الموت الرابع اللازم للسالكين إلى الله هو تحمل الأذى من المخلوقين، وقد سماه الشيخ الاكبر بالموت الاسود لما يتركه الأذى في النفس من غم على المؤمن أن يناله، والغم أشبه بالظلمة السوداء، ولكن تحمل الأذى هنا ليس عن ضعف أو خمول أو قلة حيلة وانما عن صبر وعزيمة ومحبة لله وخلقه، كان الرسول الاعظم صلى الله عليه وسلم يحزن ويشفق على أعدائه الذين يؤذونه ولا يغضب ويسخط عليهم، وفي المرة الوحيدة التي أقسم فيها ان يثأر لعمه حمزة بعد ان استشهد في أحد ومثل في جسده بالتمثيل بسبعين من المشركين جاءه العتاب الرباني اللطيف الذي أجاز له ان يؤذي بقدر ما أوذي والعفو أفضل.

السالك إلى الله هو في حضور دائم مع الله يشهد أفعاله حتى في أفعال من حوله فإن أوذي من قبل واحد منهم دفعه ذلك إلى مراجعة نفسه فلعله قد قصر أو أساء مع ربه فجاءه العتاب أو العقاب عن طريق عبد من العباد، والسالك إلى الله لا يرى في نفسه الا أنه عبدالله وهي رتبة رفيعة يحرص ويغار عليها اي انه لا يملك تلك الأنا المتورمة التي يجب على الجميع ان يراعيها ويقدم لها فروض الطاعة والاحترام، من هنا كان تحمله الأذى لأنه راضٍ بما اراد الله له راضٍ بأن يؤذى في سبيل الله، راضٍ بأن يؤذى من قبل الجاهلين لأنه بعمله وحلمه واشرافه على صفات واسماء الله الحسنى اكبر من اكبر جاهل.

السالك إلى الله لايغضب لنفسه ولا يقتص لها، وهذا مما اثر عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وانما هو يغضب ان انتهكت حرمات الله، ماذا يعني ان يجهل الجاهلون عليّ وأنا مع الله وبالله وإلى الله؟

ونعود إلى ما نحن فيه وعليه، كل منا يشعر بأن له ذات وحمى لا يقدر آدمي على ان يقترب منها، الانتقاص من ذواتنا وحقوقنا سواء كان حقا أو توهما يزلزلنا ويملؤنا غضبا وحنقا وسفاهة في كثير من الاحيان.. لماذا كل هذا؟ لأننا نعول كثيرا على الوجود في هذه الدنيا ولا نهتم بالاخرة، نحن هنا ولسنا هناك، وهذه كارثة الكوارث، لأننا ما دمنا لا نرى ولا نعول إلا على وجودنا هنا فمن ذا الذي يقدر على ان يمسنا بأذى؟ فالغضب ورد الأذى بمثله أو بأكثر منه فيه معنى الغفلة، الغفلة عن حقيقة العبودية لله والخضوع له والاتصاف بالقدر البشري الممكن من صفات الحلم والرأفة والرحمة عنده عز وجل، لذلك قيل ان العارف بالله يجب ان يكون كالأرض، يطرح عليه كل قبيح ولا يخرج منه إلا كل مليح ويطؤه البر والفاجر.

نحن اليوم أبعد ما نكون عن هذه المعاني بل لعلنا نشعر بثقلها ونجزم بعدم معقوليتها والسبب اننا نحب أنفسنا أكثر من حبنا لله، نحن أنانيون في عصر الأنانية، في عصر تحقيق الذات والترويج لها، في عصر ما يسمى بقوة الشخصية والوقاحة الديمقراطية، لقد فقدنا معاني التسامح والتراحم وصار كل منا يبحث عمن يسبح بحمده حتى ولو نفاقاً.

وهكذا يحدد الشيخ الأكبر المعايير الأربعة الأولى في قياس الإيمان والتقرب وهو يسميها ميتات لأنها ميتات لخبائث النفس وولادات لطيباتها، ميتة التخمة الأنانية التي تضني الجسم والعقل والروح، ميتة لأهواء النفس التي لا تؤدي إلا إلى الخراب، ميتة لحب الظهور والكبر والرياء، ميتة لتورم الذات والغفلة عما سواها، والمصاب اليوم اننا جميعا إلا من رحم ربي قد أحيا ما يجب ان يكون ميتا فينا وأمتنا ما يجب ان يكون حيا.