كان المسجد النبوي في قلب المدينة المنورة بمثابة المركز الديني والثقافي والاجتماعي والاقتصادي والعسكري، فيه يقيم المسلمون الصلاة، وفيه يتشاور النبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابة ويوقع المعاهدات والكتب، ويستقبل وفود العرب، ويعقد ألوية الجهاد غزوات وسرايا، وفيه يتم تعليم القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، مما يعني أن الإسلام دين ودولة. وكانت بيوت النبي صلى الله عليه وسلم تحيط بالمسجد، وكانت هذه البيوت وعددها تسعة وجميعها مبنية باللبن منخفضة السقوف، ولم تكن جزءاً من المسجد ولكن أبوابها تفتح عليه. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل المسجد بإزاء الباب المخصص لزوجته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها.
أهل الصفة
كانت منازل المهاجرين من أهل مكة المكرمة، يحيط بعضها بالمسجد النبوي من جميع الجهات ويتوزع معظمها في أحياء الأنصار. وكان لأبي بكر الصديق رضي الله عنه بيت قريب من المسجد وآخر في محلة السنح شرق البقيع يقيم فيه مع زوجه الأنصارية. وبنيت منازل القبائل المهاجرة إلى المدينة، قيس عيلان وتميم وقضاعة وبكر والمصطلق، في الأماكن الخالية بين منازل الخزرج في الجانب الشمالي الغربي من المدينة أي في الخط الممتد من جبل سلع إلى أماكن بني زريق.
وقد أفرد النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الصفة وهم الوافدون من خارج المدينة ولا يرغبون العودة إلى ديارهم وليس لهم أحد في المدينة، صفة المسجد، وهي المكان المسقوف منه ليأووا إليه وليشرف على رعايتهم، لذلك سموا أهل الصفة. وكان هؤلاء أكثر الصحابة جلوساً مع النبي صلى الله عليه وسلم فاشتهر معظمهم برواية الحديث ومنهم أبو هريرة رضي الله عنه. وبعد ازدياد عددهم بين ثلاثين وسبعين، واقتراح محمد بن مسلمة، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بجعل دار ضيافة في كل بستان من بساتين المدينة للإقامة فيه.
فئات مجتمع المدينة
كان سكان يثرب قبل الهجرة يتألفون من طائفتين: العرب (الأوس والخزرج) واليهود. وبقدوم المسلمين المهاجرين من مكة المكرمة، وحلول النبي صلى الله عليه وسلم في مدينته الجديدة، أصبحت يثرب تضم أربع طوائف: المهاجرين والأنصار والمنافقين واليهود. وكان لا بد من تنظيم العلاقة بين هذه الطوائف المختلفة لتنطلق الدعوة الإسلامية خارج يثرب.
فالمهاجرون هم المسلمون الأوائل من أهل قريش الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وتحملوا الأذى وسلاحهم الصبر والإيمان. ثم فارقوا الأهل والأرض وهاجروا من مكة المكرمة إلى يثرب تنفيذاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث عشرة سنة على مبعثه الكريم في مكة المكرمة.
والأنصار هم الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم وناصروه من الأوس والخزرج وقد فتحوا قلوبهم وأبواب مدينتهم لاستقباله مع المهاجرين فانتشر الإسلام في يثرب، بعد أن لقي المهاجرون فيها من الإيثار والإخاء ما لم تعرف له الإنسانية نظيراً قط. وقد أصبح بعد ذلك، سعد بن معاذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة سيد الخزرج.
أما المنافقون فهم الذين دخلوا الإسلام عن غير إيمان وصدق، يبطنون الشرك ويظهرون الإسلام، وكان عبدالله بن أبي بن سلول العوفي سيد الخزرج من أشد المنافقين وكان يحقد على النبي صلى الله عليه وسلم ويعتبر أنه قد استلبه ملكاً كان سيتولاه قبل الهجرة بقليل، أما سيد الأوس أبو عامر عبد عمر بن صيفي بن النعمان فأصر على كفره وخرج مع بضعة عشر رجلاً إلى مكة المكرمة ومنها إلى الطائف ثم إلى الشام حيث مات.
ومن أشهر المنافقين من الأوس والخزرج زوي بن الحارث، وجلاس بن سويد وأخوه الحارث بن سويد، ونبتل بن الحارث، ومعتب بن قشير، ومربع بن قيظي وأخوه أوس بن قيظي، وحاطب بن أمية بن رافع.
وقد أحسن اليهود استقبال النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر طمعاً في استمالته إليهم، ولكنهم سرعان ما عارضوا سياسته في جمع العرب وتوحيدهم. وكان منهم بنو قينقاع الذين يقيمون في داخل يثرب وهم صاغة أصحاب سلاح ولهم مكانة في المدينة، أما بنو النضير وبنو قريظة فكان كل منهما يقيم ويتحصن في مزارعه على مقربة من يثرب. ويحاول الإيقاع بين الأوس والخزرج (الأنصار) من جهة وبينهم وبين المهاجرين من جهة ثانية.