يُعد «المكان» من أهم الثيمات التي يتم توظيفها من قبل الفنانين التشكيليين، لكونه شديد الارتباط بمشاعر الشوق والحنين، وتلك الأيام التي مضت. فالمكان هو مستودع الذكريات، والبقعة الحافلة بالصور والأحداث والمشهديات، وكل ما يفعله الفنانون التشكيليون، سواء في لوحاتهم، أو تكويناتهم، أو أعمالهم المفاهيمية، هو استنطاق المكان ليعود نحو أزمنة مضت يقف هو شاهداً عليها.
تُعتبر الفنانة ميثاء الحمدان من المبدعات الإماراتيات الصاعدات بقوة في مشهد الفنون؛ فهي تتميز بقدرة كبيرة على تحويل المفاهيم العاطفية والتاريخية غير الملموسة إلى تجارب بصرية غامرة. وتعتمد في أسلوبها الفني على استخدام الضوء ليس كأداة للرؤية فقط، وإنما كمادة أساسية للبناء الفني، بخاصة من خلال «الألياف الضوئية» التي تمنح أعمالها طابعاً «أثيرياً»، كأنها قادمة من عالم الأحلام، فتدور معظم أعمالها حول الذاكرة الجمعية والفردية. هي لا تقدم الفن للزينة فحسب، بل تستنطق الأماكن مثل الواحات والبيوت القديمة، لتعيد إحياء القصص التي نسيتها الجدران، أو الأشجار، ما يجعل المشاهد يشعر بحالة من «النوستالجيا»، أو الحنين.
ولعل من أبرز أعمالها التي تتجلى فيها تلك القدرة التصويرية ذاك التجهيز الفني الذي يحمل عنوان «نفس المكان ذاته»، وهو عبارة عن مشهد بصري يمزج بين الواقع والخيال. ففي وسط تلك المشهدية المعبرة تبرز شجرة ضخمة تبدو كأنها «كائن نوراني»، فالضوء لا يسقط عليها من الخارج بقدر ما ينبعث من داخلها، إذ تلتف خيوط الضوء حول الجذع بكثافة صاعدة نحو الأغصان لتشكل ما يشبه الجهاز العصبي، أو العروق المتوهجة التي تضخ الحياة في الشجرة، بينما تتدلى مئات الألياف الضوئية من الأغصان العالية، وتنتشر على الأرض في مسارات عشوائية ومنحنية، تشبه خيوط العنكبوت المضيئة أو مسارات الطاقة. هذه الخيوط تعطي إحساساً بالسيولة والحركة، كأنها ذكريات سائلة تنسكب من الشجرة نحو الأرض فتغمر المكان
بوابة الزمن
يقع العمل في بيئة ليلية هادئة وبديعة «واحة الجيمي في مدينة العين»، إذ توفر الجدران الطينية القديمة والظلال الداكنة، خلفية تبرز التناقض بين العتمة والضوء، ما يجعل الشجرة الرئيسية المضيئة تبدو كأنها منارة، أو «بوابة زمنية» وسط السكون. ويتحقق حضور الإنسان من خلال وجود طفل صغير بجانب الشجرة بصورة تمنح المشهد بعداً درامياً، تبرز ضخامة العمل الفني، وتؤكد فكرة الدهشة والتواصل بين الأجيال وهذه «الذاكرة المضيئة».
يحتشد التجهيز بالجماليات التي تضيف إليه بعداً ساحراً وحالماً، فالأضواء تنعكس بشكل خافت على الأحجار المرصوفة تحت الشجرة، ما يوسع نطاق العمل الفني ليشمل المكان المحيط بالكامل، ويجعل الزائر يشعر بأنه يسير «داخل» العمل وليس مجرد مراقب له. إذ إن هذا المشهد المتوهج، الذي يكاد ينطق بأسراره، يجمع بين رهبة الماضي والذكريات المتمثلة في الواحة والشجرة، وشاعرية الحاضر المتحققة في الضوء، ليخلق تجربة بصرية هي أقرب إلى «حلم يقظة».
تقنيات
تميل الفنانة ميثاء إلى دمج التكنولوجيا المعاصرة بالعناصر الطبيعية، في عملها هذا، إذ تكمن البراعة في توظيف الضوء بحيث لا يبدو غريباً على الشجرة، ما يعكس فلسفة الفنانة في أن الماضي لا يموت بل يتجدد. ويلاحظ المشاهد تلك البساطة في التجهيز التي لا تخلو من العمق والحاجة إلى التأويل، فقد تجنبت ميثاء ازدحام التفاصيل، وعملت على ترك مساحة واسعة للصمت والتأمل، ما يسمح للزوار بالتفاعل عاطفياً مع العمل بعيداً عن التعقيد البصري. وفي هذا التجهيز الشاعري، استطاعت الفنانة خلق توازن بين «الظلام» و«الضوء»، وبين «الثبات» المتمثل في الشجرة أو الجدران، و«الحركة» المتحققة في انسياب الأضواء، ما يولد إحساساً بالسكينة والرهبة، في آنٍ واحد.
العمل حافل بالمعاني العميقة؛ فهو يرمز بشكل أساسي إلى «مرور الزمن»، وتشير الأضواء الانسيابية إلى الروابط الروحية التي تشد المرء نحو جذوره كأنها نداء قادم من الماضي البعيد. والعمل في مجمله يعيد استكشاف علاقتنا بالتكنولوجيا بوصفها أداة لتعميق صلتنا بالأرض وليست وسيلة انفصال، فالجدران الطينية الساكنة في الخلفية تجعل الشجرة كأنها انفجار للذاكرة وسط سكون التاريخ، كما أن تلك الخيوط الكثيفة الممتدة على الأرض ليست مجرد زينة، بقدر ما هي تعبير بصري يؤكد أنه مهما ابتعدنا نظل مرتبطين بالجذور.
«نفس المكان ذاته»، عمل يستنطق صمت الجدران الطينية، وأشجار الواحات، ويعيد صياغة العلاقة بين الماضي والحاضر. المكان هنا ليس ساكناً، بل هو كيان يتنفس عبر «الألياف الضوئية» التي ترمز لسيولة الذكريات واستمراريتها في دفق لا يتوقف، كأنها نهر جارف لا تعيد تشكيل الأمكنة فقط، بل وذواتنا كذلك.
نفس المكان ذاته