توفير الطعام للمحتاجين فكرة إنسانية حث عليها الإسلام، ومن هذا المنطلق أقيمت عدة مشاريع خيرية في معظم الدول العربية مثل بنوك الطعام وحفظ النعمة هدفها توفير الغذاء للفقراء بالتعاون مع فنادق ومطاعم كبرى خمسة نجوم عن طريق أخذ وجبات من أطعمة سليمة نتيجة الفائض والفاقد الهائل الذي ينتج عن الحفلات والبوفيهات المفتوحة وولائم الأثرياء وإعادة تغليفها وتوزيعها على الفقراء والمحتاجين بالإضافة لقبول تبرعات القادرين بالمواد الغذائية.

حول تجربة بنوك الطعام كانت لنا هذه اللقاءات مع عدد من علماء الدين والاقتصاد.

يقول الدكتور علي جمعة مفتي مصر والذي يشجع دائما على هذه المشروعات من خلال مؤسسة مصر الخير وبنك الطعام في مصر: إن المسلمين تقدموا في هذا المجال على جميع دول العالم منذ أكثر من 1400 عام، حيث كان هناك ما يعرف بالوقف الذي يخصص إيراده لأغراض معينة. واعتبر فضيلته أن بدء نشاط بنك الطعام المصري فاتحة خير لإقامة بنوك أخرى، مثل بنك الكساء وبنك العفاف لمساعدة الشباب على الزواج، لما تحمله هذه الأفكار من إذكاء لروح التكافل الاجتماعي، وزيادة الدور التطوعي لرجال الأعمال والشخصيات العامة لحل مشاكل المجتمع.

ويضيف د.جمعة ان الإسلام عندما حث على التكافل والتضامن بين المسلمين كان الهدف الأساسي ألا يشعر الفقير بفقره ولا الضعيف بضعفه إنما تصبح الأمة كجسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.. وإطعام الطعام قال عنه ربنا سبحانه وتعالى: ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا.. ويقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها قيل لمن يا رسول الله؟ قال: لمن أطعم الطعام وأفشى السلام وصلى بالليل والناس نيام.

فكرة حيوية

يرى الدكتور حمدي طه الأستاذ بجامعة الأزهر وصاحب مؤسسة حمدي طه للأعمال الخيرية أن فكرة بنوك الطعام فكرة حيوية خاصة في الوقت الحاضر بسبب أزمة الغذاء الحالية وارتفاع الأسعار وهذا ما دعا إليه الإسلام وكل الأديان.. فالله سبحانه وتعالى أمر الإنسان بأن يحض الآخر على إطعام الطعام قال تعالى: كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين.

ورفع الله من قدر طاعم الطعام في قوله: ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً والرسول صلى الله عليه وسلم ضرب لنا مثلا بقبيلة الأشعريين حيث كانت لهم عادة على غير القبائل فقال صلى الله عليه وسلم: إن الأشعريين كانوا إذا أرملوا في الحرب أو قل طعامهم جمعوا ما عندهم في وعاء واحد ثم اقتسموه فيما بينهم فهم مني وأنا منهم وهذا يدل على حض الإسلام على التكافل الاجتماعي.

ويؤكد د.طه أن أعظم صدقة يقدمها الإنسان بعد سقيا الماء إطعام الطعام وكان الأثرياء في العصور السالفة يقيمون ما يسمى بالتكايا إلا أن هذه الظاهرة انقرضت من العالم الإسلامي وللعجب أنها موجودة في بلاد أوروبا حيث تقيم بعض الدول مثل السويد والنرويج وإيطاليا على سبيل المثال دوراً ملحقة بالكنائس تؤوي المشردين والأيتام والمساكين وتقدم لهم الغذاء والكساء فإذا سألت هؤلاء الناس الذين ليسوا على دين الإسلام عن ذلك يقولون: نحن نقي مجتمعاتنا من الجريمة بتقديم الطعام لهؤلاء، وإن الكتاب المقدس يحضنا على ذلك ومع أن الإسلام يجعل هذه الأعمال من أفضل الخصال الأخلاقية إلا أننا نجد تجاهل معظم المسلمين لهذا الأمر.

قمة الفضائل

ويقول الدكتور محمد عبدالحليم عمر مدير مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر: إن الخير قمة الفضائل وطريق الفلاح حيث يقول رب العزة وافعلوا الخير لعلكم تفلحون ومن أبواب الخير بنوك الطعام حيث إن أولى الحاجات الإنسانية الضرورية الطعام.

ويلفت د.عمر إلى أنه نظرا للآثار السيئة للجوع فقد استعاذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع ونحن في زمن زادت فيه مساحة الفقر محليا وعالميا وأول مظاهر الفقر ومقاييسه هي مشكلة نقص الغذاء والجوع التي وصلت حسب تقدير منظمة الأغذية والزراعة الدولية المعروفة بالفاو إلى حد أن نصف أطفال الدول النامية لا يحصلون على ما يكفيهم من الغذاء وأنهم يتعرضون باستمرار لأمراض سوء التغذية وإن كان الهدف الأخير من الاقتصاد هو إشباع الحاجات الإنسانية وبحسب ضرورتها وأن الأكل هو أول هذه الحاجات فإن وجود من يعانون من سوء التغذية والجوع بهذا الحجم في هذا العصر يدل على فشل النظم الاقتصادية المعاصرة ومن هنا تظهر أهمية وضرورة أن يتجه المسلمون لدينهم الذي أولى مشكلة الجوع عناية فائقة.

صدقة متميزة

إن التبرع لبنوك الطعام صورة من الصدقات التي حث عليها الإسلام وأمر بها بشكل عام إلا أنه لعظم وأهمية الإطعام جعلها صدقة متميزة عن باقي الصدقات حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم إن أسرع صدقة إلى السماء أن يصنع الرجل طعاماً طيباً ثم يدعو عليه ناسا من إخوانه وخصصها بنصوص عديدة جاءت متنوعة ومتعددة وجعل إطعام الطعام صفة الأخيار فقال عليه الصلاة والسلام خياركم من أطعم الطعام ومن خير أعمال الإسلام حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ما من عمل أفضل من إشباع كبد جائع.

إن الإسلام حذر المسلمين من وجود الجائعين من إخوانهم دون أن يبادروا إلى سد جوعهم وإلا برئ الله منهم فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم أيما أهل عرصة أصبح فيهم جائع فقد برئت منهم ذمة الله وهذه المسؤولية يتحملها كل مسلم قادر عن نفسه ومن يعولهم أولا ويثاب عليها من الله، حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة وما أطعمت زوجتك فهو لك صدقة وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة.. وإذا قصر في ذلك كان آثما كما جاء كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول ثم تمتد مسؤوليته إلى جيرانه وإن لم يؤد واجبه نحوهم وسد جوعتهم فإنه يحرم صفة الإيمان، كما قال الرسول الكريم ليس المؤمن الذي يبيت شبعان وجاره إلى جنبه جائع وهذا ما ذكره القرآن حيث ينبئ رب العزة عن مصير الذين لا يهتمون بمشكلة الجوع خاصة للمساكين وأنهم في الجحيم فيقول رب العزة ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين ويقول سبحانه: خذوه فغلوه. ثم الجحيم صلوه. ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه. إنه كان لا يؤمن بالله العظيم. ولا يحض على طعام المسكين.

مجتمع متكافل

ويقول الدكتور حسين شحاتة أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر إن المجتمع الإسلامي متكافل متضامن متآخ متعاون وأصل ذلك قول الله تبارك وتعالى إنما المؤمنون إخوة (الحجرات: 10).. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

لذلك يجب على جميع أفراد المجتمع التعاون والتكافل لتوفير الطعام والشراب والملبس والمأوى والعلاج والتعليم وكل ضروريات وحاجيات الحياة الكريمة لكل فرد.. فالغاية هي ضمان حفظ الحاجات الأصلية وهي مسؤولية ولي الأمر ثم المجتمع في صورة مؤسسات المجتمع المدني (جمعيات نقابات مؤسسات هيئات) أو أفراد من الموسرين.

وعن المقاصد المشروعة لبنوك الطعام يرى د.شحاتة أن غاية الغايات من بنوك الطعام هي تجميع بنود الطعام وما في حكمها والأموال النقدية لشراء الطعام وتوزيعه على الفقراء والمساكين والمهجرين ومن في حكمهم وهذه الغاية تتفق مع مقاصد الشريعة الإسلامية ومنها حفظ النفس كما تتفق مع أهداف وأغراض الزكاة والصدقات والنذور والوقف الخيري وما في حكم ذلك.

ويجب أن يقوم بهذه المسؤولية الدولة ومؤسسات المجتمع المدني وكذلك الأفراد وفق قوانين ولوائح ونظم وإجراءات معتمدة وموثقة.

بذرة الخير

د. آمنة نصير الأستاذة بجامعة الأزهر تقول: إننا حينما نزرع بذرة الخير فلا بد من أن ننميها ونرعاها ولا ننظر إلى أن الشجرة التي تنبت من هذه البذرة تكفي أهل القرية.. فهذا الأمر لا نقدر عليه إلا بالتضامن بأن نكثر من الزرع والغرس ولتكن بنوك الطعام مقدمه لكثرة هذه الأعمال الخيرية التي تحث على التكافل الاجتماعي بين المسلمين.. فمن المؤكد أن البنوك وحدها لا تحقق هذا الغرض كما ينبغي خاصة أننا نعاني الآن من فقر مدقع وحالة من الغلاء جعلت الفقر يزداد في كل يوم إذن نحن ندعو إلى إكثار وتعدد أمثال هذه البنوك بشكل مستمر عن طريق إقامة مشاريع زراعية وتقوم هذه البنوك بتوزيع الإنتاج على فقراء المسلمين.

وتدعو د. آمنة أصحاب رؤوس الأموال وأهل الاختصاص إلى استثمار بعض أموالهم في أعمال الخير عن طريق إقامة المشاريع الخيرية التي تنهض بفقراء الأمة وتوفر فرص عمل لشبابها فكل مواطن يساهم بما لديه من إمكانات وهذا هو عين التكافل والتواصل لأن كل هذه المشاريع تصب جميعا في أعمال الخير.