تمتلك الحيوانات والطيور والحشرات العديد من المهارات التي وهبها لها الله للتكيف مع الطبيعة ومواجهة الأخطار، ولكن قدرتها الخاصة على التخفي أبرزت مهارات تفوق تصور الإنسان، إذ تعتمد بشكل رئيس على مقوماتها الطبيعية التي تؤهلها للتخفي الكامل أمام الحيوانات الأخرى، مستخدمة أساليب متنوعة من الخداع البصري، بغرض التمويه للانقضاض على الفرائس، وكذلك لإبعاد الحيوانات المتوحشة عنها للبقاء في أمان لأكبر قدر ممكن من الوقت وسط مخاطر الطبيعة .
تتنوع الكائنات الحية القادرة على التخفي ما بين حيوانات، وطيور، وزواحف، وأسماك وحشرات، كما تبدع في طرق التخفي بدمج نفسها وسط الطبيعة لتتماثل معها تماماً، ويأخذ التمويه عدة أشكال، فعلاوة على التلون تتخفى عن طريق المحاكاة بالشكل أو التركيب للظواهر الطبيعية، أو باتباع طرق معينة مثل الدفن في التراب، وتتخفى أيضاً بكل دقة بحيث لا يمكن رؤيتها إلا بعد إرهاق شديد للعين .
كما أن هناك حيوانات تستخدم أساليب تخفي تتخذها حيوانات أخرى مثل العنكبوت، الذي يستخدم أسلوب الحرباء في التلون، ويستخدم حيلته الماكرة للاحتماء من الأعداء، وكذلك للانقضاض على فرائسه خاصة حينما لا يمكننا ملاحظته، وهو على جذع شجرة إذ يأخذ نفس شكلها، وهو الأسلوب نفسه الذي تتبعه أنواع عدة من السحالي حينما تتلون خلال ثوان معدودة بحسب ألوان ما يقع حولها من الطبيعة لتصبح جزءاً منها ويصعب تمييزها إلا عندما ترفع رأسها، فعلى سبيل المثال تخطف سحلية الذيل الورقي عقولنا حينما تتخفى وسط أوراق الأشجار الجافة بسبب التشابه المتطابق ما بين جسمها وأوراق هذه الأشجار، خاصة حينما تغمض عينيها، وتدع نفسها لتتدلى من على الأغصان وتقوم بحركة التواء ليصبح جسدها تماماً كشكل ولون الورقات وتقريباً بنفس حجمها إذ يبلغ طولها 7 سنتيمترات على الأكثر، كما تبدع عندما تؤدي حركات اهتزازية في شكل موجات لتبدو كورقة تتطاير مع تموج الهواء، حتى لا يشك بها الحيوانات والطيور الأخرى، وتكون أيضاً جاهزة لالتقاط الحشرات التي تسير أمامها في لحظات، والغريب أن لديها قدرة على الإحساس بشدة واتجاهات الهواء، لتقوم بعمل حركات لذيلها تتطابق مع تموجات ورقات الشجر الحقيقية، كما لديها القدرة على التلون في شكل رمادي وبرتقالي وأصفر وأخضر لتبدو بجميع ألوان الأشجار التي تختبئ بداخلها .
ولكن ليست السحلية وحدها التي يمكن أن تتخفى كأوراق الشجر، فهناك العديد من الحشرات التي بإمكانها محاكاة ألوان النباتات لتبدو بشكل مخيف، فهناك فراشة الورقة الميتة، والتي يتشابه جناحيها بأوراق الشجر الميت بني اللون خاصة حينما تكون ملقاة على الأرض وسط الأوراق الحقيقية، وتخفي أرجلها ورأسها لكي لا يكتشفها أحد من الأعداء، ولا يمييزها سوى فاصلة بيضاء رقيقة بين مفاصل جناحيها، كما أن هناك العنكبوت الطائر الذي لا يؤدي فقط دور المتخفي ولكن يتقن دور التمثيل ببراعة شديدة ويخدع الطيور التي تأتي خصيصا للبحث عنه في غابات استراليا، ويستخدم فضلاتها التي تسقط على أوراق الشجر، وسيلة للتخفي بالوقوف فوقها والتلون بلونها، حيث إن تلك الطريقة لا تمكن الطيور من التعرف إليه كما يمكنه المكوث على هذا الحال نهاراً بأكمله كما يتميز بقدرة على الثبات وضبط النفس حتى وإن جاء طير ووقف بجانبه . تتجلى مهارة التمثيل لدى حشرات البق التي تتظاهر بأنها نباتات خضراء، حيث تتمتع بذيل ورقبة يبدوان تماماً كورقة خضراء حسنة المظهر والتي تأتي الطيور أحياناً لتقف فوقها على أنها جزء يتدلى من غصن شجرة زاهية الألوان، كما تتفنن في شكلها من حين للآخر لتبدو بعض أجزائها متآكلة .
للطيور قدرة فائقة على التخفي، ولكنها لا تضاهي الزواحف والحشرات، ولكن يكسر طائر التاوني الاسترالي تلك القاعدة ببراعته في تجسيده لجذع شجرة بها قشور متغيره الألوان، وتالفة في بعض الأحيان، لذا فهو الطائر الوحيد الذي يطلق عليه الكائن المموه، بسبب ريشه الذي يشبه لحاء الخشب المتشقق، حيث يمضي أغلب وقته على جذوع الأشجار من دون حراك، ويفتح عينيه قليلاً ليراقب حركة الحشرات الصغيره التي يتغذى عليها، وهو يقضي معظم النهار في النوم لذا يحرص على أن يكون على جذع شجرة لكي لا تزعجه الحيوانات المتطفلة .
تعد الأسماك أبرع الكائنات على التخفي على الإطلاق، وتتخذ منه وسيلة للانقضاض اللحظي على فرائسها، وتتميز السمكة المسطحة بشكل انسيابي يساعدها على التخفي بدفن جسمها في رمال قاع البحر، التي تحمل لون يماثله تماماً، وبسبب بطئها الشديد في السباحة تعوضها مهارتها على التخفي في الهروب من الأعداء، إن اقتضت الضرورة، فهي معرضة بشكل دائم للهجوم، وعادة ما تغمض عينيها ولا تتحرك لساعات كي لا يفتضح أمرها .
الزهرة النحلة
تفوقت النباتات في التنكر بشكل مثير، ولكنها تتخذ منها وسيلة لأداء دورها في الطبيعة، فهناك العديد من أنواع الزهور في منطقة غرب البحر المتوسط تتشكل أوراقها وقلبها على هيئة نحلة تقف على زهرة بهدف جذب اكبر عدد من الذكور لامتصاص رحيقها ونشر اللقاح للنباتات الأخرى، ويلتصق اللقاح في تلك الحالة بأرجل النحل بمجرد وقوفه عليها، كما تطلق الزهور الفورمونات التي تجذب الذكور والتي تتماثل إلى حد كبير مع الفورمونات الحقيقية التي تطلقها أنثى النحل، وبمجرد اقترابهم منها يدركون أنهم وقعوا في فخ وتم استدراكهم لنحلة مزيفة، ولكنهم لا يتعلمون الدرس حيث يقفون مرة أخرى على رأس زهرة مماثلة منفذين الخطة العبقرية التي أتقنتها الزهور لتلقيح بعضها بعضاً .
الإنسان والتنكر
يمضي المصورون ساعات طويلة داخل البرية بهدف مراقبة حركة الحيوانات والطيور، ويحرصون على الظهور بشكل يمتزج مع الطبيعة المألوفة لدى تلك الحيوانات خوفا من هروبها منهم، أو مهاجمتها لهم، لذا يستوحون أساليب الحيوانات في التنكر، فيرتدون ملابس من جلود الحيوانات كما يستلقون على الأرض مستعينين بأغطية نباتية وكأنهم أحد أجزاء شجرة ضخمة، كذلك يموهون وجوههم بلون الأرض، وعلى شكل لحاء الأشجار حينما يتسلقونها، وأحيانا ما يرتدون ملابس على شكل حيوانات في حال رغبتهم في الاقتراب من بعض الحيوانات والإمساك بها .