إعداد: هديل عادل

نجحت دولة الإمارات عام 2017 في إدراج فن «العازي» في قائمة «اليونيسكو» للتراث الثقافي غير المادي للبشرية الذي يحتاج إلى صون عاجل، ويعد «العازي» ثامن عنصر من التراث الإماراتي الوطني يدرج على قوائم «اليونيسكو» للتراث العالمي، فقد سبق تسجيل كل من الصقارة، والعيالة، والتغرودة، والمجالس، والقهوة العربية، والرزفة، والسدو في ملفات وطنية وملفات دولية مشتركة مع دول أخرى، بالإضافة إلى إدراج مدينة العين كأول موقع إماراتي على قائمة التراث العالمي للبشرية، مما أكسب دولة الإمارات الريادة في قيادة الجهود الدولية والإقليمية في مجالات التعاون مع منظمة «اليونيسكو»، وعزز دورها الثقافي الواسع على المستوى العالمي.
تعتبر منطقة العين مثالاً يحتذى به كأول المواقع الإماراتية المدرجة على قائمة «اليونيسكو» للتراث العالمي للبشرية، ودليلاً على التزام وجهود «دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي» المستمرة لصون تلك المواقع التي لا تقدر بثمن والتي تجسد الغنى الثقافي والحضاري لتاريخ دولة الإمارات.
وتم إدراج مواقع منطقة العين التاريخية على قائمة التراث العالمي التابعة لمنظمة «اليونيسكو» عام 2011، لتميز المواقع الثقافية فيها وبشكل خاص الأهمية الجيولوجية والأثرية والتاريخية لمدافن جبل حفيت التي تمثل العصر البرونزي، والتجمعات البشرية الأثرية في منطقة هيلي، وآثار ما قبل التاريخ في بدع بنت سعود، وست واحات من بينها واحة العين ونظام الأفلاج، وتقف العين شاهدة على تفرد المنطقة الثقافي ومشهدها الطبيعي الذي يجمع بين الصحارى والجبال والواحات، وتكتسب أهميتها من موقعها الضارب في التاريخ على طرق التجارة التاريخية والتبادل الثقافي لشبه الجزيرة العربية، وكذلك قدرة سكانها التاريخيين على تحدي كل عوامل الطبيعة الصعبة، وبناء مجتمعاتهم والاستمرار بها منذ حقبة العصر الحجري الحديث وحتى يومنا هذا.
وترجع أهمية هذا الإنجاز إلى أنّ منطقة العين لا تزال تحافظ على صفاتها المحلية من المنظور العمراني، ويعود الفضل الأول في ذلك إلى رؤية المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيّب الله ثراه» مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة الذي أصدر مجموعة من القوانين واللوائح التي تضمن ذلك.

«العازي» و«العيالة»

يشكل إدراج فن «العازي» على قائمة الصون العاجل لمنظمة «اليونيسكو» في سبتمبر 2017 ثمرة من ثمار العمل البنّاء الذي تحرص عليه دائرة الثقافة والسياحة بالتعاون مع مختلف الجهات ذات الصلة، ويعتمد فن العازي على ترديد الأشعار الحماسية بشكل جماعي وبدون استخدام آلات موسيقية أو إيقاعية، وظهر منذ مئات السنين في ساحات المعارك، ويلقى شعر العازي اليوم في الاحتفالات والمناسبات الوطنية في دولة الإمارات، ويعود أصل هذا الفن إلى الاحتفالات بالنصر، حيث كان يُلقى في ساحة المعركة، ثم توارثته الأجيال عبر مئات السنين. ويتكوّن شعر العازي من أبياتٍ مقفّاة على غرار الشعر العربي التقليدي، مع اقتباس الأقوال المأثورة، والأمثال في بعض الأحيان، وتؤدي هذا الفن مجموعة من الرجال الذين يقودهم الشاعر الذي يمتلك صوتاً جهورياً مع مجموعته التي تردد معه، ويحمل أفراد الفرقة بنادق رمزية، ويصطفُّون خلف الشاعر الذي يحمل سيفاً رمزياً، ويضفي أسلوب النداء والجواب المستخدم في إلقاء شعر العازي إحساساً بالوحدة والتضامن، بينما ترمز الأسلحة الرمزيّة إلى الشجاعة.
أما العيالة فتعد من أكثر فنون الأداء الشعبية انتشاراً في الإمارات، ويعد تسجيلها في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لمنظمة «اليونيسكو» مؤشراً إيجابياً لدعم انتشار هذا الفن التراثي الأصيل، وزيادة مستوى الوعي بأهمية التراث الثقافي غير المادي على المستويات الأهلية والرسمية، ويؤدي هذا الفن الرجال والصبية الذين يحملون عِصي الخيزران، ويتحركون في انسجام مع إيقاع الطبول المنتظم، وتُقام عروض العيالة في حفلات الزفاف والمناسبات الوطنيّة والاحتفالات الأخرى.

فن الرزفة

ويجمع فن الرزفة الشعبي بين الشعر والرقص باستخدام عِصِي الخيزران الرفيعة، بينما اعتاد الناس في الماضي على استخدام السيوف والخناجر بدلاً من العِصِي في أداء هذا الفن، وانتشرت الرزفة في جميع أرجاء الإمارات، واجتازت المدن والمناطق الساحلية والجبلية، بعد أن كانت محصورة بين القبائل وسكان منطقة الظفرة غربي إمارة أبوظبي، ويؤدّى هذا الفن في المناسبات الاجتماعية والوطنية وحفلات الزفاف، حيث يعتبر شكلاً من أشكال الاحتفال وتعبيراً عن مشاعر الامتنان والبطولة، كما يؤدّى هذا الفن في مراسم استقبال كبار الشخصيات، ويقوم فن الرزفة بدور مهم في الحفاظ على الشعر التقليدي، إذ يؤلف الشعراء أبياتاً شعرية خاصة بعروض الرزفة لكل مناسبة على حدة، وتأكيداً على أهميته الشعبيّة والثقافيّة، أدرَجت «اليونيسكو» فن الرزفة عام 2015 في «القائمة التمثيليّة للتراث الثقافي غير المادي للبشريّة.»

الحياة البدوية

التغرودة أحد أنواع الشعر التقليدي الذي يلقي الضوء على جوهر الحياة البدوية ذات الصلة بالهجن والتنقل في الصحراء، وتعود أصول فن التغرودة إلى البيئة الصحراوية، والمناطق الجبلية، والقرى الريفية في دولة الإمارات كأحد أنماط الشعر المرتجل الذي يشدو به الحداة (ركاب الإبل والخيل) والرعاة، واليوم نجد هذا الفن منتشراً في أنحاء الدولة، كما أنه أحد العناصر التراثية المفضلة في الثقافة الإماراتية، ويتسم فن التغرودة بالإيجاز والبساطة فهو لا يحتوي على أوزان شعرية صعبة، وتغنى قصائده في حفلات الأعراس وسباقات الهجن والمهرجانات التراثية والوطنية.
وتبدو أهمية هذا الفن بالنسبة للإماراتيين في تعزيز الترابط الاجتماعي الذي يتم خلال تبادل هذه الأشعار، وأُدرِج فن التغرودة في العام 2012 ضمن القائمة التمثيليّة للتراث الثقافي غير المادي للبشرية التابعة «لليونسكو».
ويحتل السدو مكانة خاصة في المجتمع الإماراتي، حيث يعد من أبرز الحرف التي تلعب دوراً أساسياً في الحياة البدوية ومثالاً ملموساً يعكس مدى براعتهم وقدرتهم على التكيف مع بيئتهم الطبيعية، وتعد ممارسة النساء البدويات لهذه الحرفة مساهمة اقتصادية قيمة يقدمنها للمجتمع، ونظراً لأهمية حرفة السدو، تمكنت دولة الإمارات في العام 2011 من إدراجها في قائمة «اليونيسكو» للتراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صونٍ عاجل، ويعد السدو أحد أنواع النسيج البدوي التقليدي الذي يميز حياة وثقافة أهل البادية، ويستخدم في حياكة الخيام والسجاد ورِحال الإبل.

الصيد بالصقور

عرفت «الصقارة» في المنطقة العربية منذ 4000 سنة مضت، ومارسها البدو في بواديهم، لاسيما صحراء الإمارات وشبه الجزيرة العربية باعتبارها أحد أشكال الصيد المهمة في أرض شحيحة بالموارد الطبيعية، إلا أن دور الصقارة في المجتمع تغير مع الزمن، فأصبحت اليوم من أهم الرياضات التقليدية في دولة الإمارات، وترتبط رياضة الصيد بالصقور بالقيم النبيلة والشجاعة والفخر والمجد الذي تتسم به القيم العربية المرتبطة بهذه الرياضة، بالإضافة إلى صلتها بالحفاظ على الطبيعة والصيد المستدام، وروح الصداقة التي تربط بين الصقّارين، وأدرجت الصقارة في القائمة التمثيليّة للتراث الثقافي غير المادي في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» في 16 نوفمبر 2010، ومن أهم أهداف تسجيل الصقارة في «اليونيسكو»، زيادة الوعي على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي بقيمة الصقارة تراثاً وفناً إنسانياً عالمياً، وتشجيع الدول على تبني استراتيجيات وخطط عمل واضحة ومُحكمة لصون التراث الإنساني، ومنح الصقارة المشروعية وفق مبدأ الصيد المستدام، وبما أن الصقارة تراث إنساني مشترك في العديد من دول العالم، فقد بادرت دولة الإمارات ممثلة بدائرة الثقافة والسياحة بالتواصل مع عدد من الدول العربيّة والأجنبية لإعداد ملف مشترك بينها، يُرشح «لليونيسكو» لتسجيل الصقارة في القائمة التمثيليّة للتراث الثقافي غير المادي، وقدم الملف «لليونيسكو» بمشاركة 13 دولة عربية وأجنبية.

مجلس الحوار البناء

نظراً للأهمية الكبيرة التي يمثلها المجلس في حياة أفراد المجتمع، فقد قامت كل من الإمارات وعمان وقطر والسعودية بإدراجه ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية في «اليونيسكو» عام 2015، ويسمى المجلس في لهجة أهل الإمارات (الميلس)، وهو عبارة عن مكان تقليدي معد للجلوس؛ يتيح لمرتاديه من المواطنين والمقيمين فرصة الحوار والنقاش وتبادل المعلومات حول القضايا اليومية، ويعد المجلس جزءاً مهماً من حياة الإماراتيين الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وهو بمثابة المنتدى الذي يجمع أفراد المجتمع مع شيوخ القبائل وكبار السن لمناقشة القضايا المتنوعة والشؤون اليومية، ويتولى كبار السن وشيوخ القبائل إدارة المجالس التي يطلَق عليها اسم «البرزة»، ويسمّي مضيف المجلس «البارز»، وهو الذي يرأس المجلس، وأثناء هذه المجالس، يسمع المضيف الشكاوى والمطالب وغيرها من مشكلات الناس ويسعى لحلها، ويغلب على الموضوعات التي يتم طرحها في المجلس طابع الحوار البنَّاء الذي يتسم بالنزاهة والصراحة والشفافية.
وتعكس القهوة العربية التقاليد المرتبطة بأصالة تراث هذه المنطقة، ويعد تقديم القهوة من أهم تقاليد الضيافة في المجتمع العربي عامة والمجتمع الإماراتي خاصة، فضلاً عن كونها رمزاً للكرم، وظلت القهوة العربية تُشكل جزءاً أساسياً من الثقافة العربية على مدار قرون عدة، وتتميز طريقة تحضيرها وتقديمها بتقاليد وطقوس دقيقة، ويرتبط تقديم القهوة بآداب خاصة يلتزم بها من يقوم بتقديمها، ونظراً للأهمية الثقافية والتراثية التي تحظى بها القهوة العربية، فقد قامت كل من دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان وقطر بإدراج القهوة العربية عام 2015 ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية في منظمة «اليونيسكو».