تجربة السرد الروائي في سلطنة عمان

لا يتعدى عمره 20 عاماً
05:17 صباحا
قراءة 8 دقائق

تعتبر تجربة كتابة الرواية من التجارب الأدبية الحديثة في سلطنة عمان، بحيث لا يتعدى عمر نشأتها العقدين من الزمان، فلقد نشرت أولى الروايات عام ،1981 أي بعد قيام النهضة العمانية عام 1970 عندما قام أولاد الأديب العماني عبد الله الطائي بنشر رواية الشراع الكبير، ونشر بعض الأدباء محاولتهم الروائية في تلك الفترة، إلا أن هذه المحاولات لم تكن كافية لتشكيل ملامح فن روائي في عمان.

ولقد بدأت التجارب الفعلية لكتابة الرواية في الظهور، عندما أصدر سعود المظفر رواية رجال وجليد عام 1988 وأصدر سيف السعدي روايتين في العام نفسه هما: (خريف الزمن ،1988 وجراح السنين 1988)، وبعد ذلك أصدر المظفر عدداً من الروايات وأصدر الناصري عدداً من الروايات التي كانت تتراوح بين القصص الطويلة والتأليف السردي القائم على التطويل في الأحداث وتعدد الشخصيات، من دون أن تحقق تلك القصص الشروط الفنية لكتابة الرواية، وكانت تعاني من قصور في تصنيفها ضمن أطر الرواية الفنية، كما أصدر سيف الرحبي في الفترة نفسها سيرة طفل عماني وهي قصة أشبه ما تكون بالسيرة الذاتية. وبهذا تعد التجربة الروائية في عمان حديثة العهد مقارنة بالبلدان العربية الأخرى التي سبقت التجربة العمانية بمراحل عدة.

ولم تكن الرؤية الفنية لكتابة الرواية مكتملة لدى أغلب كتاب الرواية في عمان في تلك الفترة، وما بين ملائكة الجبل الأخضر لعبد الله الطائي 1963 التي تُعَدّ تاريخياً أولَ رواية عمانية وهمس الجسور لعلي المعمري 2007 شهدت الرواية العُمانية على مدار ما يقرب من نصف قرن عددا قليلا من الروايات (بالمقارنة مع هذه المدة الطويلة)، وقليلٌ من هذا القليل يُمكن قراءتُه من زاوية نظر فنية في حين أن الزاوية السوسيولوجية الأدبية هي الأنسب لقراءة بقية الروايات.

وتتفاوت هذه التجربة الروائية الحديثة في الفن والمضمون بين تقنيات الرواية المتقنة وبين الأساليب التقريرية والإنشائية والتفاوت بين الرواية والسيرة الذاتية، وعلى رغم حداثة هذه التجربة وتفاوت مستويات كتابها إلا أنها أفرزت في السنوات القليلة الماضية الكثير من القصاصين، كما أن الإصدارات الروائية في تصاعد مستمر، حيث بلغ مجموع الإصدارات الروائية أكثر من 30 رواية منذ بداية الثمانينات.

الطابع القومي

ويعد عبد الله الطائي المولود عام 1927 من الكتّاب الرواد في مجال كتابة الرواية في عمان وفي الخليج أيضا، حيث بدأ كتابة السرد القصصي والروائي منذ الستينات من القرن الماضي، ويغلب على موضوعات قصصه ورواياته الطابع القومي نتيجة معاصرته في تلك الفترة لانتشار المد القومي، وحتى موضوعاته المحلية كانت تتحدث عن الأوضاع ما قبل النهضة، وعن حالة التخلف والجهل التي كانت تسود الشعب العماني في تلك الفترة. وهو بهذا لا ينتمي إلى جيل النهضة ولكنه يمثل مرحلة الريادة الأولى والمبكرة جدا في تاريخ الأدب الحديث في سلطنة عمان، وكتابة الفن الروائي عند عبد الله الطائي كما تمثله روايتاه ملائكة الجبل الأخضر والشراع الكبير، تؤكد أنه كان روائيا قبل أن يكون كاتبا للقصة القصيرة، وحتى في هاتين الروايتين كان الطائي صاحب توجه قومي وتحريري، ففي رواية الشراع الكبيرة وهي الرواية التي طبعت في ما بعد في عصر النهضة العمانية كان مضمونهما عن قصة تحرير عمان من الاحتلال البرتغالي والمغامرة التي خاضها العمانيون في التخلص من هذا الاحتلال، ورواية ملائكة الجبل الأخضر تحكي تجربة الشعب العماني في مقاومة التدخل الأجنبي في شؤون عمان وذلك من خلال مقاومة الشعب العماني للتدخل الانجليزي ضد الثوار في الجبل الأخضر أثناء فترة ما قبل النهضة العمانية وانقسام البلاد بين جبهتي الإمامة وحكم السلطان سعيد بن تيمور حينما كانت تعيش البلاد في فترات التخلف والانقسام. تُعَد ملائكة الجبل الأخضر لعبد الله الطائي تاريخيا أولَ رواية عُمانية، وقد صدرت عام 1963.

ويذكر الدكتور محسن الكندي مؤلف كتاب عبد الله الطائي حياة ووثائق أن الطائي بدأ كتابة هذه الرواية في البحرين عام ،1958 وأتمها في الكويت عام ،1962 وطبعها في بيروت (مطابع الوفاء) عام 1963 وهذه الدائرة توافق مجال الحركة لشخصيات الرواية وأحداثها المرتسمة في أبعاد مكانية كثيرة، وهو توافق يرجع في الوقت ذاته إلى حياة الطائي المتنقلة.. أما الرواية الثانية لعبد الله الطائي: الشراع الكبير فهي رواية تاريخية تتحدث عن كفاح العمانيين ضد المستعمر البرتغالي في القرن السادس عشر. مستلهمة أهداف الوحدة والتكاتف والثورة ضد الاستعمار. وقد كتب الطائي هذه الرواية ما بين عامي 1969- ،1971 وتولى أبناؤه طباعتها بعد وفاته. وترى الناقدة العُمانية آمنة ربيع أن كلا العملين (ملائكة الجبل الأخضر والشراع الكبير) يقتربان من جنس السيرة الأدبية، المغلفة بنكهة روائية، أو بنكهة مذكرات شخصية، حيث من الصعوبة إدراجهما تحت مظلة الفن الروائي الفني إلا من باب المجاملة، مشيرة إلى أن ريادة الطائي هنا زمنية وليستْ إبداعية.

ويعد سعود المظفر المولود عام 1953 أول من نشر رواية في عمان من الكتاب المعاصرين، وقد بدأ كاتبا قصصيا، فلقد نشر روايته الأولى رمال وجليد عام ،1988 ثم رواية المعلم عبد الرزاق عام ،1989 وقد تناول المظفر في قصصه كما في رواياته الأوضاع في عمان قبل النهضة، وقضايا التطور الاجتماعي الذي مر به المجتمع خلال فترة التحول بعد النهضة في رواية مثل؛ الشيخ وإنها تمطر في ابريل ورجال من جبال الحجر، وعكس جزءا من التغير الاجتماعي، بالإضافة إلى ظهور مجموعة من الظواهر الاجتماعية التي تعزز البعد المادي ورؤية المجتمع للمادة والتخلي عن القيم الأخلاقية، كما أنه صور في بعض رواياته البعد الرومانسي للمجتمع في مثل قصة الشيخ وعاطفة محبوسة، كما نجد في بعض قصصه اهتماما بموضوع الغيبيات مثل السحر والمغيبين وإيمان الناس به وتأثيره فيهم وذلك في رواية المعلم عبد الرزاق.

وقد نشر إلى الآن حوالي ثماني روايات وبذلك فهو يعد كاتبا روائيا أكثر منه كاتب قصة، وهو من أكثر الكتاب الذين أصدروا روايات وهو متخصص في الكتابة الروائية لكنه يبدو أنه كاتب بلا قراء وقد أصدر عدداً من الروايات (رمال وجليد ،1988 المعلم عبد الرزاق ،1989 رجل وامرأة 1990 (وقد ترجمت هذه الرواية إلى اللغة الإنجليزية)، الشيخ ،1991 رجال من جبال الحجر 1995 وهي ثلاثية صدر الجزء الأول منها فقط، إنها تمطر في أبريل ،1997 عاطفة محبوسة 1998) فيما أصدر سيف السعدي جراح السنين 1988، وخريف الزمن 1988، والجانب الآخر 1989، وأصدر حمد الناصري (أوجاع الزمن الماضي ،1989 الليلة الأخيرة ،1989 ساعتي لا تزال تدق ،1990 مأساة في المدينة ونيران قلب ،1993 حكاية سوداء 1995).

وفي هذه المرحلة أصدر مبارك العامري ما يمكن أن نسميها محاولات أدبية جادة لكتابة القصة القصيرة الطويلة أو بدايات كتابة الرواية، مدارات العزلة ،1994 شارع الفراهيدي 1996.

وتتكون هذه المرحلة من عدد كبير من الكتّاب الذين تتفاوت مستوياتهم بالنسبة للرؤية والفن والتجربة ولكنهم يسعون إلى هدف رئيسي وهو البحث عن كتابة روائية مغايرة لما درج عليه كتاب المرحلة الأولى، وأغلب كتاب هذه المرحلة أصدروا مجموعات قصصية متفاوتة المستوى والتجربة، ولكنهم يمثلون صوت الرواية العمانية الجديد، وتغطي هذه المرحلة تقريبا منذ بداية العام 2000 وحتى الآن.

وأصدرت بدرية الشحي التي كانت في الأساس كاتبة قصة قصيرة رواية بعنوان الطواف حول الجمر والتي تعد أول رواية عمانية تكتبها عمانية. وهذه الرواية التي صدرتْ عام 1999 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت هي صرخة احتجاج ضد قمع المرأة، ودعم لها في نضالها من أجل حريتها وحقها في اختيار شريك حياة تحبه وتتزوجه وفقا لاختيارها. وتدور أحداث الرواية في الستينات من القرن الماضي.

ثم توالت صدور الروايات العمانية فلقد أصدر محمد بن سيف الرحبي وهو كاتب قصة قصيرة في الأصل وله ثلاث مجموعات قصصية أصدر ثلاث روايات هي رحلة أبو زيد العماني عام ،2005 وأصدر حسين العبري ثلاث روايات وهي دياز بام ،2001 والوخز ،2006 وأخيرا رواية المعلقة ،2008 ويبدو أيضا حسين العبري مهموما بالقضايا الاجتماعية والسياسية التي يمر بها المجتمع العماني، وأصدر محمد عيد العريمي روايتين الأولى بعنوان مذاق الصبر ،2001 والثانية حز القيد ،2005 والثالثة بين الصحراء والماء،2006 ويبدو مشغولا بهمومه الذاتية ففي رواية مذاق الصبر يصور العريمي معاناته مع الشلل وكيف تحول من شخص سليم معافى إلى شخص مشلول فهو يكتب سيرته الذاتية في هذه الرواية.

وقد شهد عام 2006 مسقط عاصمة الثقافة العربية صدور العديد من الروايات العمانية لكتاب قصة وهم يعدون الأحدث تجربة في كتابة القصة القصيرة. أما الفترة من 2000 إلى 2007 فهي فترة ظهور روايات عُمانية مختلفة عن السائد آنذاك لكتاب شباب يقتحمون عالم الرواية للمرة الأولى، إذ لم يستمر من روائيي القرن العشرين سوى علي المعمري الذي أصدر أيضا روايتين أخريين هما: رابية الخطار (2003) وهمس الجسور (2007).. وما يميز روايات هذه الفترة أنها استفادت في معظمها من اشتباك كتّابها بالمنجز الروائي العربي والعالمي فباتت في كثير منها أقرب إلى الفن الروائي الحقيقي، متجاوزة فنيا مثيلاتها في القرن العشرين، كما صدرتْ روايتان لغالية فهر آل سعيد (أيام في الجنة وصابرة وأصيلة)، إضافة إلى روايتين لمحمد عيد العريمي هما حز القيد وبين الصحراء والماء، وكان قد سبقهما بسيرته مذاق الصبر التي روى فيها قصته مع الإعاقة وقهرها.. كما صدرت رواية واحدة لكل من الأسماء التالية: محمد سيف الرحبي (رحلة أبوزيد العُماني)، وجوخة الحارثي (منامات) وعبد العزيز الفارسي (تبكي الأرض يضحك زحل)، ويعقوب الخنبشي (السفر آخر الليل)، وبدر اليحمدي (الإياب)، وحسن اللواتي (البحث عن الذات)، وأنور المشايخي (المفاتيح السبعة).

وقد اختلفت موضوعات هذه الروايات وتفاوتت بين البحث عن الذات وبين تتبع التغير الاجتماعي والتغيير الذي أصاب المكان والإنسان العماني، والبحث عن علاقة الذات والشخصية العمانية بالآخر الغربي والوافد، ولقد حاول أكثر من قاص وروائي رصد ملامح التغير الاجتماعي الذي مر به المجتمع العماني أثناء تطوره من مجتمع تقليدي إلى مجتمع متطور ومنفتح على كافة أشكال الثقافات ومظاهر التطور والمدينة، ودراسة أشكال التحول الاجتماعي الذي مر به المجتمع من خلال تناول كتاب الرواية لمختلف قضايا المجتمع ونظرتهم لدور المرأة، وتقديم مختلف صور التغير الاجتماعي، فظهر نموذج رجل الأعمال المعاصر الناجح، وأصبح هذا النموذج مادة خصبة قابلة للتحول والتلون واستيعاب ظروف التغير الاقتصادي والاجتماعي التي صاحبت المجتمع العماني، ويعد سعود المظفر من الذين عملوا على إبراز هذا النموذج في كافة أعماله إلى حد كبير.

تحولات

كما اشتغلت بعض الروايات على رصد بعض الأحداث السياسية المهمة التي مرت بعُمان وترجمتُها إلى أعمال روائية ترصد تحولات أبطال هذه الأحداث ومصائرهم، يتجلى هذا في رواية رحلة أبو زيد العُماني لمحمد الرحبي التي تتحدث عن التنظيم السري المحظور الذي أعلن اكتشافه في سلطنة عمان عام ،1994 ورواية الوخز لحسين العبري التي تسرد وقائع التحقيق مع أحد المتهمين في تنظيم آخر أُعلن عن اكتشافه عام 2005. ويمكن اعتبار رواية حز القيد لمحمد عيد العريمي تنضوي إلى هذه النوعية من الروايات رغم أنها لم تسم المكان العماني صراحة.

وكان لحضور الإنسان الوافد الذي غزا حضوره المجتمع العماني وكان لهذا الحضور سلبياته وايجابياته كان لهذا الحضور مكانة في الرواية العمانية، كما في روايات الشراع الكبير ورجال من جبل الحجر ورمال وجليد ورجل وامرأة، و1986، إلا أنها روايات لم تتحرر من الصورة النمطية للآخر، وتوفرت على قدر كبير من الأحكام المسبقة والجاهزة، ولا يمكن الاعتداد برصدها لهذه العلاقة سوى من ناحية أنها تساعد الباحث على تقديم بعض المقاربات للمتغيرات الاجتماعية الجارية في المجتمع والتي أفرزتها المتغيرات الاقتصادية بسبب الطفرة النفطية، من حيث الأيدي العاملة الآسيوية وما نتج عن ذلك من تشظيات في بنية المجتمع، وخروج المرأة للعمل.

وتذهب الناقدة آمنة الربيع إلى أن هذه الأعمال تساعدنا على التعرف إلى حركة نمو المجتمع العماني، وكأنها شبيهة بوثيقة، وليس بعمل فني.

ومن الموضوعات التي تناولها الكاتب العماني الحضور المباشر للتاريخ العُماني والعربي وكما يتبدى لنا في روايات: ملائكة الجبل الأخضر والشراع الكبير لعبدالله الطائي، ورجال من جبال الحجر لسعود المظفر، ومن الجانب الآخر لسيف السعدي، وهمس الجسور لعلي المعمري، ورحلة أبو زيد العُماني لمحمد الرحبي.

وفي ما يخص الجانب الفني للرواية العُمانية فقد طغى استخدام الراوي العليم الواسع المعرفة على معظم الروايات العُمانية التي صدرت قبل عام ،2000 لا سيما في أعمال عبد الله الطائي وسعود المظفر وسيف السعدي، ولم تتجاوز أعمال مبارك العامري وبدرية الشحي ذلك الأسلوب، على الرغم من توفر بعض المقاطع السردية والوصفية، التي يتخلى فيها الراوي عن هيمنته المطلقة، تاركا المجال لمكونات السرد الأخرى الإفصاح عن رؤيتها.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"