‬د‮. ‬ماهر أحمد السوسي 

‬ينقسم المال في‮ ‬الإسلام بالنظر إلى ملكيته إلى ثلاثة أقسام‮: ‬الملك الفردي‮ ‬الخاص،‮ ‬والملك الجماعي‮ «‬العام‮»‬،‮ ‬والمباح،‮ ‬الذي‮ ‬لا‮ ‬يملكه أحد‮.‬
والسبب الذي‮ ‬دعا الشرع إلى هذا التقسيم هو بيان صاحب الحق في‮ ‬الانتفاع بكل واحد من هذه الأقسام الثلاثة،‮ ‬وكيفية الانتفاع بكل صنف منها‮.‬
أما القسم الأول وهو الملك الفردي‮ ‬فإن صاحب الحق في‮ ‬الانتفاع به هو كل إنسان‮ ‬يمتلكه بوسيلة من وسائل الملك التي‮ ‬حددها الشرع نفسه، وذلك مثل‮:‬
1- ‬العقود المباحة‮: ‬مثل البيع والشراء،‮ ‬والقرض،‮ ‬والإجارة،‮ ‬والشركة،‮ ‬وغيرها من العقود المالية التي‮ ‬أباحها الله سبحانه وتعالى،‮ ‬ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى‮: «‬وأحل الله البيع‮» ‬وقوله تعالى‮: «إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ‮»...‬الخ‮.‬
2- ‬الانتقال الجبري‮ ‬للمال‮: ‬وذلك مثل الميراث،‮ ‬والوصية،‮ ‬والهبة،‮ ‬والصدقة،‮ ‬وغير ذلك من عقود التبرعات المتعارف عليها في‮ ‬الشرع،‮ ‬ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى‮: «‬يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» ‬إلى نهاية آيات الميراث في‮ ‬سورة النساء،‮ ‬وقوله سبحانه‮: «‬مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ‮» ‬وغير ذلك‮.‬
3- ‬إحراز المباحات‮: ‬وذلك‮ ‬يتم عن طريق الصيد في‮ ‬البر أو البحر،‮ ‬أو استغلال المال‮ ‬غير المملوك لأحد سواء كان فرداً‮ ‬أو الدولة،‮ ‬كالغابات والصحارى وغيرها،‮ ‬ومن أدلة ذلك قوله صلى الله عليه وسلم‮: «‬لأن‮ ‬يأخذ أحدكم حبلة ويحتطب خير له من أن‮ ‬يسأل الناس أعطوه أم منعوه‮».‬
هذا وقد حرم الإسلام الاعتداء على الملكية الفردية الخاصة،‮ ‬وقرر مجموعة من العقوبات لكل من‮ ‬يتجاوز هذا التحريم،‮ ‬ومن ذلك‮: ‬
تحريم السرقة لقوله تعالى‮: «‬وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا‮..».‬
تحريم أكل أموال الناس بالباطل‮: ‬لقوله تعالى‮: «‬وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ...» ‬وهذه الآية تنهى عن كل صور الاعتداء على الأموال بلا استثناء،‮ ‬طالما أنها بغير وجه حق‮.‬
تحريم النصب والاحتيال والتزوير‮: ‬لقوله صلى الله عليه وسلم‮: «‬لا‮ ‬يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه»
وأما القسم الثاني‮: ‬وهو الملك الجماعي «‬العام‮» ‬فإن صاحب الحق فيه هو كل أفراد المجتمع من دون اختصاص بأحد،‮ ‬فيباح لأفراد المجتمع الانتفاع من هذا المال كل بحسب حاجته،‮ ‬وبالقدر الذي‮ ‬لا‮ ‬يتعارض مع حاجات الآخرين،‮ ‬أو بالطريقة التي‮ ‬يحددها القائمون على هذا المال،‮ ‬وهم دائماً‮ «‬الدولة‮».‬
وهذا المال‮ ‬يتمثل في‮ ‬كل المؤسسات العامة مثل المشافي،‮ ‬والجامعات،‮ ‬والمدارس،‮ ‬والوزارات،‮ ‬وغير ذلك من مؤسسات الدولة،‮ ‬بما فيها معسكرات الجيش والأماكن الخاصة بالشرطة والدفاع المدني،‮ ‬والطرق والجسور،‮ ‬ومرافق الماء والكهرباء‮.‬

وكما أن الإسلام حرم الاعتداء على المال الفردي‮ ‬الخاص كما بينا سابقاً،‮ ‬فإنه أيضاً‮ ‬حرم الاعتداء على المال العام،‮ ‬بل جعله أشد تحريماً،‮ ‬والدليل على ذلك أن الشرع قد أضاف هذا المال إلى الله تعالى،‮ ‬وجعله حقاً‮ ‬من حقوق الله،‮ ‬وما كان ذلك إلا من أجل ردع كل من تسول له نفسه الاعتداء على هذا المال،‮ ‬حيث لا‮ ‬يجوز لفرد من الأفراد مهما كان،‮ ‬غنياً‮ ‬أو فقيراً،‮ ‬حاكماً‮ ‬أو محكوماً،‮ أن‮ ‬يحوز هذا المال ويمنع الناس منه،‮ ‬بشكل من الأشكال،‮ ‬فهو كما قلنا حق لله تعالى،‮ ‬ومعنى كونه لله تعالى أنه لا‮ ‬يجوز الاعتداء عليه،‮ ‬حيث الاعتداء عليه هو اعتداء على الله تعالى،‮ ‬ومن هو الذي‮ ‬يجرؤ أن‮ ‬يجعل نفسه خصماً‮ ‬لله سبحانه إلا أن‮ ‬يكون جاهلاً‮ ‬متغطرساً‮؟‬

أضف إلى ذلك أن الإسلام قد أجاز انتزاع الملكية الفردية لصالح ملكية الجماعة،‮ ‬وذلك مثلما حدث في‮ ‬زمن الفاروق عمر رضي‮ ‬الله عنه حينما رأى أن المسجد الحرام أصبح لا‮ ‬يتسع لجموع الحجيج،‮ ‬فصادر بيوت الصحابة رضي‮ ‬الله عنهم وهي‮ ‬ملكيات خاصة وضمها إلى المسجد الحرام وهو ملكية عامة مع تعويض كل واحد منهم عن بيته‮.‬

وكذلك ما فعله عمر أيضاً‮ ‬من جعل أرض العراق وقفاً‮ ‬على المسلمين جميعاً‮ ‬بدلاً‮ ‬من أن تكون ملكية خاصة للجنود الفاتحين،‮ ‬على اعتبار أنها‮ ‬غنيمة توزع عليهم‮.‬
أما القسم الثالث من المال فهو المال المباح الذي‮ ‬هو حق لمن تسبق‮ ‬يده إليه،‮ ‬و‬يجوز لكل شخص‮ استثماره واستغلاله بالطرق المشروعة كما بينت سابقاً‮.‬

أستاذ الفقه المقارن المشارك، رئيس لجنة الإفتاء في الجامعة الإسلامية - غزة