تتعرض الزروع والثمار للتلف في أي مرحلة من مراحل نموها أو نضجها، ولذا نهى الشارع عن بيعها قبل بدو صلاحها، لأن غلبة هلاكها قبل ذلك أكثر منه بعد نضجها، ولذا روعي في حكم بيعها كثرة الضرر الذي ينال مشتريها وقلته، إذ قد يترتب على بيعها قبل بدو صلاحها ألا تظهر الزروع والثمار أصلاً، أو تذهبها الآفات وعوامل الطبيعة المختلفة، كالبرد والريح والمطر الشديد ونحوها، فلا يبقى لمشتريها شيء مما اشتراه، وقد روي عن أنس (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نهى أن تباع الثمرة حتى يبين صلاحها، تصفر أو تحمر، وعن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يفرك، وروى حميد الطويل عن أنس (رضي الله عنه) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) نهى عن بيع النخل حتى تزهو، فقلت لأنس: وما زهوها؟ فقال: تحمر وتصفر، أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يستحل أحدكم مال أخيه، وهذه الآفات التي تذهب بالزروع والثمار أطلق عليها الفقهاء الجوائح، وهي التي تُهْلِك الثّمار والأمْوال وتستأصلها، وكل مُصيبَة عظيمة، وعرف الجائحة بعض الفقهاء بأنها: كل ما لا يستطاع دفعه كسماوي وجيش، ومثل لها بالبرد والجراد والجليد والريح والدود والطير والغرق ورياح السموم والغبار، ونحو ذلك من كل ما لا يستطاع دفعه، والملاحظ من تعريفات الفقهاء للجائحة أنهم يتفقون على أنها ما أصاب النبات والثمار من الظواهر الطبيعية والآفات والحشرات والهوام والطير، ونحوها مما لا دخل للآدمي فيه، على خلاف بينهم في اعتبار ما يصيبه من العطش أو العسكر أو اللصوص أو الآدمي المعين جائحة، حيث يرى المالكية والحنابلة أن ما يصيبه بسبب العطش جائحة خلافا للشافعية، وما أصابه بسبب العسكر ونحوهم جائحة عند بعض فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة خلافا لجمهورهم، وقد اختلف الفقهاء فيمن يضمن المبيع إذا كان زرعاً أو ثمراً قد بدا صلاحه، فأصابته جائحة قبل جذاذه فأنقصته أو أهلكته أو أهلكت جزءا منه أو سببت به عيبا، بعد أن خلى بائعه بينه وبين مشتريه، فيرى فريق من الفقهاء أن ضمانه على بائعه، بحيث يحط من ثمن المبيع شيئا في مقابل الجائحة التي أصابته، وهو قول بعض الصحابة وأكثر أهل المدينة وبعض أهل الحديث، وإليه ذهب المالكية وهو قول الشافعي في القديم، وإليه ذهب الحنابلة وجمهور الظاهرية، لما روي عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت: ابتاع رجل ثمر حائط في زمان رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فعالجه وقام فيه حتى تبين له النقصان، فسأل رب الحائط أن يضع له أو أن يقيله، فحلف ألا يفعل، فذهبت أم المشتري إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فذكرت له ذلك، فقال (صلى الله عليه وسلم): تألي أن لا يفعل خيرا، فسمع بذلك رب الحائط، فأتى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول الله هو له، إذ أفاد الحديث إنكار رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على البائع أن لم يضع الجائحة عن المشتري، بحسبان هذا الوضع معروفا، والمعروف مأمور به شرعا، وضده المنكر وهو منهي عنه شرعا، فالمفهوم المخالف للحديث يدل على أن تألي البائع عن وضع الجائحة عن المشتري من المنكر، مما يدل على أن وضع الجوائح عن المشتري مأمور به شرعا، وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قوله: إن بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق، حيث أفاد الحديث عدم حل أخذ البائع ما يقابل المصاب بالجائحة من المعقود عليه، وأنه يجب عليه أن يضع من ثمنه ما يقابل المصاب، أو يضع الثمن كاملا إن كانت الجائحة قد أهلكت المعقود عليه، فيكون ضمانه من البائع، ويرى فريق آخر أن تعيب المبيع أو إصابته أو هلاك جزء منه بجائحة بعد قبض المشتري له، يكون ضمانه من المشتري، وهو قول الليث والثوري ومذهب الحنفية ومشهور مذهب الشافعية، وحكاه ابن حزم عن جمهور السلف، لما روي عن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) قال: أصيب رجل في عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): تصدقوا عليه، فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لغرمائه: خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك، (ابتاعها: اشتراها)، حيث أفاد أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم يبطل دين المشتري بسبب ما أصاب ثماره من الجوائح، ولم يطلب من البائع أن يحط شيئا من ثمن الثمار في مقابل ما أصابها، فدل على أن تبعة ما أصاب المبيع بالجوائح يتحمله المشتري في ماله، وروي أن امرأة أتت النبي (صلى الله عليه وسلم) فقالت: إن ابني اشترى ثمرة من فلان فأذهبتها الجائحة، فينبغي أن يضع عنه، فتألى أن لا يفعل، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): تألى فلان أن لا يفعل خيرا، حيث أفاد الحديث أن البائع لم يضع عن المشتري شيئا بسبب ما أصاب المبيع من جائحة، ولم يجبره الرسول (صلى الله عليه وسلم) على أن يضع من الثمن شيئاً بسببها، وإنما حض على ذلك واستحبه واعتبره معروفا، ولو كان أمرا واجبا لأجبر عليه البائع، إلا أن الذي أرى رجحانه هو مذهب القائلين بوضع ما يقابل الجوائح من ثمن المبيع، لما استدلوا به، ولأن وضع الجوائح أمر به النبي (صلى الله عليه وسلم) ودعا إليه، والأمر المجرد عن القرائن الصارفة له عن حقيقته يحمل على الوجوب، وقد اختلف الفقهاء فيما يوضع من الثمن بسبب الجوائح، فيرى فريق وضع القليل والكثير بسببها دون تقييد ما يوضع بحد معين، وهو قول أبي عبيد، وحكى قولا للشافعي في القديم، وهو ما ذهب إليه الحنابلة والظاهرية، لعموم الأحاديث، فإن النبي (صلى الله عليه وسلم) أمر بوضع الجوائح مطلقا، ولأن هذه الثمرة لم يتم قبضها فكان ما تلف منها من مال البائع وإن كان قليلا كالتي على وجه الأرض، وما أكله أو سقط لا يؤثر في العادة ولا يسمى جائحة، فلا يدخل في الخبر ولا يمكن التحرز منه، فهو معلوم الوجود بحكم العادة، فكأنه مشروط، ويرى فريق آخر أن وضع الجوائح من الثمن إنما يكون عند إصابة المبيع بمقدار الثلث أو أكثر بالجوائح، فما دون ذلك يكون من ضمان المشتري، وهو قول بعض الصحابة والتابعين وهو مذهب المالكية، ورواية عن أحمد، لأن الطير تأكل منها وتنثر الريح بعضها، فلم يكن بد من ضابط واحد فاصل بين ذلك وبين الجائحة، وقد اعتبر الشارع الثلث في مواضع من المعاملات، فيعتبر هنا كذلك، ولأن الثلث في حد الكثرة وما دونه في حد القلة، بدليل قول النبي (صلى الله عليه وسلم) في الوصية: الثلث والثلث كثير، فيدل هذا على أنه آخر حد الكثرة، ولهذا قدر به.