حين أهداني الصديق جمال سلسع مجموعته الشعرية الجديدة ما تزال يدي تدق أبوابك الصادرة في منتصف هذا العام عن دار الأندلس في مدريد، لم يكتف بكلمة الإهداء الطيبة على رأس صفحتها الأولى، ولكنه حرص على أن يحدثني عن المجموعة كلها بشغف شديد، على غير عادته في أي إهداء سابق. قال لي إنها ناتجة عن تجربة خاصة به وحده، تجربة غير عادية على الإطلاق، تتجاوز كل التجارب الإنسانية التي مرت به على مدار العمر، ومدار كل مجموعاته الشعرية السابقة. كيف؟ سألته، فلمحت على الفور فيضا من الدمع في عينيه. لماذا؟ لم أجرؤ على تكرار السؤال هذه المرة. تركت له فرصة الحديث بالرد أو من دونه على سجيته المطمئنة.
كان لقائي معه في مدينته العريقة بيت لحم الأحبّ إلى قلبه، وإلى قلوبنا جميعا، ضمن أجواء المشاركة بالمؤتمر العام السادس لفتح فيها. وكنت أحسب أن المجموعة الجديدة ستكون مثل سابقاتها، متدفقة بالشعر الإنشادي الجميل عن فلسطين، بكل ما يحمله هذا الوطن الغالي من أوجاع وتحديات في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، ورغم أنني لم أبادر إلى الكشف عن هذا الحسبان الذي يقترب من حد البداهة في الشعر الفلسطيني كله بشكل عام، فإن صديقي جمال الشاعر والناقد والطبيب المتخصص بالأمراض الجدلية في آن، والمسيحي الذي يرى في مسيحيته الفلسطينية على وجه التحديد، إشراقاً روحياً وإنسانياً للقضية الفلسطينية بجميع أبعادها، كان كمن أحس بما يجول في خاطري، فقال إن المجموعة عن تجربته المضنية بين جدران الشك وأبواب اليقين، عند قرار ابنه علاء الدخول في سلك الرهبنة، ثم خروجه منه بعد ثلاث سنوات، ليتابع دراسة الطب في القاهرة، تحت ثقل العدوان الإسرائيلي المدمر على الضفة الغربية وحصار كنيسة المهد في العام 2002.
عدت إلى رام الله بعد انتهاء أعمال المؤتمر، أحمل رزمة من الكتيبات والنشرات الإعلامية معي، وهذه المجموعة على وجه الخصوص، لأقرأها بعيدا عن صخب السياسة، وبقي صديقي في مدينته الجميلة بيت لحم، وفي عيادته، بين الكثير من أصدقائه ومرضاه وقصائده.
على امتداد مائتي صفحة من القطع المتوسط، تتدفق المجموعة في سياق قصيدة مطولة واحدة تحمل العنوان ذاته ما تزال يدي تدق أبوابك، ومع أن الشاعر اختار الصفحات الثلاث الأولى كمفتتح نثري لمطولته بما أسماه المقدمة، والصفحتين الأخيرتين كخاتمة نثرية أيضا، تحت مسمى جمرة عتاب، إلا أن الصفحات كلها من مفتتحها إلى خاتمتها، لا ينفصل بيت أو شطر فيها عن الآخر، في الخضم الملحمي لهذه التجربة الشعرية الصوفية الفريدة.
مع السطر الأول من المقدمة، نعبر إلى عذاب التجربة:
كيف تغتسل الروح بفرح السماء، إذا الشك أمسى يغذيها،
واليقين يعذبها؟
كيف لا أفرح عندما تدق قلبي دعوة ولدي إلى رحاب التقوى؟
لماذا يسكنني الذهول ما بين جدران الشك وأبواب اليقين
هي تجربتي الأولى أمامك خالقي
يا رب.. هو ولدي علاء، أقدمه بين يديك..
ولكن، ليس من الهيّن أبداً، على الشاعر/الوالد المعذب، أن يخطو تلقائياً في مسار هذه التجربة، هو الخائف بمقدار أبوّته الجياشة، ومقدار إيمانه العميق، وثمة بالخوف الإنساني المزلزل، ندخل معه إلى الملحمة:
خوف على خطوات قلبي
واقف كالظل يهمي في مساحات الحياة،
ويمتطي وجعي
....
ما بين خوف لا يضيء
ولهفة أطفأت أنوارها
كيف المسير
....
أدمع القلب قنديل؟
في المسافة التي يسيطر عليها هذا الخوف ما بين لسعة الشك وندى اليقين، يستحضر الشاعر/الوالد، النص المقدس في تقدمة سيدنا إبراهيم ابنه ذبيحة للرب:
ويطل إبراهيم في هذي المسافة
دعوة..
أين ذبيحتي؟
كما تدهمه بالمقابل سالومي البغي التي تحاصر ذاكرته ورؤياه بالموت والخراب:
كل الهزائم قبّلت في وجنتي
قبلا لسالومي
وسالومي على دربي خراب
غير أن الخوف ما يزال مسيطرا في معناه الإنساني، فكيف لهذا الوالد الحائر أن يحمل فلذة كبده ذبيحة، بيده المرتعشة، هو البشري العادي بين الناس، وما من جواب له بعد، عن سؤال الروح سوى المزيد من الخوف؟
رعشة شدّت خطاي إلى الوراء
وما يزال هديل روحي بين أنات الضلوع
يتوه ما بين السؤال
وآهة فيها الجواب
وحين يوغل الخوف في خلايا الجسد وتكوين الروح، حتى كأن هذه الخلايا مهددة بالفراغ، وهذا التكوين معرض للتلاشي، يصرخ جمال سلسع الطبيب المتمرس بأسرار الجسد الفاني، والشاعر الموله بخلود الصوفية النورانية:
يا إلهي، كيف تنهشني مخالب حيرتي؟
كيف تبعدني المسافة عن رحاب مسافتي
والخوف علقني على وجع المتاهة؟
كيف أمسك نجمتي
والشك يركض في دمي
ودمي يعذبه اليقين؟
وللولد أن تدوي الصرخة ذاتها في ضميره وقد عبر باب النور:
ولدي علاء
من دلّ في عينيك دلوا
يستفيق على حضورك راهبا؟
أهي المسافة بين بيتي والسماء
أهو المكان ينام في حقل الرعاة كنجمة؟
..فدخلتَ هذا الباب يغسلك الوفاء
وأنا خرجتُ يجرني شك الشقاء
وللوالد أن يبقى في الخوف وفي الصلاة:
عين على ولدي
وأخرى لا تكفّ عن الصلاة
أما الخاتمة في جمرة عتاب، فإن الشاعر ينقلنا فيها من شقاء تجربته الفردية إلى تجربة شعبنا الفلسطيني بأكمله، وهو يواجه في هذه الأيام العصيبة، مأساة الانقسام التي تصل إلى حد الخطيئة:
عندما أحمل خطيئتي على كفي، وألقي بها في وجه الوطن،
فأي عذر سيمحو الخطيئة؟ وهي التي تشقّ الوطن، وتغير الراية، وتشوه
الحلم، وتفتح الأبواب لليل، فتدخل سالومي، وتضع كل حلم وشهيد
على طبق من ذهب، وترقص فيه رقصة الموت.