سألني أحدهم عن بيع الأصنام، وهو يقصد هذه التماثيل والمجسمات الكبيرة التي تعرض في الأسواق اليوم للبيع، سواء كانت تماثيل للآدميين أم للحيوانات أم لغيرها من ذوي الروح.

- هذه الأصنام بالطبع لا تعرض اليوم لغرض عبادتها، وإنما هي سلعة من السلع تعرض كسائر الأشياء المعروضة، وإذا أردنا أن نوجد لها مخرجاً فقهياً، فلابد أن نرجع إلى ما حرره علماؤنا الأجلاء في باب البيوع، فالفقهاء عندما يتحدثون عن البيع يقولون إن للبيع أركاناً أربعة: البائع والمشتري والصيغة والمعقود عليه.

- ثم يشترطون في المعقود عليه شروطاً أربعة أيضاً هي: أن يكون المبيع موجوداً وقت العقد، وأن يكون مالا متقوما، وأن يكون مملوكاً في نفسه، وأن يكون مقدور التسليم عند العقد.

- فقولهم مالا متقوما يخرج ما ليس بمال كالميتة مثلا وقد قال الله تعالى: حرمت عليكم الميتة والدم، (الآية 3 من سورة المائدة).

إلا أن ميتة السمك والجراد استثنيتا من هذا القيد للحديث الواردأحلت لنا ميتتان ودمان: فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال. (رواه ابن ماجة).

- والمال عرفه الفقهاء بأنه ما يمكن أن الانسان وينتفع به على وجه معتاد، كما أن المتقوم عند الجمهور هو ما يمكن ادخاره مع إباحته شرعاً، هكذا عرفه الدكتور وهبة الزحيلي في موسوعته نقل عن ابن عابدين في حاشيته، وقال بأن الميتة والدم والإنسان الحر لا ينعقد بها بيع لأنها ليست بمتقومة اختياراً.

- ويلاحظ أن الحنفية يقسمون المتقوم إلى عرفي يكون بالإحراز أي يملكه ملكا خالصاً، وإلى شرعي يباح الانتفاع به.

- أما لا يباح الانتفاع به كالخمر والخنزير وآلات الملاهي، فإن الحنفية يرون أنها ليست بمال في حق المسلمين، وأما أهل الذمة فلا يمنعون من تبايعها فيما بينهم، بدليل أن عمر رضي الله عنه كتب إلى عشاره بالشام أن ولوهم بيعها، وخذوا العشر من أثمانها.

- يقول الكاساني في بدائع الصنائع: لو لم يجز بيع الخمر منهم لما أمرهم بتوليتهم البيع، ويعلق ابن عابدين على عبارة الكاساني بقوله: وظاهره الحكم بصحتها فينا بينهم ولو بيعت بالثمن.

- إذن فإن الأصنام حكم بيعها حكم بيع ما ذكرناه، وقد اختلف فيه الجمهور وأبو حنيفة حول العلة، إذ أن بعض الفقهاء في مثل هذه المسألة بنى حكم المالية والتقوم، على أن يكون الانتفاع به مباحاً، ومنهم من اعتبر المالية والتقوم بشرط الطهارة والنفع، ومنهم من اعتبر التقوم فقط.

- فما لم يكن مالا يبطل بيعه، وما لم يكن متقوماً كالخمر يفسد بيعه عند الجمهور، ودليلهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم (إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام)، رواه البخاري.

- أما أبو حنيفة وبعض الشافعية فقالوا بأن الأصنام لا ينتفع بها شرعاً لو بقيت على حالها وكذلك آلات اللهو، لكن يمكن الانتفاع بها بعد كسرها وعندئذ تتوافر المالية والتقوم ويجوز البيع.

- أقول: إن يبوع اليوم لا يمكن أن تقاس على بيوع الأمس، إذ لو وجب القياس وجب علينا أن نغلق سورق البورصة أيضاً، لأنها تشتمل على بيوع الآجال، وبيع الشيء قبل قبضه، وقرض جر نفعا، وبيع ما ليس عندك.

- لكن لاحظنا أن العلماء المعاصرين أجازوها من باب التيسير على الناس، وما قيل في ذلك يمكن أن يقال في هذه المسألة، إذ أن الصنمية والتجسيم واردة حتى على العملات وغيرها، فيكفي ألا يكون التعظيم من دون الله مقصوداً، ولا يكون مما يحرم الانتفاع به أصلا.