بعد تمصير البلدان والاستقرار في المدن عمد العرب إلى إنشاء بعض المعسكرات كالبصرة والكوفة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكانت البيوت فيها بسيطة التخطيط مبنية بالقش أو القصب لأنها كانت منازل مؤقتة لإقامة الجند وعوائلهم، يقول البلاذري: كانوا إذا غزوا نزعوا ذلك القصب وحزموه ووضعوه حتى يرجعوا من الغزو فإذا رجعوا أعادوا بناءه... وكانت بيوت الكوفة عند إنشائها تتألف من حجرة واحدة أو حجرتين أو ثلاث، فقد فرض الخليفة عمر رضي الله عنه بأن تكون البيوت بسيطة ومن طابق واحد ولا ترتفع في البناء.

الحفاظ على الحرمات

يبدو أن تحديد عدد الحجر قد شمل أيضا دور الفسطاط بمصر، حيث تألفت دورها في عصر التأسيس من طابق واحد على غرار ما بنيت في البصرة والكوفة، والظاهر أنه بعد مضي فترة قصيرة وفي خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بدأ الميل إلى تعدد الطوابق وفي بعض الغرف كوى أو نوافذ وكانت للمغيرة بن شعبة دار في البصرة تقابلها دار أخرى لأحد المسلمين، ولهما مشربيتان متقابلتان في كل واحدة منهما كوة مقابلة للأخرى وحين تهب الريح تفتح باب الكوة، وكان خارجة بن حذافة فهو أول من أقام فوق الطابق الأرضي غرفة في الفسطاط فشكا جيرانه إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكتب إلى عمرو بن العاص: أدخل غرفة خارجة وانصب فيها سريراً وأقم عليه رجلاً ليس بالطويل ولا بالقصير فإن أطلع من كواها فاهدمها ففعل ذلك عمرو فلم يبلغ الكوى فأقرها، ويؤيد الدكتور فريد شافعي وجود الكوى أو النوافذ الصغيرة في الدور الإسلامية المبكرة فيقول: المسلمون منذ أوائل العصر الإسلامي كانوا حريصين غاية الحرص على المحافظة على حرمات الناس، داخل بيوتهم وأن المنازل لم تكن لها منذ العصور المبكرة نوافذ أو شبابيك كبيرة تطل على الطريق أو الشوارع وكانت، والحالة هذه، تستمد الضوء وتتلقى الهواء بصفة رئيسية من خلال أفنية تتوسط الوحدات السكنية المختلفة التي تتكون منها الدار، غير أن النوافذ في الطابق العلوي كانت صغيرة وجلساتها أي حافاتها السفلى مرتفعة عن أرضية الطابق أكثر من مترين حتى لا يمكن لشخص متوسط الطول أن يطل منها على الجيران حتى لو وقف فوق كرسي، مما سبق نلاحظ أن بناء العمائر والبيوت كان يخضع لتقاليد الإسلام في عصره المبكر.

تخطيط البيوت

وكان تخطيط هذه البيوت يتألف من فناء أو ساحة تطل عليها الحُجر كما بينا، وكانت تتكون من طابق واحد وفي بعضها كوى أو نوافذ إلا أن البساطة التي كانت متبعة في التصميم والبناء بعد الفتح لم تستمر بعد أن استقر المسلمون في البصرة والكوفة. حيث أخذت مظاهر الترف تدخل إلى حياة الجند.غير أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حال دون الإفراط في هذا الترف. وتحول طابع المدينتين العسكري إلى الطابع المدني، أما مواد البناء المستخدمة فإنها كانت القش والقصب في أولى مراحل البناء، وعندما حدثت حرائق استبدلا بمادة اللبن أو الطين والحجارة ثم الآجر والجص فيما بعد، وقال لهم الخليفة عمر رضي الله عنه: إذا فعلتم فعرضوا الحيطان وأطيلوا السمك وقاربوا بين الخشب.

أول دار أقيمت في البصرة هي دار الإمارة، ثم أنشئت بالقرب منها بيوت السكن للصحابة، فدار نافع بن الحرث أو الحارث بن كلدة الثقفي. ثم دار معقل بن يسار المزني، ودار أبي نافع ونسبت إلى نافع مولى عبد الرحمن بن أبي بكرة وكانت تقع شمالي المسجد، وحينما أراد عبيد الله بن زياد أن يوسع المسجد الجامع ضم جزءا منها إلى المسجد، وأما دور عبيد الله بن أبي بكرة، وربيعة بن كلدة الثقفي، وعمر بن وهب وأم جميل الهلالية، ونافع بن الحرث بن كلده فقد اشتراها المهدي وضمت جميعها إلى المسجد في زمنه توسيعا له ومن الدور الأخرى دار المغيرة بن شعبة التي كانت بالقرب من دار أبي يعقوب الخطابي، ثم صارت لسحامة بن عبد الرحمن بن الأصم الغنوي، وكذلك دار طارق بن أبي بكرة ودار زياد بن عثمان التي اشتراها عبيد الله بن زياد لابن أخيه زياد بن عثمان، ودار بابه بنت أبي العاص ودار سليمان بن علي كانت لسلم بن زياد فغلب عليها بلال بن أبي بردة عند ولايته البصرة لخلد بن عبد الله ثم جاء سليمان بن علي فنزلها وكل هذه الدور كانت لبني ثقيف.

ومن الدور التي يتردد ذكرها في البصرة دور في سكة المربد وكانت هذه الدور أو البيوت للشخصيات الكبيرة، وفي سكة الدباغين كان يقع قصر زربي مولى عبد الله بن عامر، ثم صار بعد ذلك لمسلم بن عمرو بن الحصين بن أبي قتيبة. وأما بيت أنس بن مالك الأنصاري خادم الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه كان يقع شمالي البصرة، وقصر عبيد الله بن زياد الأبيض مجصص ومزخرف بأنواع من النقوش والزخارف واعتبر من أروع ما بني في البصرة، ويقول الثعالبي: إن زياد ابن أبيه هو أول من بنى بالجص والآجر بالبصرة.

وفي عهد الإمام علي رضي الله عنه ظهرت لنا نماذج من الدور المزخرفة التي استخدمت فيها الرواشن والأجنحة والميازيب.