على طول خور دبي وامتداداً لشارع الخليج من جهة الشرق، تقع منطقة الشندغة التاريخية النابضة بالبيوت الثقافية والتراثية، وفي القلب منها بيت الهجن، أو ما يمكن تسميته متحف الإبل، الملاصق تماماً لبيت الخيل والمقابل لبيت الشيخ سعيد آل مكتوم .

الزائر إلى بيت الهجن سيلاحظ الدقة العالية في اختيار البيوت التراثية والمعمارية المحلية، وجعلها متاحف لبعض من الحيوانات المهمة في تاريخ العرب، مثل الإبل الذي ترك أثره على حياة الشعوب والقبائل العربية في عهود السلام والحرب .

كان بيت الهجن في أربعينات القرن الماضي يسمى بيت الركاب، القريب والمقابل لبيت المغفور له بإذن الله، الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم، حيث تعود ملكيته وقتها للمغفور له بإذن الله، الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، في وقت بني فيه البيت على مراحل عدة .

وتبلغ مساحة البيت 664 متراً مربعاً، ويتكون من طابق واحد بارتفاع إجمالي يناهز أربعة أمتار ونصف المتر، وفي وسط المبنى فناء أو ما يعرف باسم حوش، ويقع في منتصف الغرف التعريفية بالجمل التي تحوطه بطريقة المستطيل، وللمبنى مدخلان، الأول يقع في الجهة الغربية وأما الثاني فهو في الجهة الشرقية .

غرف البيت تتميز باستطالتها، ففي المرحلة الأولى للمبنى كان يتكون من مخزن بخَّار وإيوان (ليوان) فقط، لكن أضيفت إليه مجموعة من المرافق الخدمية في فترة لاحقة، حيث كان البيت مخصصاً كمربط ومكان لتدريب الجمال والخيول .

في لقائنا مع رشاد بوخش مدير إدارة التراث العمراني في بلدية دبي، في مقر عمله بمنطقة البستكية، أكد أن اختيار البيوت التراثية جاء بهدف الاستفادة منها وتخصيصها كمتاحف ومعارض تمثل كل تراث الإمارات، ويرى أن الهجن مثلها مثل الصقر والخيل العربي، وجميعها مهمة جداً في حياة الإماراتي والعربي بشكل عام، مشيراً إلى أن سبب إقامة بيت للهجن يتصل بأهميته عند أهل الإمارات، ولأنه جزء أصيل من ثقافة وتراث وحضارة هذه المنطقة .

توزيع الغرف

في زيارتنا إلى بيت الهجن، يمكن القول إن مخطط المبنى أخذ بعين الاعتبار الاستفادة من جميع مساحاته، خصوصاً وأنه يُرمم بين وقت وآخر، ولكونه تراثياً لا يتم تحديثه أو بناء غرف إضافية، إنما يجري إعادة ترميمه بالوسائل التقليدية ذاتها والمواد التي بني فيها منذ زمن بعيد .

الداخل إلى المبنى، سيجد أنه يحوي ثماني غرف تخص كل ما يتعلق بالجمل، وهذه الغرف ممتدة وموزعة ومتوافقة مع الطبيعة المستطيلة للمبنى، وفي المنتصف يوجد حوش واسع . بعد الدخول من البوابة الرئيسة وعلى اليمين مباشرةً، تقع الغرفة الأولى المتعلقة بتاريخ الإبل، ومن ثم إلى جانبها غرفة تحوي حقائق عن الإبل، وكل هذه سنأتي عليها بالتفصيل لاحقاً .

وبالانتقال إلى الغرفة الثالثة سنجد أنها مخصصة عن سباقات الهجن، في حين تضم الغرفة الرابعة معلومات عن جسم الجمل، وأما الخامسة فتحوي تشريحاً لجسم الجمل، والغرفة السادسة فوائد الإبل، والسابعة تحاكي سباقاً للهجن، في حين تحوي الغرفة الثامنة معلومات مفيدة عن حياة الجمل .

قبل الميلاد

تزخر الغرفة الخاصة بتاريخ الإبل بجميع المعلومات المتعلقة ببداية ظهور الجمل، ذلك أن الحفريات كشفت في مصر والصحراء الكبرى في شمال إفريقيا، عن وجود الإبل في فترة 8000 سنة قبل الميلاد، وهي الفترة التي هبط فيها آدم عليه السلام إلى الأرض، في حين أظهرت الدراسات أن سكان الجزيرة العربية عرفوا الإبل منذ 3500 سنة قبل الميلاد، وفي منطقة حضرموت كان أول استئناس للجمل منذ 3000 سنة قبل الميلاد .

وتكمن أهمية الإبل عند العرب، في كونها عنوان الرفعة والمنعة والجاه، ومنها كانوا يحصلون على اللحم والحليب والكساء، كما اعتبرت وسيلةً مهمةً للنقل ومهراً للعروس ودية للقتيل، وقدمت هدايا للملوك، كما أنها كانت تدفع جزية للمنتصر وذلك منذ عهد المملكة الآشورية عام 1200 قبل الميلاد .

وفي حين ترك الجمل العربي أثره على التاريخ في عهود الحرب والسلام معاً، فقد كان العرب الأوائل يستخدمونه في حلّهم وترحالهم، ومنذ زمن قريب كان الجمل يستخدم في توصيل البريد وحماية الحدود، وهو ما عرف باسم شرطة الهجّانة .

وفي جزيرة العرب عرفت الإبل منذ ستة ألاف عام، وفي الإمارات العربية المتحدة، عثر في منطقة كلباء بإمارة الشارقة عام ،1993 على آنية فخارية تحمل رسوماً لعدد من صور الإبل تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد .

أيضاً، كشفت الحفريات والتنقيبات الأثرية في واحات العين ومنطقة مليحة في إمارة الشارقة عن وجود نقوش وتماثيل للإبل ترجع إلى نحو 2500 سنة قبل الميلاد، وفي منطقة مليحة بالشارقة اكتشفت في العام 1994 مقبرة ضمت هياكل لخيول وجمال تعود إلى القرن الأول الميلادي، ومنها الجمل ذو السنامين .

وتضم الغرفة الثانية معلومات غنية عن الإبل وأسمائها وتعدادها في العالم، وعلى سبيل المثال تضم اللغة العربية أسماءً كثيرة للإبل من أهمها: الجمل وهو الذكر من الإبل والناقة وهي الأنثى من الإبل، وسليل المولود حديثاً سقيا وحوار وفصيل وقعُود وحِقّ وجَذَع وبازِل، وللإبل أسماء محلية منها: السَّمحَا والحَمْرَا والمَلْحَا والخَوّارة والهِنِيِّة وبنات الهَدْوَة وبنات مصيحان وبنات اللصيفر وضبيان وصُوغَان والوِرِي . . إلخ .

ويقدر عدد الجمال في العالم بنحو 15 مليوناً، منها 12 مليوناً في إفريقيا موزعة كالآتي: الصومال 5 ملايين، السودان 3 ملايين، أثيوبيا مليون، موريتانيا 700 ألف . أما في آسيا فهناك ما يقارب 3 ملايين رأس من الجمال، منها حوالي مليون في الهند، و800 ألف في الباكستان، و600 ألف في المملكة العربية السعودية، وفضلاً 300 ألف رأس في الإمارات .

ومعروف أن الجمل يمتلك طاقة هائلة وكبيرة تساعده على الجري لمسافات تبلغ من 60 إلى 70 كم يومياً، وبسرعة من 12 إلى 16 كلم في الساعة، ويستمر في السير 10 ساعات متواصلة دون انقطاع، وطاقته على حمل الأثقال تصل إلى 300 كغم، كما يشرب نحو 100 لتر من الماء في المرة الواحدة، ويستطيع تحمل العطش لمدة 3 إلى 4 أسابيع .

في الغرفة الثانية نفسها المليئة بمعلومات عن الإبل، يعرض لنا المرشد السياحي يونس عبدالله من بيت الهجن، حقائق عن أمراضها وطرق علاجها، ويبين لنا أن بعض العلاجات تجرى بطريقة الكي، في حين توضع علامات على الإبل توضح مكان العلاج، كأن يتم علاج النشعة وهو التهاب أعصاب الرقبة، عبر وسم مكان التقاء الرقبة والساق الأمامية .

ويتفق كل من رشاد بوخش ويونس عبدالله، على أهمية الوسم أو الوشم عند البدو قديماً، على أساس أنه يتم عبر هذه الطريقة تخصيص الإبل وانتمائها للقبائل والعشائر، من أجل التعرف إليها وسط قطعان إبل الآخرين .

بالصوت والصورة

ولأن سباقات الهجن مهمة جداً في تراث وحضارة الإمارات، فقد خصصت الغرفة الثالثة للشرح بالصوت والصورة عن هذه السباقات التي كانت وما تزال تعتبر من المناسبات المألوفة والمحبوبة في المجتمع العربي وفي الإمارات تحديداً .

أثناء مشاهدتنا مادة وثائقية عن سباقات الهجن، أكد لنا يونس عبدالله من متحف الإبل، أن السباقات تبدأ في الإمارات من منتصف شهر أكتوبر/ تشرين الأول وبداية شهر نوفمبر/ تشرين الثاني وحتى شهر إبريل/ نيسان من كل عام، حيث يتم تجهيز الإبل للسباق، ويشمل ذلك ضرورة أن يكون الجمل معروف النسب، سليماً من الأمراض، في حين لابد من معرفة عمر المطية أو سن التأديب التي تكون في الغالب ثلاث سنوات، وتغطى بلحاف ينشر على ظهرها لمدة أسبوع، حتى تألفه وتتعود عليه ولا يثير لديها أية حساسية عند الجري في بداية السباق .

وعند الممارسين لسباقات الهجن، ما يسمى التضمير وهذه العملية تسبق السباق، وتعني تخليص المطية من الشحم الزائد في جسدها، عن طريق اتباع نظام تغذية معروف لدى أصحاب الإبل، حتى تكون المطية قد قاربت من الناحيتين الجسدية والمعنوية على اعتياد المشاق والتآلف مع الرَّكِّيب والجمهور وميدان السباق .

في سؤالنا لرشاد بوخش عن توثيق جميع سباقات الهجن في الدولة ووضعها في المتحف، أجاب بأن قسم الدراسات في إدارته يتابع تلك السباقات ويحضرها ويوثقها، على أن يتم تضمينها كمراجع توثيقية في المستقبل .

وتلاصق غرفة جسم الجمل تماماً الغرفة التي قبلها والمتعلقة بسباقات الهجن، إضافة إلى الغرفة التي بعدها المتعلقة بتشريح جسم الجمل، وفي هذه الغرفة الرابعة يتموضع نموذج صناعي على هيئة جمل حقيقي، موضح عليه جسمه الداخلي، حيث يتميز الجمل بضخامة جسمه وصغر رأسه، وفي حين معدل وزنه حوالي 665 كلغ، فإن معدل وزن الناقة حوالي 540 كلغ .

أما في وصف الجمل فقد خلق الله سبحانه وتعالى رأسه بهذا الصغر، حتى يصبح قادراً على مقاومة الرياح والأعاصير، والشفة العليا مشقوقة لتساعده في أكل الأشواك ويغطيها شعر كثيف، والشفة السفلى متدلية، حيث يستمر الجمل في تحريك فمه مفرزاً اللعاب ويجتر باستمرار حتى يحافظ على رطوبة فهمه، وبالنسبة إلى جهازه الهضمي، فإن جسم الجمل يتميز بتركيب تشريحي وعضوي يساعده على التأقلم مع العديد من المواد الغذائية الخشنة، حيث يتكون الجهاز الهضمي في الإبل من عدة أجزاء تبدأ بالفم .

فوائد الإبل

وتحوي إحدى الغرف معلومات عن فوائد الإبل في حياة البشر، فهي تستخدم في الحل والترحال، ووسيلة نقل مهمة نظراً لتحملها مشاق الطريق واعتبارها سفينة الصحراء، لأنها تتكيف على العيش في هذه البيئة الجافة .

أيضاً يمثل وبر الإبل مصدراً لصناعة الصوف، حيث يمتاز صوفه بالخفة والمتانة وبقلة توصيله للحرارة وبلونه المرغوب، وهو أمتن من صوف الأغنام، كما يتم الاستفادة من لبن الإبل الذي يبلغ متوسط إنتاج الناقة في اليوم من 5 إلى 10 كلغ .

ويختلف تركيب اللبن في الناقة بحسب السلالة ونوعية الأعلاف والمياه التي تشربها وكمياتها، ووفقاً لفصول السنة، كما ترتفع في لبن الناقة الطازج قيمة الأس الهيدروجيني وهو مقياس الحموضة، وتكمن قيمة لبن الناقة في التركيز العالي للأحماض الطيارة التي تعتبر من أهم عناصر تغذية الإنسان .

وفي غرفة السباق وهي الغرفة ما قبل الأخيرة، تجسيد لجملين واقفين كأنهما حقيقيان تماماً، بينهما منصة متدرجة للوصول إليهما، وفي مقابل الجملين تقبع شاشة عرض كبيرة . الهدف من هذه الغرفة يتصل بوضع الزائر في تفاصيل سباق الهجن، حيث يصعد الأطفال ومرتادي المتحف على الجملين ويمتطيانه، يتخلل ذلك عرض لسباق على الشاشة، وفي الوقت ذاته يبدأ كل من الجملين بالتحرك .

يقول رشاد بوخش إن هذه الغرفة المخصصة لسباق الهجن، تحاكي الواقع وتجعل الزائر كأنه في موقع الحدث، عبر استخدام أكثر من حاسة مثل حاسة السمع، والبصر، واللمس .

الغرفة الأخيرة تحوي معلومات عن حياة الجمل، فهو يعمر حوالي 40 عاماً، لكن المعدل العام لعمره هو 30 عاماً، والناقة أدق وأنحف من البعير وهي أكثر هدوءاً وتحملاً للمشاق قياساً بالذكر . أما مدة حمل الناقة فهي عام كامل، في حين تستغرق مدة إرضاع المولود عاماً آخر، وبعض النوق يلد كل عام، وتعتبر من الأنواع النادرة والجيدة، ويطلق عليها محلياً اسم كسوب، ومعدل ولادات الناقة من 12 إلى 16 مرة في عمرها .

وتتحدد فترة البلوغ لدى ذكور الجمال في سن الرابعة والخامسة، وعند الإناث في سن الثالثة والرابعة، وتعتبر ولادة التوائم حالة نادرة في الجمال، وقد جرت ولادة وحيدة لتوأمين في مدينة العين في فبراير/ شباط عام 1986 .