لقيت الدعوة التي وجهتها دار الإفتاء المصرية للأفراد والشركات والجمعيات الخيرية لتقديم زكاة المال والإعانات المادية للشباب الذين لا يملكون ما يستطيعون الزواج به لمساعدتهم في إتمام زيجاتهم ترحيباً واسعاً من علماء الإسلام.
وأوضح العلماء أن هذه الفتوى في حال تطبيقها تحقق مقاصد الإسلام في تحقيق الإعفاف للشباب غير القادر على الزواج، حيث تشير الإحصاءات إلى ارتفاع نسبة العزوبة بين الشباب والعنوسة بين الفتيات في الدول العربية كافة، وذلك نتيجة ضغوط اقتصادية صعبة فضلا عن ارتفاع تكاليف الزواج وتعسيره على كثير من الشباب بسبب المغالاة في المهور والالتزامات والأعباء المالية الصعبة.
كانت دار الإفتاء المصرية قد أصدرت بياناً شرعياً أجازت فيه للأفراد والشركات والجمعيات الخيرية تقديم زكاة المال والصدقات التطوعية للشباب من الجنسين الذين لا يملكون تكاليف الزواج لإعانتهم على الزواج وتوفير الحصانة والحماية لهم خاصة في هذا العصر الذي تعددت وتنوعت فيه صور الانحراف الأخلاقي نتيجة التأخر في سن الزواج وعدم توفير مقوماته المادية للشباب. وأوضح مفتي مصر الدكتور علي جمعة أن إخراج الزكاة كمساعدة لمن أراد الزواج وهو عاجز عن تكاليفه أمر جائز شرعا عند علماء الفقه الإسلامي حيث ذكروا أن من تمام الكفاية إعطاء الفقير من الزكاة ليصل إليه ما يأخذه ليتزوج به إذا لم تكن له زوجة.. وهذا ما فعله الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز الذي أمر مناديا ينادي في الناس ويقول: أين المساكين؟ أين الغارمون؟ أين الناكحون؟ (أي الذين يريدون الزواج)، ذلك ليعطيهم من بيت مال المسلمين.
العامل الاقتصادي
وأضاف المفتي: الإسلام يأمرنا بتيسير الزواج للشباب وإعانتهم على العفاف الكريم وحمايتهم من الانحرافات الأخلاقية، وكل وسيلة تساعد على تحقيق هذا الهدف الإسلامي هي مشروعة ونحن مطالبون بها. ولو بحثنا في أسباب عزوف كثير من الشباب الآن عن الزواج لوجدنا أن العامل الاقتصادي هو السبب الأول حيث أحاط الناس الزواج بأعباء والتزامات مادية ومظاهر شكلية فارغة تعوق كثيرا من الشباب عن الزواج وتجعلهم فريسة للأمراض النفسية والمشكلات الاجتماعية والانحرافات الأخلاقية خاصة في هذا العصر الذي تتعدد وتتنوع فيه صور الفساد والانحراف في كل مكان ولا ينجو منها إلا الشاب الذي أحسنت تربيته واحتمى بقيم الإسلام وأخلاقياته وتجنب كل أساليب الانحراف وابتعد عن أصدقاء السوء.
وينبه الدكتور علي جمعة إلى أمر مهم وهو أن الزواج مسؤولية وأعباء نفسية واجتماعية واقتصادية، ولا يكفي أن نزوج شابا من موارد الزكاة ثم نتركه هو وزوجته بدون مورد يعيشان منه، فالشاب الذي نساعده على الزواج ينبغي أن يكون له مورد رزق يعيش منه، لأننا كثيرا جدا ما نساعد شابا غير قادر على الزواج ثم نتركه لا يجد أبسط مقومات الحياة التي يعيش منها هو وزوجته، ولا ينبغي أن نحل مشكلة بمشكلة أخرى، وهنا لابد من أن يتكاتف القادرون في المجتمع لتوفير فرص عمل مناسبة لهؤلاء الشباب إذا ما عجزت الدولة عن ذلك، فالزواج مسؤولية.
والزوج مكلف شرعا بالإنفاق على زوجته فكيف ينفق عليها وهو عاجز عن الإنفاق على نفسه؟.. من أجل هذا نؤكد على توفير فرصة عمل للشباب غير القادر على الزواج قبل تزويجه.. والفتوى التي صدرت عن دار الإفتاء لا تحث على تزويج شاب عاطل وتركه بلا مورد رزق، بل هي تخص في الأساس الذين يعملون ودخولهم المادية لا تكفي احتياجاتهم الضرورية لكي يعيشوا كرماء أعزاء بين الناس ولكن لا توجد لديهم مدخرات يتزوجون منها.
هدر يغضب الله
الدكتورة عزة كريم أستاذة علم الاجتماع ترحب بفتوى دار الإفتاء المصرية والتي تحث الأفراد والجمعيات على توجيه زكواتهم ومساهماتهم المادية لتزويج الشباب غير القادر على الزواج وتقول: في مجتمعاتنا العربية والإسلامية فقراء لديهم الرغبة في الزواج وتحول إمكانات مادية بسيطة دون تحقيق رغباتهم.. فكثير من الشباب لم يتزوج لأنه لا يجد المسكن الذي يؤويه هو زوجته، وهناك شباب لديه المسكن ولا يجد تكاليف الزواج، بل هناك فتيات فقيرات فشلت زيجاتهن بسبب عدم القدرة على شراء ثلاجة أو غسالة.
هؤلاء الشباب من الجنسين هم الذين ينبغي أن يرعاهم القادرون خاصة إذا ما كانت الدولة عاجزة عن توفير احتياجات الزواج المادية لهم.
وبصوت مليء بالحزن والغضب تقول الدكتورة عزة كريم: لدينا في البلاد العربية عشرات الآلاف من الأثرياء بعضهم أو كثير منهم يهدر الملايين من أمواله على أمور تافهة تجلب غضب الله وسخط الناس وحقدهم عليه، فالملايين التي تنفق على حفلات الزواج من الفنانات، والملايين التي تهدر في رحلات سياحية وترفيهية، والملايين التي تهدر في مظاهر سفه تعمق الشعور بالغضب والاستياء عند الفقراء ومحدودي الدخل.. هذه الملايين لو وجهت إلى تزويج الشباب وتوفير فرص عمل لهم لنال أصحابها رضا الله ورضا الناس وارتاحت ضمائرهم لأنهم يقدمون خدمة حقيقية لمجتمعاتهم ويقومون بواجب المسؤولية الاجتماعية والإنسانية.
وتنبه الدكتورة عزة كريم هنا إلى جانب نفسي واجتماعي مهم وهو ضرورة تقديم المساعدات لهؤلاء الشباب غير القادرين على أعباء الزواج المادية في صورة كريمة وتقول: لا ينبغي أن نهين هؤلاء الشباب من خلال استضافتهم في برامج تلفزيونية أو التشهير الإعلامي والاجتماعي بهم، بل ينبغي أن نقدم المساعدات في صور عينية.. فمن يحتاج مسكنا يتزوج فيه نقدم له المسكن بشكل كريم، ومن يعجز عن تأثيث المسكن نقدم له أثاث هذا المسكن في صورة هدية.. فمن الضروري أن نحافظ على كرامة شبابنا حتى لا يبدؤون حياتهم الزوجية وهم يشعرون بالإهانة.
تحية لدولة الإمارات
الداعية والفقيه الدكتور أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر يبدأ تعليقه على فتوى دار الإفتاء المصرية بتوجيه التحية لدولة الإمارات العربية التي وفرت مقومات الزواج لكل شاب يريد أن يتزوج وتحويل إمكاناته المادية دون ذلك.. وقال: واجبنا أن نوجه التحية لهذه الدولة التي تقوم بواجبها الاجتماعي تجاه مواطنيها على الوجه الأكمل.. فحسب معلوماتي أنها أنشأت صندوقا اجتماعيا يقدم منحاً للشباب الذي يريد الزواج، وهذا الدور الاجتماعي كانت تقوم به الدولة الإسلامية في العصور الإسلامية الأولى، فالزواج ضرورة دينية واجتماعية وعفة وإحصان وواجب الدولة وفقا لظروفها أن تعين الشباب عليه.
أوضح الدكتور هاشم أن الإسلام دعا إلى الزواج وحث عليه ورغّب فيه لكل من كان مستطيعاً قادراً عليه وعلى مؤنه لأن في الزواج عصمة للشباب من الوقوع في الخطيئة، وحفاظا على خطاه من الانزلاق في وحل المعصية والرذيلة، وفيه حفظ للعين من النظر إلى ما حرم الله، فالنظر سهم مسموم من سهام إبليس لعنه الله، وفي الزواج حصانة للشرف وحماية للأخلاق.. ثم هو إلى جانب هذا فيه المودة والسكن والرحمة والسعادة والطمأنينة، وفي الزواج أيضا انتشار وإكثار للنوع الإنساني وحفظه، وهو طريق العفة، وقد أرشد الله تعالى العاجزين عن مؤن الزواج إلى العفة ووعدهم بعد ذلك إن عفوا أنفسهم أن يغنيهم من فضله، لأن فضله أولى بأهل العفة الصالحين.. فقال سبحانه: وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله، والإسلام يوجه من لا يستطيع الزواج بسبب عجزه عن توفير متطلباته المادية إلى الصوم، فالصوم من أهم وسائل الاستعفاف لأنه يكسر الشهوة ويكف صاحبه عن انتهاك الحرمات، وفيه مجاهدة للشهوات والأهواء، وبالصيام يتعود الإنسان على الفضائل والبعد عن الرذائل لأنه يهدف إلى تقوى الله عز وجل.
ولكن مادام في أيدي القادرين الذين أنعم الله عليهم بالمال الوفير أن يوفروا الحماية الأخلاقية ويدخلوا السعادة على هؤلاء الشباب البائس العاجز عن توفير متطلبات الزواج المادية.. فلماذا لا يفعلون ذلك؟
ويضيف الدكتور هاشم: إن إعانة الشباب على الزواج من أفضل القربات إلى الله، ويجب على كل القادرين أن يعلموا ذلك وأن يبادروا إلى تقديم زكواتهم وصدقاتهم التطوعية لمساعدة الشباب على الزواج.
صناديق اجتماعية
الدكتورة سعاد صالح أستاذة الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر والداعية المعروفة ترحب هي الأخرى بفتوى دار الإفتاء وتؤكد ضرورة أن يتوجه جزء من موارد الزكاة المتعددة والمتنوعة لتزويج الشباب وتطالب بإقامة صناديق اجتماعية في كل البلدان العربية لمساعدة الشباب على الزواج، وأوضحت أن الزواج كما هو ضرورة دينية هو ضرورة نفسية واجتماعية أيضا، وقد انتشرت كل أنواع التجاوزات الأخلاقية بسبب التأخر في الزواج.
وتطالب الدكتورة سعاد صالح بحملات دينية وإعلامية على آفات اجتماعية شاذة وغريبة تقف في طريق تزويج الشباب من الجنسين حيث ارتفعت معدلات العنوسة بين الفتيات في كثير من البلدان العربية وارتفعت أيضا معدلات العزوبة بين الشباب، وهناك إحصاءات مرعبة تؤكد أن مجتمعاتنا العربية معرضة لمخاطر اجتماعية كثيرة، نتيجة عدم تيسير الزواج للراغبين فيه.
وتصف الدكتورة سعاد صالح ظاهرة المغالاة في المهور والإسراف في حفلات الزواج بأنها معصية لله ورسوله وتطالب كل الآباء وكل الأسر بأن تتوب عنها وتقول: ما ينفق على حفلات الأفراح التي تهدر عشرات أو مئات الآلاف وربما الملايين يؤكد استهانتنا بنعم الله ويكشف عن جهلنا بتعاليم وأخلاقيات ديننا.