صدر حديثاً كتاب جديد للدكتور عادل أحمد صابر الرويني بعنوان (تأملات في سورة إبراهيم - تفسير بلاغي وتطبيقي) والكتاب الذي أصدرته جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم، يقع في 310 صفحات من الحجم المتوسط وطبعته فاخرة .
والمؤلف الدكتور عادل أحمد صابر الرويني عضو في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، ومحكم علمي في جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم، وعضو جمعية حماية اللغة العربية، وهو متخصص في البلاغة القرآنية وله العديد من المؤلفات في هذا المجال منها:
1- البلاغة القرآنية في الحديث عن الرسول - صلى الله عليه وسلم .
2- من مشتبه النظم القرآني
3- نظرات بلاغية في آيات قرآنية
4- تأملات في سورة مريم
5- تأملات في سورة يوسف (تحت الطبع)
6- من غريب بلاغة القرآن الكريم في سورتي الفاتحة والبقرة (أول موسوعة في غريب بلاغة القرآن الكريم)
7- من غريب بلاغة القرآن الكريم في سورتي آل عمران والنساء (تحت الطبع)
وللدكتور الرويني أيضاً العديد من المؤلفات في النقد الأدبي مثل (صورة المرأة في تشبيهات العرب - دراسة بلاغية نقدية تحليلية) و(المعجم الوافي في التعريفات البلاغية والأدبية والنقدية والعروضية) .
كما أن له نشاطاً إعلامياً بارزاً في الإذاعة والتلفزيون والصحافة حيث نشرت له مئات المقالات في صحف ومجلات ودوريات محلية ودولية عدة .
اتبع المؤلف في كتابه (تأملات في سورة إبراهيم - تفسيراً بلاغياً وتطبيقياً) المنهج التحليلي التطبيقي والجديد فيه أن المؤلف ربط التفسير ببعض القضايا الاجتماعية المعاصرة بأسلوب سلس يصل إلى القلوب والأفهام في يُسْر وسهولة، كما أنه وقف أمام بعض الكلمات القرآنية وحاول بيان وجه ارتباطها بالمعنى في سياقها ومقامها .
ولم يغفل الدكتور الرويني الوقوف أمام كثير من مسائل النحو والصرف ليبين ارتباطها بالبلاغة ناهيك عن الوقوف أمام المفردة القرآنية والمترادفات ليبين أوجه الاختلاف في المعنى .

كشف وجوه الإعجاز

قدم للكتاب الدكتور: عبدالله محمد سليمان هنداوي رئيس قسم البلاغة والنقد في كلية اللغة العربية جامعة الأزهر الشريف ومما قاله الدكتور عبدالله هنداوي: إن أفضل ما يقدمه الباحثون، وأسمى ما يسعى إليه المؤلفون في بحوثهم ما كان في خدمة القرآن الكريم وعلومه الجليلة الباهرة، لاسيما علم البلاغة العربية، فإنه من أسمى العلوم قدراً، وأرفعها شأناً، وأوفاها أداءً، وأجلها غاية، لأنه بها ينكشف وجوه الإعجاز الكامنة في نظم القرآن، لذا فإن أحق العلوم بالتعلم وأولاها بالفهم والحفظ بعد المعرفة بالله جل ثناؤه علم البلاغة ومعرفة الفصاحة كما قال (الزمخشري) في مقدمة تفسيره .
وقد وفَّق الله الدكتور عادل أحمد صابر الرويني وأعانه على الإسهام في بناء صرح البلاغة القرآنية فأصدر سلسلة من الدراسات تتجه إلى الكشف عن الأسرار البلاغية الكامنة في مفردات وتراكيب النظم الحكيم على قدر ما أفاء الله على الباحث من تهيؤ واستعداد وتوفيق وخلوص نية واستحضار فكر، سعياً وراء المقصد والغاية، وهذا الكتاب هو السادس في سلسلة البلاغة القرآنية بعنوان (تأملات في سورة إبراهيم تفسير بلاغي وتطبيقي)، وتناول الباحث في هذا الكتاب سورة إبراهيم بالتحليل اللغوي البلاغي الذي يكشف عما يكنّه الأسلوب القرآني من قيم تعبيرية ولمحات فنية، وسمات أسلوبية، وبَذَلَ جهداً يذكر له فيشكر عليه في أن يكون بحثه تطبيقياً بلاغياً يكشف للقارئ أسرار إعجاز القرآن، ويجسد أمام عينيه عظمة القرآن ليوقن أنه ليس من كلام البشر، وإنما هو من كلام رب العالمين، ومنهج الباحث في دراسته لهذا الكتاب هو المنهج التحليلي التكاملي الذي يقوم على تحليل المفردات والتراكيب لغوياً وبلاغياً، فيبين دقة نظم الكلمة في التركيب الذي يضمها، مراعياً دلالتها من حيث مادتها مبنًى ومعنًى، ومن حيث صيغتها فعلاً أو اسماً، مشتقاً أو جامداً، مفرداً أو مثنًى أو مجموعاً، معرفاً أو منكراً، ومن حيث ترتيبه في النظم مقدماً أو مؤخراً، ومن حيث ذكره أو حذفه، وأبان الباحث عن المعاني والأسرار البلاغية الكامنة في التراكيب وتنوعها إلى خبرية وإنشائية، وما توحي به من أسرار ودقائق تفهم من السياق وفقاً للمقام والغرض المقصود، وعلاقات الجمل وارتباط بعضها ببعض، والتعرف إلى المعاني والأحداث من خلال تناسق نظم الجمل .

دحض الشبهات

كما وقف الباحث أمام بعض الآيات المتشابهات يتدبر معانيها، ويبين ما اختصت به من الصياغة وفقاً لسياقها والغرض منها، ودحض شبه الطاعنين على أسلوب القرآن الكريم الذين ينظرون إلى صياغته نظراً سطحياً مغرضاً، وأظهر تهافت طعونهم، وبيّن الباحث أسباب نزول بعض الآيات لتكون عوناً على فهم السياق، كما أشار إلى اختلاف القراءات القرآنية أحياناً وتوجيهها بلاغياً، وربط التفسير البلاغي بالواقع المعاصر المتصل بالقضايا الإنسانية والاجتماعية في حياتنا، ووثّق بحثه بالرجوع إلى آراء المفسرين واللغويين والبلاغيين من القدماء والمحدثين الذين كانت لهم دراسات فاحصة ودقيقة في مجال الدراسات البلاغية حول النظم القرآني، وكان يناقشها أحياناً ومرجِّحاً بعض الآراء على الأخرى، وعطاءات القرآن متجددة لا تقف عند حدّ ولا تناهي، فهي تتجدد لكل الأجيال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وصدق الله العظيم إذ قال: "قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً" (الكهف:109) .
والله أسأل أن يثيب فضيلة المؤلف على ما بذل من جهد، وأنفق من وقت ومال، وأن ينفع به المسلمين، وأن يجزيه عنهم الجزاء، إنه ولي ذلك والقادر عليه والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل) .

رسالة النبي

ونقف أمام نموذج من كتاب المؤلف حيث يتناول الكاتب قوله تعالى: "كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد" شارحاً معنى الآية إجمالاً بقوله: (وتستهل السورة ببيان رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ألا وهي إخراج الناس من ظلمات الكفر والضلال إلى نور الهداية والإيمان بإذن الله تعالى، والمعنى: هذا القرآن كتاب أنزلناه إليك يا محمد لتخرج الناس من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والإيمان والهداية بما أذن لك من تعليمهم ودعوتهم إلى الإيمان أو بتوفيقه إياهم ولطفه بهم إلى طريقة الله الواضحة التي شرعها لعباده وأمرهم بالالتزام بها، والمصير إليها، والدخول فيها) .
وبيَّن د . الرويني الغرض من التنكير في "كتاب" بأنه للتفخيم والتعظيم، والمعنى: كتاب عظيم الشأن أنزلناه إليك، ونون العظمة في "أنزلناه" بيان لوجه عظمة هذا الكتاب المبين .
كما أوضح المؤلف أن الفعل "أنزل" يتعدى ب (إلى) و(على)، وذكر شواهد عدة في القرآن الكريم على ذلك نذكر منها قوله تعالى: "الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب"، (الكهف: 1) .
وقوله سبحانه: "إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصاً له الدين"، (الزمر: 2) .
وتساءل الدكتور الرويني عن سر اختلاف هذه التعدية، وأجاب عن ذلك، حيث رأى أن كل موضع عُدي فيه الإنزال ب(على) يدل على التشريف، وكل موضع عُدي فيه الإنزال ب (إلى) يدل التشديد في التبليغ، وعلل لهذا التوجيه بأن الإشعار بالتشريف جاء مع (على) من خلال الإشارة إلى عظمة المُنزل والمُنزل عليه القرآن، والمعنى المراد في هذه المواضع: أن الله تعالى شَرفك يا محمد بأن تؤدي ما عليك من الإنذار والتبشير .

الظلمات والنور

ويواصل الدكتور عادل الرويني تأملاته في الآية الكريمة فيقول: (أسند فعل الإخراج إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - "لتخرج" ، لأنه هو الداعي والمنذر والهادي، والتعريف في (الناس) للجنس المفيد للعموم والشمول . وعُلل الإنزال بالإخراج من الظلمات في قوله تعالى: "لتخرج الناس من الظلمات . ." .
ودل على أن (الهداية هي مراد الله تعالى من الناس، وأنه لم يتركهم في ضلالهم، فمن اهتدى فبإرشاد الله، ومن ضَل فإيثار الضال هوى نفسه على دلائل الإرشاد، وأمر الله لا يكون إلا لِحِكَم ومصالح بعضها أكبر من بعض)، وشبه الانتقال أو التحول من حال إلى حال بالخروج، وعليه ففي قوله "لتخرج" استعارة تصريحية تبعية .
واللام في قوله تعالى: "لتخرج الناس من الظلمات إلى النور" للتعليل . واستعيرت الظلمات للضلال والكفر بجامع التخبط والحيرة وعدم الاهتداء، كما استعير النور للهداية بجامع الإرشاد والوصول إلى الغاية، والاستعارتان تصريحيتان أصليتان .
ويعلل المؤلف جمع (الظلمات) في الآية الكريمة بأنه للإشارة إلى كثرة سبل الضلال والفساد، وعلل إفراد النور بأنه للإشارة إلى وحدة الحق، ووحدة الولاية لله الواحد الحق، ووحدة المنهج الموصل إلى الحق . ونص ما قاله المؤلف: (أن الظلمات جمعت وأفرد النور في اثني عشر موضعاً في القرآن الكريم، وكل هذه المواضع اقترن فيها النور بالظلمات، وكان جُلّها يرمز بالنور إلى الهداية أو الإيمان النابع من مصدر واحد، ويرمز بالظلمات إلى سُبل الغواية، وطرق الضلال، ومتاهات الشرك ) .
كما رجَّح المؤلف أن الباء في قوله تعالى: "بإذن ربهم" للملابسة، للإشارة إلى أن الهداية لا يملكها بشر ولو كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لأنه - صلى الله عليه وسلم - سبب في الهداية، يؤكد هذا قوله تعالى: "إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين"، (القصص: 56) وهذه إشارة إلى بشريته - صلى الله عليه وسلم .