شريعة الإسلام شريعة اجتماعية بناءة، تعمل لمصلحة الفرد ولمصلحة الجماعة وفقه المعاملات من أهم أبواب الفقه، لأنه يتعلق بعلاقة الإنسان مع أخيه الإنسان وعلاقة الإنسان بربه، ويترتب عليه أن يكون التعامل حلالاً أو حراماً . والمؤمن بربه يسعى إلى معرفة الحلال ليلتزم به ويتمسك بالعمل بمقتضاه وإلى معرفة الحرام ليتجنبه .

وفقهاؤنا الأجلاء لم يتركوا صغيرة ولا كبيرة تتعلق بعلاقة الإنسان مع أخيه الإنسان أو بعلاقة الإنسان بخالقه إلا وتناولوها .

مشروعية المضاربة

ومن بين ما تعرض له فقهاؤنا الأجلاء بالبحث والتعليل ما يتعلق بشرط الربح للعامل عندما يتم الاتفاق على عقد المضاربة . فالإنسان قد يملك المال ولكنه لا يملك الخبرة في عمل من الأعمال، والآخر قد يملك الخبرة ولكنه لا يملك المال، فيتم الاتفاق بين من يملك المال وبين من يملك الخبرة فيتعاونان معاً على مشروع استثماري على أن يكون المال من أحدهما والعمل من الآخر الذي يملك الخبرة، ولهذا فإن الفقهاء عرفوا المضاربة فقالوا: المضاربة أن تعطي إنساناً من مالك ما يتجر فيه على أن يكون الربح بينكما أو يكون له سهم معلوم من الربح . وتسمية المضاربة بهذا الاسم في لغة أهل العراق، أما أهل الحجاز فيسمون عقد المضاربة قراضاً أو مقارضة . وفقهاء الحنفية والحنابلة يطلقون عليها المضاربة، أما المالكية والشافعية فإنهم يعبرون عنها بالقراض .

ولا خلاف بين الفقهاء في مشروعيتها، واستدلوا على ذلك بما جاء في قوله تعالى: وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله .

كما ثبت أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ضارب للسيدة خديجة في مالها على نسبة معلومة من الربح، وكان الصحابة الكرام يتعاملون بالمضاربة في ما بينهم من غير إنكار من أحد منهم، لأنهم اطمأنوا لمشروعية المضاربة بعد تعامل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع السيدة خديجة في مالها على نسبة معلومة من الربح بينهما .

اشتراط الربح كله للعامل

إن العمل في المضاربة قائم أساساً على منفعة العامل ومنفعة صاحب المال، واختلف الفقهاء في حكم اشتراط الربح كله للعامل على قولين:

القول الأول: ذهب إليه فقهاء المالكية وهو جواز كون جميع الربح للعامل في القراض، وهؤلاء استدلوا على جواز كون الربح للعامل بقولهم: إن تقدير الربح موكول إلى تراضيهما فجائز لأحدهما تركه للآخر، ومعلوم أن كل عمل بين طرفين يتم بالتراضي بينهما وبرضا وطيب خاطر من الجميع، فليس من حق أحد أن يعترض على مثل هذا التصرف لأن الاتفاق قد تم بينهما عن تراضٍ وصاحب المال ربما اتفق مع العامل للتيسير عليه أو للتوسعة على أولاده، ولا يقصد الإضرار به وإنما يقصد منفعته، فهل يستطيع إنسان أن يمنعه من هذا التصرف؟

فحين يكون صاحب المال بالغاً عاقلاً مختاراً فله أن يتصرف في ماله كيفما شاء، ما دام تصرفه تم من غير إجبار ولا إكراه وإنما برضا وطيب خاطر وتنازل صاحب المال عن نصيبه في الربح للعامل من باب الرفق به والمواساة، وهذا أمر لا خلاف فيه . جاء في المدونة: أرأيت إن أعطيته مالاً قراضاً على أن الربح للعامل كله؟ قال: سألت مالكاً عن الرجل يعطي الرجل المال يعمل به على أن الربح للعامل ولا ضمان على العامل؟ قال: قال مالك: قد أحسن ولا بأس به .

هذا ما قاله صاحب الرأي الأول، وهم المالكية الذين أجازوا اشتراط الربح كله للعامل ولا شيء لصاحب المال، وعللوا ذلك بأن صاحب الحق تنازل عن حقه برضا منه وطيب خاطر وهذا يؤدي إلى مشروعية التعاقد الذي تم بين صاحب المال وبين العامل .

القول الثاني: ذهب إليه الإمامان الشافعي وأحمد - رحمهما الله تعالى - ومؤداه أنه عقد فاسد، قال ابن قدامة: وإن قال: خذ المال مضاربة والربح كله لك أو كله لي فهو عقد فاسد . وقال الإمام مالك - رحمه الله تعالى - مثل هذا العقد يكون مضاربة صحيحة في الصورتين، يقصد بذلك الصورة الأولى، وهي: قول صاحب المال للعامل: الربح كله لك، أما الصورة الثانية فهي قول صاحب المال للعامل: الربح كله لي وقبول العامل بذلك .

فرق شاسع

ولكننا نرى أن المخالفين لقول الإمام مالك - رحمه الله تعالى - ظنوا أن تنازل صاحب المال عن نصيبه في الربح يجعل العقد بهذه الصفة قرضاً ولا يكون قراضاً أو مضاربة، والمتفق عليه شرعاً أن القرض إذا جر نفعاً فهو ربا، وهذه مسألة لا خلاف فيها بين الفقهاء، ومعلوم أن الفرق شاسع بين القرض والقراض الذي هو المضاربة، فالقرض هو إعطاء المال على سبيل السلف على أن يسدده صاحبه في وقت معين يتم الاتفاق عليه بين المقرض والمقترض، وصاحب المال ينتظر أجره من الله عز وجل، لأن الله سبحانه قال في القرآن الكريم: من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له، ويقول في آية أخرى: وأقرضوا الله قرضاً حسناً . لكن المضاربة تختلف تماماً لأن صاحب المال يعطي ماله أو يعطي جزءاً من ماله على سبيل التجارة والربح بينهما، أو قد يتم الاتفاق بين العامل وصاحب المال على نسبة معلومة من الربح كالثلث أو الربع أو النصف أو أكثر أو أقل وحين يحصل الربح من العمل يأخذ كل منهما حقه الذي تم الاتفاق عليه، أما إذا لم يكن هناك ربح فإن العامل لن يأخذ شيئاً لأنه لا يضمن إلا بالتعدي أو التقصير، فإن ثبت أن العامل أهمل في عمله أو قصر في أداء واجبه فإنه يكون ضامناً بسبب إهماله وتقصيره .

أما إذا لم يكن العامل مقصراً في القيام بالعمل فلا ضمان عليه، ويكون صاحب المال مستحقاً لماله فقط، وفي مثل هذه الحالة سنجد أن العامل قد خسر أيضاً لأنه لن يأخذ شيئاً من الربح ما دام لم يحقق ربحاً، والذي تم الاتفاق عليه أن يأخذ ما يأخذ من الربح الحاصل من العمل .

القولان جائزان

وقد رأينا الفقهاء الأجلاء - رحمهم الله - قد اختلفوا في هذه المسألة، فالمالكية يرون أنه يجوز لصاحب المال أن يتنازل عن نصيبه في الربح للعامل، ويجوز أيضاً للعامل أن يتنازل عن نصيبه في الربح لصاحب المال، ما دام ذلك قد تم برضا وطيب خاطر من كل منهما .

أما غير المالكية فاعتبروا العقد فاسداً، لأنهم يشترطون في المضاربة أن يتم الاتفاق بين صاحب المال والعامل على نسبة من الربح يستحقها كل منهما، وما دام هذا العقد لم يتحقق فإن عقد المضاربة ينقلب قرضاً لا قراضاً .

وفي النهاية نقول: للإنسان أن يستفتي قلبه في هذه المسألة، فأي القولين أخذ به فلا إثم عليه لأن من أجاز هم المالكية، ومعلوم من هو الإمام مالك الملقب بإمام دار الهجرة والمخالف هم الشافعية والحنابلة، وكلاهما له منزلته الفقهية وله ثقله في ميزان الفقهاء الأجلاء .

أستاذ الفقه المقارن في جامعة الأزهر