عندما نمسك بالقلم، لنخط به حروفنا المعبرة عما يدور في أذهاننا ووجداننا، لا نفكر إطلاقا في تلك العملية الطويلة والشاقة المسماة بـ«الكتابة»، تلك التي تحولت إلى علم متكامل الأركان، نحن نكتب ببساطة، ولكن كل حرف نضعه بجوار الآخر، وكل كلمة نفكر فيها قبل أن نلحقها بما سبقها من كلمات، وكل عبارة نضيفها لنشكل في النهاية من كل ذلك البناء المعروف بالكتابة، والذي له قصة تحتاج إلى أن تروى.
قبل أن ندخل لنحكي الحدوتة، هل فكرنا يوما في أعداد أنواع الكتابة التي عرفها الإنسان، أولا هل نعرف عدد اللغات التي تكلمها البشر على مدار مئات الآلاف من السنين؟، يصل البعض بهذا العدد في الوقت الراهن إلى 7 آلاف لغة، ولكن ماذا عن اللغات الأخرى التي انقرضت بفعل عوامل عديدة؟، هنا ربما يتضاعف الرقم ويتضخم، حتى يصيبنا بالدهشة، وأتذكر تقريرا قرأته يوما في مجلة «ناشيونال جيوغرافيك» يحذر فيه من أن العالم يشهد أنقراض عدة لغات يوميا، وهنا يحق لنا أن نسأل هل كل اللغات التي تحدثها البشر على مدار تاريخهم كتبت؟، أي ترجمت من الصوت إلى الصورة؟.
وقبل أن نتحدث عن جانب من تاريخ الكتابة، نود أن نذكر للقارئ بعض أنواع الكتابة، التي يرصدها يوهانس فريدريش في مؤلفه «تاريخ الكتابة».
يوجد لدينا: الكتابة الهيروغليفية، المسمارية، العيلامية، كتابة وادي نهر الهند، كتابة جبيل القديمة، الكتابة السينائية، الكتابة الصورية الكريتية، كتابة القرص الفيستالي، الكتابة القبرصية، الأبجدية السامية الغربية، الفينيقية والبوذية والبونية، العبرية والآرامية والمؤابية، العربية الشمالية، العربية الجنوبية، الليبية، الطوردتانية، الفارسية القديمة، كتابة أوغاريت..إلخ.
يرصد فريدريش أكثر من مئة نوع من الكتابة، هذا بخلاف فروقات داخل النوع الواحد، ففي جنوب شرق آسيا هناك: كتابة لولو، مياو، ياو، سي سيا، موسو، كيداني، وتشجور تشينجي، وكلها كتابات تقترب من الصينية، يقول عن «كتابة مياو»: «ثمة شعب آخر يستوطن جنوب الصين، يدعى مياو...ورموز كتابة مياو مغالية في التزويق والزخرفة».
ولكن كيف تطورت الكتابة إلى الشكل الذي نعرفه الآن؟، يقسم فريدريش تاريخ الكتابة إلى عدة حقب، كان هناك أولا الكتابة الصورية، وتعني أن الصورة الواحدة التي رسمها البشر على المعابد أو المقابر أو الجداريات الاحتفالية، تحيل عند النظر إليها إلى كلمة يود الرسام-الكاتب إيصالها إلى المشاهد-القارئ، وهناك ثانيا الكتابة بالفكرة أي أن صورة واحدة تدل على فكرة أو عبارة كاملة لا كلمة خاصة، ونحن نعتقد أن الكتابة بالفكرة انتهت ولكنها لاتزال مستخدمة على نطاق واسع في حياتنا المعاصرة عبر الإشارات التي تملأ الطرق وعبر الرموز الكيميائية والرياضية. وإذا اعتبرنا الصورة والرمز الذي تدل عليه نوعا من الكتابة فبالإمكان الوصول بأنواع الكتابة إلى عدد لا يحصى.
الفكرة والصورة
هناك علاقة أيضا بين الكتابة بالصورة والكتابة بالفكرة والصوت، تدفعنا إلى السؤال: هل كان البشر يرسمون الصوت؟، يعود بنا ديفد هندي في كتابه «الضجيج..تاريخ إنساني للصوت والإصغاء» إلى مرحلة أقدم من الكتابة الصورية، المصرية والعراقية، يرجع إلى 40 ألف سنة مضت، يتجول بنا في كهوف مفعمة بالحياة في فرنسا وإسبانيا، لقد استخدم أسلافنا حواسهم بطاقاتها الكاملة، وحيث كانت يقظة البصر وقوة الصوت تساوي النجاة من المخاطر، في هذه الكهوف وجد العلماء أن صدى الصوت يصبح أكثر ارتفاعا حتى يتحول إلى ضجيج في الأماكن التي توجد فيها رسوم لحيوانات مثل الماموث ووحيد القرن وسمك السلمون..إلخ، المهم أن تناغم الصوت مع الصورة كان يقبع دائما في الأماكن الأكثر عمقا وظلمة في الكهف، وحتى الآن لا تصنف هذه الرسوم بوصفها لغة؟، ولا يعرف العلماء العلاقة التي تربطها بصدى الصوت.
الطور الثالث من أطوار الكتابة يتمثل فيما يطلق عليه فريدريش «الكتابة الحقيقية»، وتنقسم إلى ثلاثة أنواع: الكتابة بالكلمة وتقوم على مبدأ أن الكلمة الواحدة تدل على رمز واحد. وهناك الكتابة المقطعية ويمثل الرمز الواحد فيها مقطعا صوتيا ويتعاقب فيها «الصامت والصائت». وأخيرا الكتابة الألفبائية أو الأبجدية.
ولكن هل شهد مسار الكتابة ذلك التطور الذي تلغي فيه المرحلة اللاحقة ما سبقها؟، هل عرف ذلك الجدل السخيف بين الكتاب الورقي والإلكتروني، والذي لا نمل من الحديث عنه يوميا؟. كتب هيرودت يوما عن رسالة بعثتها قبائل السكيت إلى داريوس ملك الفرس قبل خوض القتال معه، وقد اشتملت الرسالة على رسم عصفور وفأر وضفدعة وخمسة سهام، فقام مساعد الملك بتفسيرها قائلا: «أيها الفرس إذا لم تتواروا في السماء كالعصافير، أو تختبئوا في الجحور كالفئران، أو تقفزوا في الماء كالضفدع، فستغدون هدفا لسهامنا»، ولا تزال بعض الشعوب حتى وقتنا الحاضر تستخدم الأسلوب نفسه، ففي سومطرة عند قبائل الباتاكي هناك ما يعرف بـ«الرسالة النارية»، والتي يعلقها الشخص على بيت عدوه، وتتضمن رسومات لسكاكين وتخبر المرسلة إليه بنية مبيتة بالقتل. هنا يتحول كل رمز في العالم إلى كتابة، وكل فعل يقوم به الإنسان إلى نوع من الكلمات المرئية، وذلك في سبيل التواصل مع الآخرين، بهدف التعبير عن الذات، لا فارق هنا بين الإشارات المرورية في المدن فائقة التحديث والجرافيتي ومحاولة الإمساك بالصوت المجرد في النوتة الموسيقية..إلخ، وبين الحياة في أكثر الأماكن بدائية وانعزالية.
ويبدو أن الكتابة، بمعناها الأبسط، كما نعرفها اليوم، وكما نريد أن نتخيلها هي تلك الأداة التي نعبر بها عن جميع أوجه نشاطنا الإنساني وتمتلك إمكانية البقاء لمدة طويلة، ولكن ماذا عن تلك الكتابة الصورية التي عاشت آلاف السنين، مثل الكتابة الهيروغليفية وغيرها؟، ماذا عن الآثار بوصفها كتابة قائمة بذاتها بقيت في الوقت التي تطالعنا فيه عبارات كئيبة من قبيل «ضاعت كل مؤلفاته» «أو فقدت كل أعماله» أو «لم يتبق من كتبه إلا هذا الكتاب» في الكثير من كتب التراث وغيرها. الكتابة كما يتمنى قطاع منا، وخاصة الأدباء، هي تلك الطقوس المعينة التي ترتبط بالقلم أو بلوحة مفاتيح الكمبيوتر والآيباد، وتعبر عن كل ذلك المضمون العاطفي الذي نتحدث به عن وسائل الكتابة وخلودها، ولكن هل تخيلنا يوما الشعر مكتوبا بواسطة الحبال، يذكر فريدريش أن قبائل الكيبو، سكان البيرو الأصليين، كانوا يكتبون تاريخهم وقوانينهم وحتى أشعارهم عبر بناء تشكيلي من الحبال، فطول الحبل ولونه يقول معلومة وأسلوب عقد الحبل يخبر المتابع بفكرة.
لنعود إلى تاريخ الكتابة كما نتخيلها، سنجد أن نشأة الكتابة وتطورها تأثرت بالعديد من العوامل البيئية والسياسية والاجتماعية..إلخ. سنجد أنواعا من الكتابة تأثرت بالجوار الجغرافي، وأنواعا أخرى فرضتها طبيعة الثقافة: بحرية..تجارية..إلخ، وأنواعا ثالثة تأثرت بالحروب والاستعمار. سنعثر على الكثير من الكتابات التي تخط من اليمين إلى اليسار بعكس الفكرة الشائعة والمغلوطة أن هذه الطريقة تقتصر على العربية وحسب، والأهم أن هناك بعض أنواع الكتابات التي خطت بهذه الطريقة كانت في قلب أوروبا نفسها. سيصادفنا ذلك الحوار الذي لا ينتهي بين الأذن والعين ويتعلق بعلم الصوتيات، والرغبة في تدوين الصوت الذي يحيط بنا من جهاتنا كافة، فالصوت وفق هندي «لمس عن بعد» وكذلك الكتابة.
وما حدث بين الكتابتين الصينية واليابانية يعتبره فردريش من أهم النماذج على التأثير الثقافي الخلاق في تاريخ الكتابة: «لقد تميزت اليابانية بأنها لغة متعددة المقاطع وغنية بتصريفاتها ولم يكن في الإمكان تدوينها اعتمادا على الكتابة الصينية التي ترتكز على مبدأ الكتابة بالكلمة، لذلك أسس اليابانيون نظاما كتابيا يقوم على الجمع بين الكتابة المقطعية والكتابة بالكلمة، فجذور الأسماء والصفات والأفعال اليابانية تدون بالرموز الصينية الدالة على كلمة كاملة، والتي تعرف باليابانية كاندزي، أما النهايات وأقسام الكلام الأخرى فتدون بالرموز المقطعية اليابانية المعروفة باسم كانا. ويمكن التمييز في الكتابة اليابانية بين نموذجين من الكتابات المقطعية، وهما: كاتاكانا وهيراغانا. وتدون رموز الكتابة اليابانية مثل الكتابة الصينية من اليمين إلى اليسار، ويذكرنا النص الياباني الذي يجمع بين الكتابة بالكلمة والكتابة المقطعية..بنصوص الكتابة المسمارية التي اعتمدت الرموز الدلالية السومرية كجذور للكلمات، أما نهايات الكلمات فقد كانت رموزا أكادية أو حثية أو غيرهما».
يستوقف القارئ لكتاب فردريش أيضا تلك الكتابة التي اخترعها أفراد، نعرف أن نجويا ملك باموم في الكاميرون في بدايات القرن العشرين ابتكر كتابة خاصة للغته الوطنية، بعد أن حاول الألمان إدخال الحروف اللاتينية لكتابه اللغة المحلية في تلك المنطقة. وهناك الكتابة الصومالية التي يرجعها المؤلف إلى عثمان يوسف، والذي دمج فيها بين العربية والإيطالية. أما شعب التشوكتشي الذي يقطن في أقصى شرق سيبريا فقد قام أحد الرعاة في ثلاثينات القرن الماضي باختراع كتابة خاصة به لحفظ ذاكرتهم الجماعية، هنا الكتابة تصبح ضد الهيمنة.
نخرج من هذا الكتاب أيضا بفكرة أن كل شعب أو مجموعة عرقية في العالم حاول أن يبتكر كتابة خاصة به، واستمرت هذه المحاولات وبكثافة في القرن العشرين، بل إننا نجد تعدد أنواع الكتابات في الجزر التي تنتمي إلى بلد واحد كما يرصد فردريش ذلك فيما يتعلق بإندونيسيا على سبيل المثال.
تاريخ ممتد
للكتابة أكثر من تاريخ، الأول تاريخ جمالي نقرأ فيه عن تناغم حواس الإنسان بأكملها للتعبير عن نفسه في شيء ملموس ومرئي، هنا نحن ندخل فضاء نتجول فيه بين الكثير من المفردات ربما نبحث في الآثار والنقوش والرسوم القديمة والعملات والقبور والشواهد، فالعالم كله كان ساحة مفتوحة يمارس فيها الإنسان حريته التامة في الكتابة، حيث كتب على الحجر والشجر وعظام الحيوانات وسعف النخيل، أو نفتش في تاريخ أدوات الكتابة نفسها والمواد التي استخدمها البشر في التدوين، أو نبذل بعض الجهد لمعرفة الفارق بين الصوامت والصوائت، وتلك الأخيرة كانت مشكلة كبرى في معظم الأبجديات.
التاريخ الثاني يتعلق بالكتابة كوسيلة للتعبير عن الذاكرة..الأحلام والطموحات والوعي المشترك بمفردات الواقع المحيط..أي بالهوية.
تاريخ ثالث للكتابة نحس ونحن ننغمس فيه أن كل كتابة تشبه أهلها..وكأن البشر في جهات معينة من الدنيا يكتبون بعذوبة وموسيقية وبفنية وحرفية، وفي جهات أخرى يكتبون بتأن وروية، وفي أماكن ثالثة بسرعة وانفعال، هؤلاء يكتبون بعاطفتهم وأولئك بعقولهم، هؤلاء يفصلون ويشرحون، وأولئك يشيرون ويضمنون، هؤلاء يسترسلون وأولئك يعشقون المضنون به على غير أهله.
تاريخ رابع للكتابة يتمثل في الإصرار على مواجهة الهيمنة عبر الكلمات، شعوب لا تحصى قاومت الذوبان أو الإبادة الثقافية عبر التمسك بكتابتها الخاصة، وكأن الكتابة مقاومة، سلاحها تلك المصفوفة من الحروف المنطوقة- المكتوبة التي تسلل إلينا خلسة ومن دون أن ندري منذ أن نأتي إلى هذا العالم.
تاريخ خامس للكتابة يجمع بين التناقضات كافة، هناك الكتابة التي تحيي الفرد-الشعب- الأمة، وهناك الكتابة القاتلة، الحب كتابة وكذلك الكره، الإيمان أبجدية والكفر أيضا، الفرح كتابة..الحزن..السعادة..الشقاء..إلخ. تاريخ سادس يتعلق بالأشكال الكتابية. تاريخ سابع هو تاريخ هتاف الصامتين والبؤساء في كتاباتهم الخاصة في الشوارع والأماكن المغلقة. تاريخ ثامن يميز فيه القارئ الحساس بين الصدق والكذب. تاريخ تاسع يرتبط بالكتابة كأداة للمراقبة وربما العقاب. تاريخ عاشر هو تاريخ الإبداع نفسه بأشكاله المختلفة. تاريخ آخر للحروف بفتنتها وسحرها...إلخ.
هي الكتابة عندما تبتلع النشاط البشري بأكمله، أو تبتلع التاريخ على وجه الدقة: الثقافة والحضارة، الهوية والذوبان بين الأمم والتفاعل بينها، الآثار والبناء، هل يوجد بناء في العالم لا يمكن اعتباره كتابة؟، هل يوجد شارع لا يمكننا قراءته؟، هل يوجد فعل أو سلوك أو حتى صمت وسكون لا يمكننا اعتبارها كتابة بمعنى ما؟.
الكتابة لا تفنى، الكتابة تتعدد بتعدد البشر وتمتد إلى الأشياء والكائنات المحيطة بهم، هي مدار أوسع من الوجود البشري نفسه، فالكون كله كتابة: «قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا» (الكهف-109).
تاريخ الكتابة..الكون كراسة الأبجدية الأولى
31 أكتوبر 2018 01:42 صباحًا
|
آخر تحديث:
31 أكتوبر 02:23 2018
شارك
محمد إسماعيل زاهر