يطل على القاهرة من قلعة صلاح الدين، ويتردد عليه السياح والزوار بالآلاف والملايين، ويحظي باهتمام كبير من المعماريين والآثاريين . امتدت شهرته في الآفاق، وملأت صوره المكتبات والأسواق، وأشرف على بنائه أحد المهندسين الأتراك .
أعلى مساجد العاصمة المصرية، وتم تشييده طبقاً لمدرسة العمارة العثمانية، وجمع بين أركانه سائر فنون العمارة الإسلامية .
كلف محمد علي باشا المهندس التركي يوسف بوشناق بتصميم المسجد والإشراف على تشييده، وقد تأثر في بنائه بعمارة مسجد السلطان أحمد بالعاصمة العثمانية إسطنبول، وهو من أعظم وأجمل مساجدها، ويقع في مواجهة آياصوفيا فخر العمارة البيزنطية .
ساهم في بناء المسجد مهندسون وفنانون وصناع مهرة من مصر وإسطنبول وبعض الدول الأوروبية .
وقد بدأ العمل في المسجد سنة 1830 واستمر حتى ،1849 وهي السنة التي توفي فيها محمد علي ودفن بالمقبرة التي أعدت له بالمسجد .
واستكمله ابنه وخليفته عباس الأول 1848م 1854 الذي أتم بعض الأعمال الرخامية والتشطيبات النهائية والنقش والزخرفة والتذهيب، وتم عمل هيكل رخامي للمقبرة وأحيطت بسور نحاسي، كما وضعت شمعدانات فضية في أركان المقصورة ومجموعة من المصاحف الفاخرة والمذهبة، وتم تعيين قراء للمسجد ورصد أوقاف للإنفاق عليه .
وكانت تقام خمسة احتفالات سنوية بمسجد محمد علي، الأول في ذكرى الإسراء والمعراج، والثاني في ليلة النصف من شعبان، والثالث ليلة 13 رمضان (ذكرى وفاة محمد علي)، والرابع ليلة 14 رمضان (ذكرى دفنه)، والخامس ليلة 27 رمضان (ليلة القدر) . يأخذ الجامع شكل المستطيل، وينقسم إلى مربعين متساويين . . ويبلغ طول ضلع المربع من الداخل 41 متراً .
الحرم والأروقة
يشغل حرم المسجد المربع الغربي، وهو فناء مكشوف تحيط به أربعة أروقة، وتتوسط الصحن نافورة الوضوء، وهي ثمانية الشكل، فوقها مظلة تقوم على ثمانية أعمدة رخامية، وفوق المظلة قبة خشبية مغطاة بالرصاص، أعلاها هلال باللون الذهبي .
تحتوي نافورة الوضوء على 16 صنبوراً، بواقع صنبورين في كل ضلع .
تتخذ الأروقة شكلاً مربعاً وتتكون كل بائكة من 12 عموداً رخامياً، ترتكز عليها عقود نصف دائرية، وكل رواق مقسم إلى 12 مربعاً، تعلوها قباب مغطاة بالرصاص من الخارج، فوقها أهلة باللون الذهبي، وجميع القباب مزينة من الداخل بأشكال الزخرفة الإسلامية .
ولصحن المسجد 3 مداخل، الأول في الطرف الشمالي الشرقي للضلع الشمالي، والثاني يقابله في الطرف الجنوبي الشرقي للضلع الجنوبي، والثالث في منتصف الضلع الذي يصل الحرم بساحة الصلاة .
وفي منتصف الرواق الغربي يقع برج ثماني الشكل، يحمل الساعة التي أهداها لويس فيليب ملك فرنسا لمحمد على سنة 1845م .
في عهد سعيد باشا 1854 - 1863م تم طلاء المقصورة النحاسية، وإضافة مجموعة من اللوحات الخطية والآيات القرآنية في أركان المسجد .
وفي عهد الخديو إسماعيل 1863 - 1879م تم تركيب أبواب جديدة ذات سماعات نحاسية، وإضافة مقصورة جديدة مجاورة للمنبر ليصلي فيها السلطان عبد العزيز العثماني خلال زيارته لمصر، وهي الزيارة التي منح فيها السلطان للخديو إسماعيل فرمان وراثة الحكم لأبنائه من بعده . كما أنشئت دورة مياه جديدة بالمسجد وأحيط بسور كبير .
وفي عهد الملك فؤاد 1868 - 1936م تم استبدال القبة الكبيرة والقباب الصغيرة المحيطة بها بقباب جديدة، وبلغت تكاليف أعمال التجديد في عهده 60 ألف جنيه، وتكاليف الزخرفة والتذهيب 40 ألفاً .
تتكون ساحة الصلاة من مربع يحيط به من الجانبين الشمالي والجنوبي رواقان، يحتوي كل منهما على 11 عموداً رخامياً، تحمل 11 عقداً على شكل نصف دائرة والرواق مقسم إلى 10 مربعات، يغطي كل منها قبة تقوم على مثلثات وهي مطلية بالرصاص، ويعلو كلاً منها هلال باللون الذهبي ويتوسط هذين الرواقين مدخل يؤدي إلى ساحة الصلاة .
وجدران المسجد مغطاة بألواح من المرمر بارتفاع 5 .11 متر عليها نقوش وزخارف هندسية ونباتية، وللمسجد مئذنتان رشيقتان يبلغ طول الواحدة 82 متراً وتنتهي كل منهما بشكل مخروطي عليه هلال .
وتقع دكة المبلغ في الجهة الغربية لساحة الصلاة، وتقوم على أعمدة وعقود من المرمر، ويحيط بها سياج من البرونز ويقع قبر محمد على في الناحية الغربية .
وفي وسط ساحة الصلاة قبة كبيرة قطرها 21 متراً، وارتفاعها 52 متراً، محمولة على أربعة عقود كبيرة ترتكز على أربعة أكتاف، من حولها أربع قباب نصف كروية، وعلى أركان المسجد أربع قباب صغيرة وقبة خامسة فوق بروز المحراب .
وللمسجد منبران، الأول خشبي على يمين القبلة، والآخر من المرمر أقامه الملك فاروق الأول 1936 - 1952م في سنة 1939م .
وتضيء مسجد محمد على مجموعة من الثريات والمشكاوات في شكل دائري بديع، يضفي على صحن المسجد إشراقاً وجمالاً .
ويلقى المسجد اهتماماً كبيراً من المجلس الأعلى للآثار التابع لوزارة الثقافة المصرية، والذي يقوم بعمل صيانة دورية للمسجد الشهير، وهو أحد المعالم المهمة بالقاهرة التي يحرص المواطنون والسياح على زيارتها .
ومحمد علي باشا 1769 - 1849م حكم مصر من 1805 إلى 1848م وتعاقب أفراد أسرته عليها من بعده على امتداد 148 سنة، من خلال 11 حاكماً حملوا ألقاب الوالي والخديو والسلطان وملك مصر والسودان .
قضى محمد علي في الحكم 43 عاماً وتوفي في الإسكندرية في 2 - 8 - 1849 الموافق 13 رمضان 1265ه .
لما فرغ من تنظيم أحوال البلاد، وإنشاء الدواوين، وتقسيم مصر إلي مديريات، وإرسال البعثات إلى الخارج، وإصدار أول صحيفة مصرية، وإصلاح وترميم قلعة صلاح الدين، رأى أن يشيد مسجداً تقام فيه الصلوات، ويدفن فيه بعد وفاته .