروف، الذي ينسرب بسرعة من بين أيدينا، ووظفناها أدبياً لنعيش حلم البقاء.. ولنقاوم الفناء، لذلك لم يكن غريباً أن يستعين فريد الدين العطار بالطيور في رحلة رمزية لتأكيد هذا المعنى، ففي نهاية «منطق الطير» يتوقف الزمن ليعيش ثلاثون طائراً لحظة أبدية من خلال رؤية أرواحهم الخالدة في مرآة السيمرغ.
على خطى العطار الصوفي سار الطيار الأمريكي ريتشارد باخ في كتابه اللافت «النورس جوناثان ليفنجستون»، فنورسه يتقن الطيران كما لم يفعل نورس آخر، ما يؤهله لمشاهدة عوالم لم يختبرها أي طائر من قبل، علمه ذلك أن يطرح أسئلة عن الحياة والهدف منها، دفعه الطيران من دون التقيد بقواعده التي تحفظها جميع النوارس إلى الاقتراب أكثر من ذاته الحقيقية، أدرك أن السماء التي يطير فيها أضيق من أن تحتوي أشواق قلبه، وفي النهاية اختفى وخلدته النوارس الأخرى، وأصبح نورسها الأعظم.
الطيران بقاء نسبي يحاول من خلاله الإنسان عبر العلم أو التصوف أو الفلسفة أن يجد له مكاناً مرئياً في ذلك الزمان المطلق اللامتناهي في امتداداته، المقدر بمليارات السنين، والذي نشعر من خلال التفكير فيه بمدى ضآلتنا.

(5)

الطيران عالم لم نكتشف خفاياه بعد، حيث نخطو خطواتنا الأولى ولا أرض ثابتة نقف عليها، والطيور كائنات عصية على الإدراك، معرفتنا بها فقيرة بل تعيسة، فبرغم تعدد رمزيتها وتأويلاتنا لغموضها، إلا أننا جميعاً ومعنا العطار لا نزال على مسافة زمكانية بعيدة جداً من فهم «وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا (الإسراء-13).