العلم كلمة لم تعد عامل ميزة في شخصية الإنسان وحسب، وإنما أصبحت ضرورة ملحة في الحياة على اختلاف دور الإنسان فيها، هذه هي النظرة التي ارتسمت في عقول الناس فأصبح سؤال ما دراستك؟ من أول الأسئلة التعريفية التي يبادر الناس للسؤال عنها، ولكن ليس الناس جميعهم يعيشون بهذه التراتبية الحياتية من الطفولة إلى الدراسة ثم العمل، وإنما تتخلل حياتهم أشواك وصعوبات تفرض إشارات مغايرة للسير الطبيعي للحياة، وترك الدراسة ربما من أكثر تلك المفترقات التي تترك خلفها عواقب على بقية الطريق واتجاه المسير.

ترك الدراسة له أسبابه الكثيرة الشخصية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها والأسباب الاقتصادية هي العامل الأول والرئيسي الذي يسبب ترك الدراسة والاتجاه إلى العمل أو السفر أو الزواج وغيره الكثير، فقد تتحكم في الأمر كثرة الأولاد وعليه يكون عجز الأهل عن تعليم الجميع، ومن ناحية أخرى قد يقتضي الأمر التخلي عن الدراسة لمساعدة الأهل الفقراء، أو ليعيل الشاب نفسه وإن كان عدد الأولاد قليلاً، أو يضطر الأهل إلى إجبار الفتيات على ترك الدراسة من أجل الزواج والتخلص من مصاريف غير مقدور عليها، ومن هنا شكل الفقر الذي دفع لؤي للتخلي عن العلم من الصف التاسع والاتجاه إلى العمل تاركاً أحلامه كأحمال باتت مستحيلة أمام جدار الواقع العالي الذي لم يفسح المجال لها بالمرور معه، فموت والده قتل آخر أنفاس الحلم بالهندسة ليوقظ وجوب العمل لإعالة أمه وإخوته ودفع إيجار البيت ومصروفه، ويقول: حلمت بالهندسة منذ أن كنت صغيراً، ولكن وفاة والدي اضطرتني لترك المدرسة والعمل فقررت تعلم صنعة ما فاخترت صالون تزيين الشعر كخيار أفضل من غيره، واليوم بعد خمس سنوات أتمنى بشكل دائم العودة للدراسة حتى ولو في المنزل، فاشتريت الكتب ولكن لم يعد باستطاعتي المتابعة لأني نسيت الكثير من المعلومات وأصبحت بحاجة إلى مدرس وأنا لا أستطيع دفع تكاليفه، ولكن لن أرمي الكتب وسأحتفظ بها لعل الحياة تساعدني، وإن كان الأمل يحتضر لأن وضعنا المادي يتدهور يوماً بعد يوم من ناحية، والوقت غير موجود للدراسة من ناحية أخرى.

لؤي، واحد من هؤلاء الشباب التي أراقت أشواك الواقع دماء أحلامهم وطموحاتهم، فودعوها بهدوء والأمل يناقض نفسه بين الممكن والمستحيل.

أما ياسر فحاله لم تختلف كثيراً عن حال لؤي فكثرة الأولاد في المنزل وقفت حجر عثرة كبيرة أمام إكمال تعليمه فاضطر للاتجاه نحو البحر والعمل بالسفن متخلياً عن الشهادة الثانوية وهو على أبوابها ويقول: المثل يقول كلما ياريت عمرها ما كانت بتعمر بيت ولكن في الكثير من اللحظات أقول: ليتني لم أتخل عن الدراسة لأي سبب كان ولكن نحن سبعة أخوة في المنزل، وعندما تعلم أخواي الكبيران لم يستطع والدي تعليمي فاضطررت لترك الدراسة، ولكن لا أفكر اليوم مطلقاً في العودة للدراسة لأني أحببت عملي ويجب أن أنجح فيه.

ولكن الفتيات ضحايا مسبقة وقد يمتصصن المشكلة قبل أن تصل إلى أخوتهن الذكور، أي هن كبش الفداء في ترك الدراسة، فالذكور أحق بالتعليم من الإناث في حالة الفقر لأن الذكور مسؤولون عن أسرة في المستقبل. هذا ما قالته ابتسام التي تعمل في أحد المخابز وتقول: الفقر جعل أبي يقتصر في التعليم على الذكور فقط، باعتبار أن الإناث سيتزوجن، ولكن المشكلة عندما يحكم العمر (العنوسة) على إحداهن وعليه تضطر للعمل في أعمال ليست بالجيدة لأنها تحت رحمة الفقر والعنوسة والحاجة، فهل الوالد الفقير محق بهذه الخيارات؟

البعض الآخر يحاول البحث عن النجاح عندما يكون الفشل في التعلم والهرب إلى المجهول.

فغالباً من يرغب في ترك العلم والمدرسة من الطلاب هم أصحاب النتائج السلبية في دراستهم، وبالتالي يكون العمل المنقذ المنتظر منه أن يقدم شخصية جديدة للناس من جهة وقد تكون بالفعل رغبة الشاب في العمل أقوى من الدراسة من جهة أخرى، ولكن هل سيقدم المستقبل له هذه الصورة الحالمة؟ وإن كان ذلك هل يصح ترك المدرسة مبكراً دوناً عن رفاقه؟

غسان ترك المدرسة بعد فشله في تحصيل الشهادة الإعدادية واتجه للعمل لأنه لا يرغب في الدراسة ويأمل أن يقدم له العمل مالاً بعمر مبكر ليكوّن نفسه بسرعة ويقول: تركت المدرسة بعد أن رسبت بالشهادة الإعدادية لأنه ليست لدي رغبة في العلم بالرغم من حزن أهلي لأني فضلت العمل مبكراً، علماً أنني ما أزال أحتفظ بالكتب وأرغب أحياناً في الدراسة، لكني سرعان ما أعدل عن الفكرة لأني أعلم مسبقاً أني فاشل في العلم ولكن هل وجد غسان النجاح في العمل؟ يجيب: للعمل صعوباته، وأحياناً أتأمل بعمل ما ولا يتم ولكن أعتقد أني خلقت للعمل وليس للعلم.

العلم والعمل ليسا قراراً بيد الفتيات ورغباتهن، لأن الفتاة كما في جميع الأحوال تمشي وفق رغبات من حولها بالسلب أو الإيجاب، وترك المدرسة قرارات منزلية اقتضتها الحالة المادية السيئة أو التجاء الأهل لزواجها من أجل تخفيف العبء المالي على الأسرة من ناحية أو لتبدأ العمل كي تعيل أسرتها التي طلبت المساعدة من ناحية أخرى. وإذا كان ترك الدراسة برغبة من الفتاة أو نتيجة لعدم النجاح بالمدرسة، ألا يجب أن نسأل عن السبب؟ ولاسيما في مجتمعاتنا الشرقية التي قد لا تتابع سير دراسة الفتيات أو تجعل اهتمامهن منصباً على نواحٍ أخرى في الحياة؟ إلا أن النهاية التي نصل إليها هي أن الفتاة تركت الدراسة مبكراً مكتفية بالشهادة الإعدادية، بينما الشهادة الثانوية قد تكون سقف الطموح في منازل لا تسمح بدخول الفتيات إلى الجامعات وخاصة لمن كانت أوضاعهم الاقتصادية ليست على ما يرام.

ليلى (خياطة) تقول: الذكر قد يترك الدراسة ليعمل بما يريد ولكن الفتاة تترك الدراسة لتبقى الأعمال المتوفرة أمامها جداً ضئيلة، فلو أكملت دراستها لأمكنها العمل بوظائف مناسبة، ولكن ظروف الحياة تفرض ثقلها علينا فأنا أعيل أختي المقعدة ولم أجد سوى الخياطة عملاً مناسباً لي بعد ترك الدراسة في الصف الثامن على اعتبار أن الفتاة لا يجوز أن تكمل دراستها واليوم يؤثر الأمر في نوعية عملي.

أما ياسمين ففضلت الزواج على إكمال الدراسة أملاً في المتابعة في منزلها الزوجي ولكن لم تساعدها مشاكل الحياة والأعباء المنزلية والزوج أن تكمل، ولا يزال الموضوع غصة في حلقها تريد تعويضه بابنتها عندما تكبر، مؤكدة أن العلم يحصّن الفتاة من المجتمع وسلبياته، ويوفر لها ظروف حياة أفضل في حالة تأرجحت معها دفة الحياة.

هكذا نجد أن الأهل والزواج.. الحياة والصعوبات. المجتمع والعادات تكاتفت أمام الفتاة لتخلق لها كافة مبررات جلوسها في المنزل، وكأن العلم أصبح عيباً يجب تجنبه لأنه ينوّر العقول ويهابه الزمن ويجعل الفتاة تعرف ما لها وما عليها. ومن ناحية أخرى لتنمو الفتاة على جوانب اهتمامات محددة فتخلق بدورها العوامل الذاتية أو النفسية كالرغبة بعدم متابعة التعليم والفشل الدراسي.

وبانعدام الظروف المحيطة والتقصير في رعاية الوالدين تكتمل المعادلة لناتج واحد هو ضياع الأبناء، فمشاكل الأسرة تعد العمود الفقري والعامل النفسي الأول التي تدفع الأولاد لترك الدراسة سواء كانوا إناثاً أو ذكوراً، وعليه غياب الاستقرار الأسري يعني غياب الدافع والمتابعة، فإن كان الطلاق نتيجة والتفكك واقع فلن يكون وقت الدراسة ممتعاً والمتابعة على خير ما يرام، وعليه ليس أمام المراهق أثناء التعليم الأساسي أو الثانوي سوى الفشل بالتحصيل أو عدم الرغبة في المتابعة وبالتالي قد يكون الشارع الحضن الدافئ والمكان الأوسع للبحث عن الذات والهروب من حصرم الأهل.

الحالة لا تعمم على جميع الأهل والأبناء ولكن تبقى كالزيت على النار، فالعوامل الداخلية أقسى من الخارجية التي يمكن مواجهتها في بعض الحالات.

هبة لم تملك طموحاً في يوم من الأيام ولم تحزن لترك المدرسة في الصف العاشر لأن والديها كانا على خلاف دائم في المنزل إلى جانب أن أباها كان مريضاً، أي الجو العام في منزلها كان في حالة من التوتر الدائم، وغالباً ما كانت تتمنى أن ينفصل والداها ولكن بقي المنزل وبقيت المشاجرات اليومية غير المقبولة.

عامر يعترف بأنه ترك الدراسة بعد أن شكلوا شلة تعيش على التسلية واللهو، بينما همها الأكبر هو السيارات وغيرها من الأمور التي لا طائل منها، وعليه دفع 7 سنوات من حياته ثمناً لذلك، ولكنه قرر في النهاية أن يعود للدراسة والحصول على الشهادة الثانوية وبالفعل حصّلها ولكن بعد ضياع الكثير.