القرآن الكريم وهو دستورنا الخالد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه يرشدنا إلى ما فيه خيري الدنيا والآخرة فيحمل لنا الأحكام الصميمة والتوجيهات السديدة، والنصائح المخلصة ويحذرنا من كل ما يلحق بنا الأذى النفسي والمادي .
من بين الآيات الكريمة التي ترشد المسلمين إلى ما يسعدهم وينجيهم من كل سوء قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم . تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون . يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبةً في جنات عدن ذلك الفوز العظيم . وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين .
يقول المفسرون: هذه الآيات الكريمة جواب عما قاله بعض المؤمنين لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملناها والتي نزل بسببها قول الله تعالى في أول سورة الصف: يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون .
فكأنه سبحانه وتعالى بعد أن نهى هؤلاء المؤمنين عن أن يقولوا قولا تخالفه أفعالهم وضرب لهم الأمثال بجانب من قصة موسى وعيسى عليهما السلام وبشرهم بظهور دينهم على سائر الأديان .
بعد كل ذلك أرشدهم إلى أحب الأعمال إليه سبحانه فقال: يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة .
عقيدة سليمة وأعمال صالحة
والتجارة في الأصل معناها: التصرف في رأس المال وتقليبه في وجوه المعاملات المختلفة طلبا للربح، والمراد بها هنا: العقيدة السليمة والأعمال الصالحة التي فسرت بعد ذلك في قوله تعالى: تؤمنون بالله ورسوله .
والمعنى: يا من آمنتم بالله تعالى وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ألا تريدون أن أدلكم على تجارة رابحة تنجيكم مزاولتها ومباشرتها من عذاب شديد الألم؟ إن كنتم تريدون ذلك، فهاكم الطريق إليها وهي: تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم .
فقوله سبحانه: تؤمنون بالله ورسوله استئناف مفسر وموضح لقوله هل أدلكم فكأن سائلاً قال: وما هذه التجارة؟ دلنا عليها، فكان الجواب: تؤمنون بالله ورسوله .
أي: تداومون مداومة تامة على الإيمان بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم، وتجاهدون في سبيل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه بأموالكم وأنفسكم .
وأطلقت التجارة هنا على الإيمان والعمل الصالح، لأنهما يتلاقيان ويتشابهان في أن كليهما المقصود من ورائه الربح العظيم والسعي من أجل الحصول على المنافع .
عصب الجهاد
وقدم سبحانه هنا الجهاد بالأموال على الجهاد بالأنفس لأن المقام مقام تفسير وتوضيح لمعنى التجارة الرابحة عن طريق الجهاد في سبيل الله، ومن المعلوم أن التجارة تقوم على تبادل الأموال وهذه الأموال هي عصب الجهاد، فعن طريقها نشتري الأسلحة والمعدات التي لا غنى عنها للمجاهدين، وفي الحديث الشريف: من جهز غازياً فقد غزا .
وفي قوله سبحانه: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة . . .، قدم الأنفس على الأموال لأن الحديث هناك كان في معرض الاستبدال والعرض والطلب والأخذ والعطاء، فقدم سبحانه الأنفس لأنها أعز ما يملكه الإنسان، وجعل في مقابلها الجنة لأنها أعز ما يوهب، وأسمى ما تتطلع إلى نيله النفوس .
وقوله سبحانه: ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون معناه: ذلكم الذي أرشدناكم إلى التمسك به من الإيمان والجهاد في سبيل الله هو خير لكم من كل شيء إن كنتم من أهل العلم والفهم .
وقوله: يغفر لكم ذنوبكم أي أن الإيمان بالله حق الإيمان، والجهاد في سبيل إعلاء كلمته بالأموال والأنفس يغفر للإنسان ذنوبه ويزيل عنه معاصيه، وهو أيضاً يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار كما أخبرنا سبحانه وتعالى بقوله ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار .
المساكن الطيبة
وإلى جانب ذلك يعطي الخالق عباده المؤمنين الصادقين المجاهدين بالأنفس والأموال مساكن طيبة أي قصوراً مشتملة على كل ما هو طيب ونافع .
يقول المفسرون: خصت المساكن الطيبة بالذكر هنا، لأن المجاهدين قد فارقوا مساكنهم، ومنهم من استشهد بعيداً عنها وفيها أهله وماله فوعدهم سبحانه بما هو خير منها .
وقوله: في جنات عدن أي: هذه المساكن الطيبة كائنة في جنات باقية خالدة لا تزول ولا تنتهي، بل أصحابها يقيمون فيها إقامة دائمة ذلك الفوز العظيم أي: ذلك الذي منحناكم إياه من مغفرة لذنوبكم ومن خلودكم في الجنة هو الفوز العظيم الذي لا يقاربه فوز، ولا يدانيه ظفر .
وقوله سبحانه وأخرى تحبونها بيان لنعمة أخرى يمنحها الخالق سبحانه لعباده المؤمنين المخلصين المجاهدين إضافة إلى ما تقدم من نعم عظيمة أي: ولكم فضلاً عن كل ما تقدم نعمة أخرى تحبونها وتتطلعون إليها، وهذه النعمة هي نصر عظيم كائن من الله لكم وفتح قريب أي: عاجل وبشر المؤمنين أي: وبشر أيها الرسول الكريم المؤمنين بذلك حتى يزدادوا إيماناً على إيمانهم، وحتى تزداد قلوبهم انشراحاً وسرورا .
يقول المفسرون: هذه الآية الكريمة نصر من الله وفتح قريب من معجزات القرآن الكريم، الراجعة إلى الإخبار بالغيب، حيث أخبر سبحانه بالنصر والفتح، فتم ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه في أكمل صورة وأقرب زمن .
التمسك بالإيمان الصادق
الشيخ فرحات السعيد المنجي، من كبار علماء الأزهر يرى أن هذه الآيات الكريمة تحمل هدايات كثيرة ومتنوعة للمسلمين في كل العصور والأماكن، فهي تدفع المسلم دفعا إلى التمسك بالإيمان الصادق، وهذا الإيمان له خصائص ومواصفات ولابد أن يكون خالياً من الشوائب، وهو ليس شعاراً يرفعه المسلم ويتفاخر به بين الناس، بل هو عقيدة راسخة وعمل صالح وحرص على الخيرات وتمسك بالطاعات والفضائل .
والإيمان الصادق هو الذي يقود صاحبه إلى الجهاد في سبيل الله بالنفس والمال، وفي أحيان كثيرة يكون الجهاد بالمال أهم من الجهاد بالنفس لحاجة المسلمين إلى المال والدعم الاقتصادي، فإخواننا في غزة ليسوا في حاجة إلى من يقاتل في صفوفهم، بل هم في أمس الحاجة إلى الأسلحة والمعدات العسكرية والدعم الاقتصادي الذي يمكنهم من التصدي لأبشع قوة احتلال عرفها التاريخ .
وقد وعد الخالق سبحانه أصحاب الإيمان الصادق والمجاهدين بالمال والنفس بمكافآت مجزية حيث يستحقونها، وعدهم بغفران ذنوبهم وإدخالهم جنات تجري من تحتها الأنهار بها مساكن طيبة، وما أعظم هذه المكافأة التي تضاف إليها مكافأة أخرى وهي نصر الله الذي وعد به كل المؤمنين .