إعداد: أشرف مرحلي
تبهرنا الطبيعة الساحرة من آن لآخر بظواهرها الطبيعية التي لا تقل أي منها عن الأخرى جمالاً . من هذه الظواهر الخلابة ظاهرة "هيسدالين" في أحد أودية النرويج . كرات مضيئة بحجم سيارة أنارت السماء لساعتين يومياً تقريباً على مدار قرن . كانت هذه الكرات في بعض الأحيان تندفع بسرعة في اتجاه الوادي قبل أن تختفي فجأة، ليظهر بعد ذلك ومضات باللونين الأبيض والأزرق تذهب وتجيء في زمن لا يتجاوز طرفة العين . وفي النهار تبدو وكأنها كرات معدنية تحوم في السماء . وما يثير العجب أنه عندما بدأت هذه الكرات المضيئة الظهور في السماء في بدايات الثمانينات ولأكثر من 20 مرة أسبوعياً، قال علماء الأجسام الطائرة الذين احتشدوا في وادي "هيسدالين" للاحتفاء بالظاهرة، إن الوادي ربما يكون البوابة إلى عوالم أخرى .
إلا أن الأمر كان مختلفاً بالنسبة لفريق دولي انخرط منذ فترة في دراسة ظواهر الأضواء الغريبة، إذ اعتبر أعضاؤه أن ما يحدث في الوادي شيء أكبر من مجرد أجسام طائرة، ولو تمكنوا من اكتشاف القوة التي يزخر بها المكان، فسوف يساعدهم ذلك ليس فقط على تفسير الظواهر المضيئة في بقع مختلفة من العالم، ولكن أيضاً يفتح المجال أمام ابتكار طرق غير تقليدية لتخزين الطاقة .
من دون شك سوف يكون لذلك أهميته لما للطاقة من دور أساسي في إدارة عجلة الحياة وما يستجد فيها من تقنيات بين الفينة والفينة . وينوي الفريق العودة إلى "هيسدالين" بعد فترة وجيزة لاختبار عدة نظريات متعلقة بأسباب توليد الضوء من هذه الكرات . وبالاستعانة بالمعلومات التي تحصلوا عليها من دراسات معملية سابقة، وبعدد من الأدوات وأجهزة الاستشعار الحديثة، يمكنهم اكتشاف أسرار سوف يكون لها بالغ الأثر في مجريات حياتنا .
وربما لم تكن الظاهرة لتتعدى مجرد هوس بالأطباق الطائرة، لولا مهندس الكمبيوتر في جامعة "إيرلنج ستراند"، النرويجية في مدينة أوستفولد في العام ،1982 كان "ستراند" ضمن الفريق الذي قصد النرويج لرؤية هذه الأضواء التي وصفها الإعلام النرويجي آنذاك بالأجسام الطائرة الغامضة، قال "ستراند"، الذي اختلفت آراؤه عن غيره "هناك أسباب فيزيائية وراء تحليق الكرات المضيئة في سماء النرويج" .
ولم يكن لدى أحد تفسير حول هذه الكرات، واعتقد ستراند أنه قد لا تكون هناك رغبة لدى العلماء في التوصل إلى تفسير مقنع لها .
وبعدما أصابه الإحباط، جمع لفيفاً من أصدقائه في العام ،1983 واستعار بعض المعدات العلمية، ومدفوعاً بنصائح كوكبة من علماء الفيزياء النرويجيين، أطلق برنامجاً حمل اسم "هيسدالين"، في محاولة لدراسة الأضواء علمياً . وفي أول زيارة له ولفريقه للوادي شاهدوا 188 شعاعاً ضوئياً في سمائه، من بينهم 53 شعاعاً كانوا متأكدين تماماً أنها ليست صادرة من بنايات أو بيوت، أو سيارات أو طائرات . وصور الفريق هذه الأضواء وأطلقوا عليها أشعة الليزر، وحددوا مسارات حركاتها باستخدام الرادار، وأجروا اختبارات عدة ساعدتهم في استنتاج أن تلك كانت ظاهرة من ظواهر الطبيعة الأصيلة، على الرغم من قلة ما لديهم من معرفة حول أسبابها .
وقاس الباحثون النشاط الإشعاعي وحركة الزلازل باعتبارهما مصدراً لطاقة هذه الأضواء، ولاحظوا تأرجحاً في المجال المغناطيسي في المنطقة قبل ظهور هذه الأضواء . وسرعان ما اختفت كما ظهرت، ما أجبر الباحثين على وقف المشروع إلى أن زار ستراند الوادي مرة ثانية في العام ،1993 ليكتشف أن السكان المحليين شاهدوا الأضواء في المنطقة بأسرها لكنهم آثروا الصمت بعد ما سخرت منهم الصحافة . ونظم ستراند مؤتمراً في "هيسدالين" في العام ،1994 حضره لفيف من الباحثين انصب اهتمام أغلبهم على الظواهر الجوية الغامضة مثل كرات النور، واعتبروا الوادي معملاً طبيعياً للظاهرة . وتمخض المؤتمر عن خطط لقياس حجم الضوء، وشكله، وسرعته، باستخدام الرادار، مع محاولة اكتشاف مكوناته . وقرر الباحثون أيضاً البحث عن عوامل كهربائية ومغناطيسية وجغرافية غريبة قد تسهم في تفسير ظهور كرات الضوء في هذه المنطقة دون غيرها . وعزمت مجموعة من الباحثين الإيطاليين، والنرويجيين، والفرنسيين على زيارة الوادي في سبتمبر/ أيلول من كل عام منذ العام ،2000 وإن كان جميعهم يعتبرون اللغز موضوعاً جانبياً لأبحاثهم العادية .
أظهرت نتائج قياساتهم أن هذه الأضواء عديمة الصوت وباردة، فلم يحدث أن أحرقت أرضاً أو شجرة . كما توصلوا إلى أدلة على أنها تحول الأرض إلى منطقة جدباء علاوة على فتكها بميكروبات التربة .
وفي إحدى المرات شاهد "ستراند" ضوءاً يسقط على الجليد، ولم يذب جراء ذلك، لكنه ترك أثراً واضحاً . وأظهرت التحاليل أنه لم تكن هناك أية ميكروبات في جليد تلك المنطقة، على الرغم من وجودها بالمعدل الطبيعي على بعد 15 متراً فقط . وفوجئ الباحثون بأنه في حالة عدم وجود الضوء، يحدث شيء آخر في أجواء الوادي، إذ أظهرت بيانات الرادار أصداء أصوات قوية من أجسام خفية . وأدرك أغلب الباحثين أن ما توصلوا إليه يؤشر إلى وقوف نوع من البلازما وراءه، فعندما يتأين أحد الغازات، فإنه يشكل سحابة من الأيونات والإلكترونات (البلازما) التي تطلق الطاقة في شكل ضوء عند إعادة تجمعها معاً . ومن الأشياء المعروفة لدى العلماء أن البلازما قاتلة للبكتيريا، كما أنها لا تصدر أضواءً مرئية بالضرورة، فأحياناً تتوهج في المنطقة تحت الحمراء أو فوق البنفسجية من الطيف .
ظل اللغز من دون حل . وبحسب مايكل كوبينز، أستاذ فيزياء البلازما في الكلية الملكية في لندن، لابد من رفع درجة الحرارة إلى 10 آلاف مئوية لنايين غاز ما، ويتطلب ذلك قدراً هائلاً من الطاقة . ولما كانت كرات الضوء تتشكل طبيعياً، قام فريق من العلماء الصينيين بقيادة جيانيونج شين من جامعة "نورثويست نورمال" في "لانزهو"، قاموا في العام 2012 بأسر إحداها في مهدها عندما كانوا يدرسون عاصفة في موقع ناءٍ في الشمال الغربي من البلاد . وسجلت معداتهم تجمعات ضوئية تضرب الأرض في مكان ليس ببعيد، لتتشكل كرة مضيئة بعرض خمسة أمتار جالت فوق رؤوسهم للحظات . وأثبت تحليل طيفها احتواءها على السيلكون والحديد والكالسيوم، وما أثار فضول الباحثين احتواء كرات "هيسدالين" المضيئة على الحديد والسيلكون أيضاً، إضافة إلى "السكانديوم"، وهو أحد العناصر التي يسهل تأينها والمنتشرة في المنطقة . ودلل ذلك على أن ظاهرة "هيسدالين" لاترتبط فيها الأضواء بالعواصف الرعدية، وأنها يمكن أن تظهر في أي وقت حتى مع سطوع الشمس .
يقول بجورن جيتل هوج، (مهندس كهربائي في جامعة أوستفولد في هالدين في النرويج)، والذي شاهد الظاهرة بنفسه منذ سنوات قليلة "لابد أن يكون هناك مصدر للطاقة يتسبب في تكون هذه الكرات التي يماثل حجمها حجم السيارة، ويحافظ على وجودها لساعات" . واعتقد أنه ربما يتميز شكل وادي "هيسدالين" وجوه المملوء بالميكروبات أو جغرافيته، ما يسمح بتكوين هذه الكرات ذات الشحنة الكهربائية الهائلة . ويرى هوج أن الرياح الشديدة يمكنها استثارة الكهربية الساكنة في الجبال . وأظهر بحث آخر أن الجليد أو الرمل الذي تحركه الرياح يمكن توليد شحنة ساكنة . ويقول: "تزخر قمم الجبال في "هيسدالين" بالحديد، ولدينا أجواء شتوية قارسة تهب فيها الرياح بسرعة شديدة، وربما تولدت الشحنة بسببها" .
وهناك فكرة أخرى تركز على أن الإشعاع قد يكون مصدر طاقة هذه الكرات، بخاصة عنصر "الرادون" المتحلل في الغلاف الجوي . صاحبا الفكرة جيرسون بايفا وكارلتون تافت من المركز البرازيلي لأبحاث الفيزياء في ريو دي جانيرو، نجحا في تصنيع كرة ضوئية وبلازما في مختبرهما . وفي ،2010 قالا إن كرات "هيسدالين" الضوئية تتكون من بلازما غبارية تحتوي على جزيئات غبار متأين . واستخدم الباحثان الرادون المتحلل لصنع بلازما غبارية واعتقدا أن شيئاً مشابهاً يحدث في "هيسدالين" . وتقبل "كوبينز"، في الكلية الملكية في لندن فكرة قدرة الإشعاع على تشكيل نوع ما من البلازما، بيد أنه لم يفلح البحث في العثور على إشعاع في "هيسدالين" .
وشرع "هوج" هذا العام في البحث عن الإشعاع في الوادي وثبت لهذا الغرض مجسات الرادون في المنطقة التي ظهر فيها ضوء شديد . وقال إن فريقه لم يعثر على صخور تشع الرادون بكميات قليلة لكنه أشار إلى وجود مناجم في الجوار ملأى بالماء .
وسوف يتخذ البحث منحى آخر أواخر هذا العام بقيادة جادر مناري من معهد لاسلكي الفلك في "ميديسينا" في إيطاليا، والذي يدرس الطيف الضوئي والظواهر الغريبة في وادي "هيسدالين" منذ العام ،1996 إلى جانب اهتمامه بجغرافية الوادي الغريبة بحثاً عن أدلة على وجود مصدر جديد للطاقة .
وحلل مناري وفريقه في العام 2011 عينات من صخور الوادي ووجدوا أنه منقسم إلى نصفين: الصخور على جانب نهر هيسجا والغنية بالزنك والحديد، والصخور على الجانب الآخر الغنية بالنحاس . وأثناء إحدى المهام في العام ،2012 أُعلن عن العثور على منجم مهجور للكبريت في الوادي . ويقول موناري: كان ذلك جديداً بالنسبة لي، فإذا كان للكبريت وجود في مياه وسط الوادي، فيعني ذلك أنه يشكل بطارية للطاقة .
ويرى موناري أن الحديد والزنك يشكلان القطب السالب، بينما يحول حمض الكبريتيك من المنجم النهر إلى ماء متحلل بالكهرباء، ما قد يفسر المجال الكهربي الغريب الذي قاسوه في العام 2010 .
وبعد دراسة الفكرة، توصل وزميله رومانو سييرا من جامعة بولونيا في إيطاليا إلى أن تياراً يتدفق بين جانبي النهر ربما يمكنه إضاءة مصباح كهربي .
وقال موناري إن جيولوجيا الوادي المتميزة تسهم في تكون الكرات الضوئية بطريقتين: الأولى أنها تزود الكرات المضيئة بالغاز المتأين، الذي يتكون عندما تتفاعل عوادم الكبريت مع هواء الوادي الرطب، والثانية أنها تساعد في تكوين مجال كهرومغناطيسي يمكن أن يؤدي إلى حركة الكرات بحرية في المكان، فهذا المجال ينشئ ممراً يمكن أن يكون بمثابة المسار الأساسي للضوء .
ويرى العلماء أنهم قاب قوسين من حل اللغز وفهم الآلية التي تتزود بها الكرات بالطاقة بما يسهم في صناعة أشباه لها في أي مكان وفي أي وقت، وقد يثمر ذلك في ابتكار طرق جديدة لتخزين الطاقة، بحسب هوج .