درس العرب تراث من سبقوهم من المصريين والإغريق والهنود وغيرهم من بُنَاة الحضارات القديمة، عن طريق الترجمة والاقتباس، ما مكن أجيال البشر التالية من الإلمام بتطورات العلوم في العصور المختلفة، والإضافة إلى آراء من سبقوهم . كما وضع العرب المسلمون نظرياتهم الخاصة، وابتكروا أجهزة تعينهم على طرق البحث، وتركوا أنفس المخطوطات بإنجازاتهم في تاريخ العلم، غنية بالنظريات الأساسية والمعلومات العلمية، وقد كُتبت باللغة العربية (لغة العلم وتقدم البشرية) من النصف الثاني للقرن الثامن إلى نهاية القرن الحادي عشر الميلادي (750 - 1100م) .

ويتصدى أستاذ العلوم الدكتور إمام إبراهيم أحمد في كتابه تاريخ الفلك عند العرب للحديث عن هذا الموضوع، موضحاً أن مؤلفات علمائنا في الفلك لا تُحصى، وأعمالهم بحر زاخر بالأفكار والنتائج، داعياً إلى دراسة المخطوطات التي سلمت من الضياع والاندثار لتصبح لدينا صورة أقرب إلى الحقيقة عن أعمال العرب في ذلك الحقل العلمي .

وهو قبل أن يشير إلى أعمالهم ونظرياتهم والنتائج التي توصلوا إليها، سواء تلك التي تَمَكَّن المستشرقون من حل رموزها وتفسير معانيها، أو تلك التي تمت دراستها حديثاً في بعض المخطوطات العربية، يُلقي بنظرات عابرة تمهيدية على الخطوط الأولى في علم الفلك . فهناك آثار لقدماء المصريين ووثائق هندية وصينية ترجع إلى العام 2500 قبل البلاد، فيها تسجيل لبعض الأرصاد والمعلومات الفلكية، ومن بينها معرفة الزاوية بين مستوى حركة الشمس الظاهرية، وبين مستوى خط الاستواء، وهي ما أسماه العرب (زواية ميل البروج) .

كما نُسب إلى البابليين تقسيم الليل والنهار إلى اثنتى عشرة ساعة والأسبوع إلى سبعة أيام، ومحاولات رصد مواقع النجوم المختلفة وتسجيل شروق وغروب كوكب الزهرة مع الشمس، وتعيين مواقع الشمس والقمر والكوكب . وكانت هناك اتصالات بين المصريين والبابليين والإغريق نتج عنها انتقال حضارة مصر وبابل إلى اليونان، ومن ضمنها مبادئ علم الفلك والنجوم . وبدأت مساهمات اليونانيين في تقدم هذا العلم في القرن الخامس قبل الميلاد، وكان منها محاولة تفسير الحركة اليومية للأجرام السماوية وعمل أرصاد شمسية دقيقة لتعيين أطوال الفصول وغيرها .

عرب الجاهلية

في حين كانت معلومات عرب الجاهلية لا تزيد على الضرورات البدائية من مجرد النظر إلى السماء ومتابعة ما يحدث فيها للأجرام السماوية بوجه عام، فأصبحت لديهم دراية تامة . . بالتقويمين (القمري والشمسي)، وتحديد المواسم والأعياد ومواعيد تجارتهم وأسفارهم . وقد حفزتهم هذه الضرورات- إلى جانب تنقلاتهم في الرعي- على الاهتمام بالنجوم، بغية الاسترشاد بها في الصحراء، لتحديد اتجاهات سيرهم في الطرقات والمسالك . كما كانت طبيعة حياتهم في الخلاء، وجلوسهم للسمر والحكي والشعر أمام خيامهم الليلة تلو الليلة قد دفعتهم إلى إمعان النظر في النجوم والكواكب، واختيار أسماء خاصة لها كالشعرى والثريا وغيرها .

وكان القمر أكثر لفتاً لأنظارهم بسبب التغير الدوري المنتظم في أوجهه من النقصان إلى الزيادة وبالعكس، كما أنه أثار اهتمامهم لتغير موقعه في السماء بين النجوم وعودته إلى مكانه الأول، كل ثمانية وعشرين يوماً على وجه التقريب . وقد قسم العرب تلك الدائرة إلى ثمانية وعشرين قسماً، يحل القمر في كل منها يوماً بأكمله، وأطلق العرب على تلك الأقسام اسم منازل القمر، وربطوها بأحوال الجو والرياح الأمطار، فطلوع منزلة ما عند شروق الشمس أو عند الغروب يشير إلى حلول الشتاء أو الصيف، أو فترة هطول الأمطار أو هبوب الرياح . وشملت دراسة العرب لمنازل القمر طريقة جديدة لتحديد طول السنة الشمسية وذلك برصد طلوع الأنواء (التي هي صعود تلك المنازل من الأفق إلى الأعلى في بطء شديد) .

نهضة شاملة

ومنذ حُكم العباسيين بدأ تطور شامل في نهضة العرب العلمية . وحدثت قفزات سريعة حملتهم إلى القمة في سرعة مذهلة استمرت حتى أواخر القرن الحادي عشر، وكانت تلك النهضة من القوة إلى درجة أن أصبحت العربية لغة علمية دولية . وقد جاء وفد من السند إلى بغداد، فيه عالم فلكي يُدعى كانكاه يحمل معه مرجعاً مهماً في علم الفلك (السند هانت) حرَّفه العرب إلى السند هند، احتوى على طريقة الهنود في حسابات حركات الكواكب .

وبرز من العلماء العرب، إبراهيم الفزاري متجهاً إلى العناية بأجهزة الرصد، فقام بصنع أول جهاز ليستعمله العرب في رصد الأجرام السماوية الاسطرلاب . وكتب مؤلفات عدة فلكية في وصف هذا الجهاز وفي التقاويم . وأدخل العرب الكثير من التحسينات على تصميم هذا الجهاز وتوسعوا في طرق استعماله . وظلت حركة الترجمة للمراجع العلمية الأجنبية، وخاصة في الطب والفلك والتنجيم، في ازدياد ونشاط مستمر منذ أن تولى هارون الرشيد الحكم من العام 786 إلى 809 ميلادية، وكان كتاب المجسطى لبطليموس العالم السكندري (القرن الثاني الميلادي) أحد أهم المراجع الفلكية التي تُرجمت مراراً، ويحتوي هذا المؤلف الضخم على 13 مقالة في وصف السماء ومدارات النجوم، والتقويم الشمسي، وحركات القمر والشمس والكواكب وطرق حساباتها، والخسوف والكسوف، ومواضع النجوم، كما أورد بطليموس في كتابه الأدلة على كروية الأرض .

وامتاز عهد المأمون بحشد كبير من العلماء العرب، وفيه أُنشئ مرصد بغداد الذي أُلحق بأكاديمية بيت الحكمة، وقد اجتمع فيه حشد من العلماء دأبوا على تسجيل أرصاد لمختلف الظواهر الفلكية، وكان من بينهم أبو الطيب سند بن علي رئيس الفلكيين، الذي تُنسب إليه بعض الجداول الفلكية وقياس محيط الأرض . . ونشير هنا إلى أحمد المروذي الذي أدخل طريقة تعيين الوقت أثناء النهار برصد ارتفاع الشمس عن الأفق . أما أحد أساطين علم الفلك في أيام المأمون فهو أبو العباس الفرغاني الذي ذاع صيته لتعدد الدراسات الفلكية التي قام بها والمؤلفات التي وضعها ومنها كتاب الحركات السماوية وجوامع علم النجوم، الذي ذكر التقاويم المختلفة في عصره، وانتقل إلى أصول علم الفلك بطريقة منتظمة ليثبت صحة الاعتقاد السائد في ذلك الوقت عن كروية السماء، ومعتمداً في ذلك على دوران النجوم والكواكب في دوائر ثابتة . وقام الفرغاني بحساب أبعاد الكواكب وأحجامها، وله كتاب عن المزاول .، وفي أواخر أيام حياته رحل إلى مصر حيث أشرف على إقامة مقياس النيل عند الفسطاط . . ثم الخوارزمي الذي نبغ في مجال علم الجبر والجغرافيا، حيث اشترك في قياس محيط الأرض، وله جداول فلكية، وله كتاب صورة الأرض الذي يحتوي على خرائط أدق من تلك التي نشرها بطليموس .

ونطالع كتاب أبو الحسن الحراني الذي يبحث في تعيين الوقت بقياس الظل، واستعمال المزاول، وقد نشر أرصاده عن الشمس .

ويستمر الأستاذ الأكاديمي - مؤلف كتابنا هذا - في سرد تاريخ ومسيرة وإنجازات علماء وأعلام الفلك العرب عبر عصور نهضتهم الفكرية والعلمية والأدبية والفنية، أيام العباسيين، وفي ظل سلاطينهم وخلفائهم وأمرائهم، في بلاد الأندلس ومصر والعراق، لنعرف أن الفيلسوف والطبيب ابن سينا اشترك في أعمال الرصد الفلكية، وأبو الريحان البيروني تحدث عن القمر وحركاته المختلفة والكسوف والخسوف وكيفية حسابهما، وما يتصل بالكواكب من موضوعات وجداول فلكية، وأن الإمام الغزالي كتب ملخصاً لعلم الفلك وحركات النجوم والكواكب، ثم أن نصر الدين الطوسي (القرن 13 الميلادي) أشرف على بناء مرصد في بلاد هولاجوخان، كما نجد كتابات متفرقة لأبي الحسن المراكشي وابن الشاطر وابن المجدي وسبط المارديني وحسن الجبرتي وغيرهم، لكنها جميعاً لا ترقى إلى مستوى الأعمال السابقة، بل هي تكرار لها وبخاصة في وصف الأجهزة والبحث في التقاويم .