عندما توفى أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم، نالت قريش من الرسول الكريم من الأذى ما لم تكن قد نالته منه في حياة عمه. وكان أشد سادة قريش عداوة وأذى له، عمه أبو لهب وأبو جهل عمرو بن هشام وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وعدي بن الحمراء وابن الأصداء الهذلي. وتنوعت أساليب أبي جهل في الأذية حتى وصل به الأمر لعنه الله، إلى محاولة إلقاء الحجر عليه وهو يصلي فمنعه الله تعالى. كما طرح عقبة بن أبي معيط رحم شاة على ظهره وهو ساجد، ومرة أخرى حاول خنقه بعد أن وضع ثوبه في عنقه فدفعه أبو بكر رضي الله عنه. وكانت ابنته فاطمة رضي الله عنها تغسل عنه التراب والأوساخ وهي تبكي.
وهنا أدرك النبي صلى الله عليه وسلم أن قريشاً خذلته بعد ما لقيه منها من الأذى والسب والتكذيب. فأخذ يبحث عن المكان الذي يضمن الاستقرار والنجاح للدعوة الإسلامية وللمسلمين. ففكر في الطائف.
الخروج إلى الطائف
خرج النبي صلى الله عليه وسلم وحده إلى الطائف في 27 شوال سنة 619م وقيل كان معه مولاه زيد بن حارثة. واخذ يلتمس من سادة ثقيف وأشرافها أمثال عبد ومسعود وحبيب، المنعة والنصرة على قومه. فأعرضوا عنه، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم وراحوا يسبونه ويصيحون به، ثم رموه بالحجارة.
ولم يستطع صلى الله عليه وسلم أن يستميل إليه أحداً من أهل الطائف فعاد إلى مكة المكرمة فوصلها في 23 ذي القعدة 619 م، وقد أيقن أن القريتين (مكة المكرمة والطائف) لا تصلحان مقراً للدعوة بسبب إعراض قريش وثقيف عنه، فكان التفكير في يثرب لأجل هذه الغاية، وكانت الهجرة إليها.
لم تستجب القبائل العربية للدعوة الإسلامية مثلما استجاب أهل يثرب، من الأوس والخزرج الذين كان يخبرهم يهود يثرب بقرب ظهور نبي. فكانوا بذلك أكثر استماعاً للنبي صلى الله عليه وسلم من غيرهم من العرب. وخاصة بعد أن أنهكتهم الحرب الأهلية التي كانت تستمر دائماً بتحريض من اليهود.
وكان سويد بن الصامت من الأوس، أول من استمع إلى النبي صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة، وبعد عودته إلى يثرب قتله الخزرج. ثم تبعه إياس بن معاذ من الأوس أيضاً فخفق قلبه عند سماعه لآي الذكر الحكيم.
وفي العام 620م التقى النبي صلى الله عليه وسلم عند العقبة بستة رجال من الخزرج المقيمين بيثرب، فأجابوه إلى الدعوة وأسلموا على يديه، منهم أسعد بن زرارة وعوف بن الحارث ورافع بن مالك بن العجلان وقطبة بن عامر. فلما عادوا أخبروا قومهم، وأخذ ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ينتشر بسرعة في جميع أنحاء يثرب.
خطوة نحو الدولة
وقد خطط النبي صلى الله عليه وسلم لاجتماعين مهمين كانا بمثابة الخطوة الأولى للهجرة إلى يثرب من أجل تأسيس دولة المدينة، وهما بيعة العقبة الأولى والثانية، ففي العام 621م قدم إلى موسم الحج في مكة المكرمة اثنا عشر رجلاً من أهل يثرب، عشرة من الخزرج هم أسعد بن زرارة وعوف بن الحارث ومعاذ بن الحارث ورافع بن مالك وذكوان بن عبد القيس وعبادة بن الصامت ويزيد بن ثعلبة والعباس بن عبادة وعقبة بن عامر وقطبة بن عامر، واثنان من الأوس هما عويم بن ساعدة ومالك بن التيهان. والتقى هؤلاء بالنبي صلى الله عليه وسلم عند العقبة حيث بايعوه بيعة العقبة الأولى وعاهدوا على ألا يشرك أحدهم بالله تعالى شيئاً، ولا يسرق ولا يزني.
ثم أرسل النبي صلى الله عليه وسلم معهم مصعب بن عمير فأخذ يقرئهم القرآن الكريم ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين، مما ساعد في انتشار الإسلام بيثرب، وكثرة عدد الأنصار فيها، فقدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم في العام التالي 622م حوالي ثلاثمائة من أهل يثرب في موسم الحج، وكان من بينهم خمسة وسبعون مسلماً منهم امرأتان، وقيل سبعون رجلاً وامرأة واحدة، وبينهم أحد عشر رجلاً من الأوس منهم: أسد بن حضير، أبو الهيثم بن التيهان، ومن الخزرج اثنان وستون رجلاً منهم: خالد بن زيد، معاذ بن الحارث وأخواه عوف ومعوذ، عمارة بن حزم، أسعد بن زرارة، سهل بن عتيك، وأما المرأتان فهما أم عمارة نسيبة بنت كعب بن عمرو، وأم منيع أسماء بنت عمرو بن عدي.
وهكذا فكر النبي صلى الله عليه وسلم في بيعة ثانية لا تقف عند الدعوة إلى الإسلام فقط بل تكون بمثابة حلف يدفع به هؤلاء المسلمون عن أنفسهم الأذى بالأذى والعدوان بالعدوان. فاتفق معهم على اللقاء عند أسفل العقبة، في أوسط أيام التشريق، بعد الفراغ من الحج. وبعد أن مضى ثلث الليل، خرجوا من رحالهم لميعاد النبي صلى الله عليه وسلم، يتسللون تسلل القطا، مستخفين حتى اجتمعوا في الشعب عند العقبة.
وقد اعتبرت بيعة العقبة الثانية النبي صلى الله عليه وسلم واحداً من أهل يثرب، دمه كدمهم وحكمه كحكمهم. وهذه الحماية التي تعهد بها الأوس والخزرج لا تبدأ إلا بعد وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى يثرب. لذلك حرص المسلمون على إخفاء أمر هذه البيعة حتى لا تعلم بها قريش، وحتى يأذن الله تعالى بالهجرة إلى يثرب.