ظلت الثقافة السائدة في سلطنة عُمان هي الثقافة التقليدية المبنية على علوم الدين الإسلامي وفنون اللغة العربية، ولم تعرف التعليم النظامي الحديث إلا في النصف الأخير من القرن العشرين في شكل بعثات طلابية إلى بلدان عربية، أولاً ثم في شكل مدارس نشأت بعد انجلاء الانتداب البريطاني عن السلطنة في بداية السبعينات، ونتيجة لذلك فقد ظل الإنتاج الأدبي فيها مقصوراً على الشعر الكلاسيكي بنوعيه الفصيح والنبطي، وسوف تشهد ابتداء من السبعينات، ومع وجود مجموعات من المثقفين الذين تشبعوا من الثقافتين العربية والثقافة الغربية، تغيراً في الحساسية الأدبية وتطوراً في الأجناس الإبداعية، وسيعرف الشعر تبعاً لذلك تطوراً جذريا مع هؤلاء المثقفين الجدد تحت تأثير سياقات ثقافية عربية وغربية، وقد عززت من هذا التطور نشأة الصحافة العمانية التي أصبحت منبراً للأدباء يقدمون من خلالها إنتاجهم ويعرضون فيها آراءهم وأفكارهم، فامتلأت الصحف بالمقالات الأدبية والموضوعات الثقافية وظهرت فنون الكتابة الجديدة من قصص ومسرحيات ومقالات اجتماعية ونقدية، وأول صحيفة ظهرت كانت صحيفة الوطن ،1971 وجريدة عمان ،1972 ومجلة العقيدة ،1972 ومجلة الأضواء ،1974 كما بدأ الشعراء في هذه الفترة بنشر دواوينهم، فشهد عام ،1975 إصدار أول مجموعة شعرية عمانية وهي ترنيمة الأمل للشاعر سعيد الصقلاوي، وتذكر الروايات قبل ذلك أن السلطان فيصل بن تركي (1888- 1913) أمر بطباعة ديوان أحد شعرائه المقربين وهو سعيد بن مسلم المجيزي، فطبع على نفقته في اليابان وكان بعنوان الشعر العماني المسكتي، لكن تلك كانت حالة فريدة لم تتبع بمثيلات لها حتى تكون ذات أثر، وتبعا لتلك المعطيات يمكن تمييز مرحلتين تاريخيتين عاشهما الشعر العماني، الأولى مرحلة ما قبل الاستقلال، والثانية هي مرحلة ما بعد الاستقلال.

يتفق المؤرخون على أن مصطلح الشعر العماني يطلق قديماً على ذلك الشعر الذي أنتج بين أرض عمان والمهجر العماني في شرق إفريقيا المعروف ب زنجبار، التي ظلت لقرون تابعة لسلطنة عمان إلى أن احتلتها بريطانيا، وقضت باتباعها لتنزانيا عند استقلالها عام ،1964 فبين هذين الإقليمين عاش عدد كبير من العلماء والأدباء والقضاة الذين تركوا أشعارا كثيرة شاهدة على فترات الازدهار التاريخي الذي عرفته سلطنة عمان.

وقد مثل شعراء الفترة العمانية الأولى بإقليميها العُماني والإفريقي أبو مسلم ناصر بن سالم الرواحي، وسعيد بن خلفان الخليل، وعبد الله بن سعيد بن خلفان، ونور الدين السالمي، وابن شيخان، وعبد الله الخليلي، وخالد بن هلال الرحبي، وأبو سلام الكندي، وهلال بن بدر البوسعيدي، وعبد الله الطائي، وأبو سرور، وأبو وسيم، وأحمد بن حمدون الحارثي، وكثيرون غيرهم.

ولا يخرج شعر هذه الفترة عن الأغراض الشعرية التلقيدية من مدح ورثاء وفخر وغزل، فهي امتداد لما استقر عليه الشعر العربي في عصوره السابقة، وفيها تكرار لأنماط الصورة البيانية وفنون المحسنات البديعية وتمسك بمقاييس عروض الشعر، على نحو ما يفعل أبو سلام سليمان بن سعيد بن ناصر الكندي (1875-1960) في الأبيات التالية، يقول:

نزح الدمع من العين بكاها

إذ غدا القلبُ أسيراً في هواها

فطلبتُ الوصلَ منها فانثنت

تتهادى وهي تمشي خيلاها

سفَرَتْ عن وجهها فانبلجتْ

شمس حسنٍ تتلالا بسماها

علَّمتني السحرَ من مقلتها

إذ رمتْ أسهمها عن مقلتاها

وأرتني الوردَ من وجنتها

خجلاً فأحمر منه وجنتاها

على أنه في أواخر هذه الفترة ومع ظهور الاستعمار وما نتج عنه من صدام حضاري وخلخلة في النظرة التقليدية للكون، سوف يبدأ الشعراء بإدخال موضوعات جديدة إلى شعرهم وإن حافظوا على التقاليد الفنية، فتظهر موضوعات وطنية كالدعوة للوحدة ورص الصفوف والأخذ بأسباب العلم، ودينية كالحث على التقوى والاعتداد بالإيمان وغيرها، يقول عبد الله الطائي (19241973) متنوها بتفوق مجموعة من الفتيات العمانيات في دراستهن.

والعلمُ يدني المستحيلَ فلم يذرْ

أرضاً ولا جواً ولا عنقاء

فتياتنا بالفوزِ نلتنَّ المنى

وبها تنلنَ الفخرَ والنعماء

آباؤكنَّ على الجبين فخارهم

يكسو المواطنَ عزةً وسناء

والشعبُ قد فرشَ القلوبَ مرحِّبا

أَمَّ المطار رجاله ونساء

العرب حولكُم مضوا في نهضة

تعلي النفوسَ معزَّةً وعلاء

وبلادكنَّ قضى على أمجادها

بغيٌ تطاولَ شدَّةً وشقاء

وعدا على حرماتِها فتحطَّمتْ

آسادها واستسلموا استخذاء

ضاقت على أبنائها فتشرَّدوا

وتجزَّأتْ أرجاؤها أنضاء

يا أمنّا الكبرى عمان تفاءلي

فالعلمُ سوفَ يبدّدُ الظلماء

بعد الاستقلال

أتاح ظهور الصحافة في عمان والخليج وانتشار وسائل طباعة الكتب والتواصل مع العالم الخارجي للأدباء العمانيين تطوير أدائهم الأدبي والاطلاع على الأدب العربي في البلدان العربية التي سبقتهم في نهضتها الأدبية، ونظرا لكون الحركة الأدبية الحديثة في عُمان كما في الخليج عامة، جاءت متأخرة عن مثيلاتها في مصر وبلاد الشام والعراق، فقد ظهرت متأثرة بالاتجاهات الأدبية في تلك البلدان ونتيجة لذلك سنصادف في هذه الفترة تعايشاً لجميع التيارات الأدبية التي سادت الشعر العربي منذ بدايات النهضة إلى تلك اللحظة، فنجد الشعر الإحيائي الكلاسكي والرومانسي والرمزي والواقعي، كل ذلك يتواجد على صفحات تلك الصحف وفي المجالس الأدبية وفي الدواوين الأدبية، وقد نصادفها كلها أو بعضها عند شاعر واحد حسب فترات اطلاعه على هذا الاتجاه أو ذاك، وأبرز مثال على هذا المزيج سعيد الصقلاوي في ديوانه الصادر 1975 وذياب بن صخر العامري في ديوانه عام 1981 الذي راوح فيه بين الكلاسيكية والرومانسية، على أن الجامع الذي يجمع أصحاب كل تلك التيارات هو صدورهم جميعاً عن عمود الشعر في مكونه الأساسي وهو الوزن الخليلي، ومن هؤلاء الشعراء محمود الخصيبي، وذياب بن صخر العامري، وسعيد الصقلاوي، وسيف الرمضاني، وعلى بن شنين الكحالي، وعبد الله بن صخر العامري وهلال السيابي وهلال الحجري وغيرهم.

كما واكب هذا الاتجاه اتجاه آخر عرف أصحابه بشعراء الحداثة هو امتداد لذلك التيار الذي اكتسح الساحة الأدبية العربية منذ منتصف القرن العشرين ورسخه أصحاب مجلة شعر في ستينات القرن الماضي، وكانت صحف البحرين يومئذ من أنشط الصحف الخليجية، وقد انخرط عدد من شعراء عمان بسرعة في هذا الاتجاه متأثرين بهذه الدعوة وبما اطلعوا عليه في البلدان العربية أثناء دراستهم فيها.

على أن اتجاه الحداثة سوف يتمايز بفعل تغير المفاهيم الأدبية إلى اتجاهين، هما شعراء قصيدة التفعيلة وشعراء قصيدة النثر، وقد كتب قصيدة التفعيلة أغلب شعراء هذه الفترة ممن كانوا يكتبون الشعر الخليلي، من أمثال سعيد الصقلاوي وهلال العامري وهلال الحجري، ولن يلبث شعراء التفعيلة أن ينضموا إلى شعراء القصيدة الخليلية في معركتهم ضد أصحاب قصيدة النثر الذين سعوا إلى تحرير الشعر من كل قيد وشرط مسبق، واعتبروا أن قصيدة التفعيلة ما هي إلا شكل كلاسيكي رجعي ينبغي تجاوزه، واستأثروا لأنفسهم بدعوى الحداثة، وقد أسهم شعراء التفعيلة بنصيب كبير في حركة الشعر العماني الحديث وكتبوا قصائد تدل على تمكنهم من أدوات الشعر الحديث واستيعابهم لسياقاته المختلفة، وانغراسهم في التربة الأصيلة للشعر العربي، يقول سعيد الصقلاوي في قصيدة ألأنك حر تعدم:

هل مكتوبٌ

أن تبقى تحت النعلِ،

وتحت السحلِ،

وتحت لهيب السوطِ

وتحت حصار الضغطِ

وبين نيوب الخوفِ

وتحت شفاه السيفِ

وفوق جبينك قهر يُضرمْ؟

ألانك حر تُعدمْ؟

ويقول هلال الحجري من معلقة محارب فينيقي

مساءُ الطفولة...

سيدةَ الرمل...

مساء الزمان الهلامي...

مساء الزمان الذي قُدَّ من صرح بلقيس (تحسبه لجة)

مساء الخرافات - لاشيء غير الخرافات-

نبتدئ الحب منها ونختتم القبلة الآخرة،

مساء الزمان الذي قد مضى،

مساء الزمان الذي لن يجيء

ويقول هلال العامري من قصيدة بيننا الجرح وذاكرة البحر

أتيتك بالورد بعد الحجاره

وخلت الكتابة حق

وخلت التفجر نهر

وعانق شعريَ صفو العباره

لكي يسجد الشعر عمدا

وينزف بالجرح مد

وتتسع الرؤية الفاصله

وتأتي الأبابيل مخفورة بالألم

وتأتي الحروف رصاصا

في المقابل برزت قصيدة النثر قوية مصحوبة بهالة إعلامية استمدتها من رموز شعرية مثلت أقطاب قصيدة النثر بما كان لها من صلات مع شعراء النثر في لبنان وسوريا ومصر، وعلى رأس أولئك قاسم حداد في البحرين، فقد حمل لواءها وشن هجموماً شرساً على الأشكال الشعرية الأخرى في مقالاته التي كان يكتبها في صحف البحرين، وكانت البحرين آنذاك محط أنظار المثقفين الخليجيين، أما الشاعر العماني سيف الرحبي فقد أتاحت له دراسته في مصر وعمله في تنقلاته بين لبنان وسوريا وغيرهما أن يربط صلات قوية برموز قصيدة النثر في هذه البلدان، ويصبح رائدا من روادها في عمان والخليج، وذلك عبر تنظيراته المختلفة ودواوينه الكثيرة التي منها (الجبل الأخضر) و(مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور) و(الرأس المسافر) وأخيراً (رجل من الربع الخالي)، (أجراس القطيعة)، وكذلك الشاعر العماني زاهر الغافري الذي عاش متنقلاً من بغداد إلى المغرب إلى أمريكا وأصدر مجموعات شعرية أهمها (الصمت يأتي للاعتراف) و(عزلة تفيض عن الليل).

وقد أعطى زخم تلك الأسماء دفعا قويا لقصيدة النثر في عمان واستقطب جمهورا من الشعراء غير قليل، منهم سماء عيسى، محمد الحارثي، وعبد الله الريامي، وناصر العلوي، ومبارك العامري، صالح العامري، وعاصم السعيدي، ويحيى اللزامي، ومحمد اليحيائي.

وقد جسدت قصيدة النثر روح الاغتراب والسفر والحنين وسعت إلى تفجير اللغة الشعرية والبحث عن صلات وتجاورات لغوية مفارقة لمنطق النحو والبلاغة التقليديين، من خلال محاولات تجريبية تستصحب معها أشلاء واقع الحياة الممزق من حولها في فسيفساء تصويرية ترسم خريطة غير مكتملة لدواخل الذات الشاعرة وما يعتمل فيها مما يطبعه الآخر الخارجي، في محاولة لا تنتهي للقبض على ذلك الغائر الشارد في الأعماق والذي لا يمكن القبض عليه، لأن معنى القبض عليه موت الشعر ونهايته، وهو في عرف شعراء قصيدة النثر لا يموت ولا ينتهي، بل هو في صيرورة دائمة من التجريب والتجاوز، وقد قدم أصحاب هذا الاتجاه تجارب عميقة منها على سبيل المثال هذا المقطع من قصيدة (بورتريه) للشاعر محمد الحارثي:

يسبقُ الصباح إلى النافذة

بقهوة مُرةٍ وريشةٍ ذهبية

بموتسارت جارحاً صوابه

في ربيع الصالة

يرسم ماءً في الماء..

طيوراً تطيل أهداب الحديقة

بومضةٍ أقصر من ظل..

صيادين، صَوارٍ، وقوارب

تلفظ أخشابها الأخيرة في بحيرته

الناجية من طوفان.