الشارقة: محمد الماحي
التزوير هو إلباس الباطل ثوب الحق، ما يؤدي إلى تغيير الحقيقة واضطراب الثقة في التعامل بين الأفراد في المجتمع، ولذا تعد جرائم التزوير من الجرائم الخطرة لما فيها من عدوان على سلطات الدولة، وعلى مصالحها المادية فضلًا عن الإضرار بمصالح الأفراد.

وقد أصبحت أساليب التزوير على اختلافها تشكل خطراً على كل المصالح على مستوى القطاعين العام والخاص، وباتت أغلب المعاملات بين الناس لا تخلو من أسلوب التزوير، ما أصاب القطاعين بتفشي الظاهرة، وأحياناً قد يكون المجرم المزور ذا مكانة رفيعة في المجتمع، وقد دونت السجلات الشرطية الكثير من بلاغات التزوير بجانب اشتباه المحكمة في عدد من المستندات التي تقدم إليها من قبل المحامين للدفاع عن المتهم، أو تقديم مستند اتهام لإثبات الجريمة على المتهم وإيقاعه في يد العدالة.
وتعد «جريمة تزوير المستندات الرسمية» من الجرائم الخطرة التي تهدد المواطن والدولة وتؤدي إلى فقدان الثقة فيهما، ولدى كل فرد عدد من الشهادات والمستندات المهمة في حياته، وإن تعرضها للتزوير يعني انفجار كوارث لا حصر ولا عد لها وسط الأبرياء، ويمكننا أن نقول إنه لا رادع لضعاف النفوس الذين تسول لهم أنفسهم ارتكاب جريمة التزوير إلاّ بوضع عقوبة رادعة، فالوسائل الذكية وحدها لمكافحة التزوير لا تكفي، فكلما تطورت وسائل المكافحة تطورت وسائل الجريمة، والجرائم الإلكترونية من الجرائم التي بدأت في الظهور في عالمنا منذ وقت ليس بالبعيد؛ إذ انتشر هذا النوع مع التطور الكبير في التكنولوجيا وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي؛ ما أدى إلى الحاجة لإصدار نظام يحدُّ من هذه الجرائم التي لم تكن معروفة فيما مضى.
وأبشع جرائم التزوير التي وقعت خلال الفترة الماضية كانت قيام أربعة موظفين حكوميين، باستغلال مناصبهم في بيع أسماء مستخدم وكلمات سر لحسابات وهمية غير موجودة، ومنحوها لمكاتب طباعة لاستغلالها في إنجاز نحو 21 ألف معاملة مقابل رشوة تجاوزت أربعة ملايين درهم.
تعود تفاصيل القضية إلى أن المتهم الأول يعمل في وحدة الدعم والرقابة في إحدى الدوائر الحكومية الاتحادية، التي يقع ضمن صلاحيتها منح الأشخاص الراغبين اسم مستخدم وكلمة مرور من أجل إتمام عمليات خاصة بالشركة الراغبة في تلك الخدمة من دون اللجوء إلى مراجعة تلك الجهة أو مراكز الخدمة، وكان المتهم الرابع يعمل في إدارة تقنية المعلومات لدى الجهة ذاتها، واستغل الصلاحية الممنوحة له في إنشاء أسماء مستخدمين وكلمات مرور، وربط تلك الأسماء بالشركات من أجل إنجاز المعاملات وإعطائها للمتهم الأول، ما أتاح للأخير الولوج إلكترونياً إلى موقع الجهة الحكومية، وإنشاء حسابات وهمية لشركات غير موجودة زود بها مكاتب طباعة، تمكنها من الاستفادة من خدماتها دون وجه حق.
وبحسب شهود الإثبات خلال تحقيقات النيابة، فإن الجهة الحكومية سعياً منها للتميز في خدماتها، تمنح أصحاب الشركات في بعض الحالات اسم مستخدم ورقماً سرياً مسجلين للولوج إلكترونياً عبر نظامها لتقديم طلباته إلكترونياً.
وردت شكاوى لتلك الجهة من أصحاب شركات تفيد بعدم قدرة موظفيها على الدخول إلكترونياً لتسجيل طلبات شركاتهم، واكتشافهم تقييد أسماء شركات أخرى، وإنجاز معاملاتهم عبر اسم المستخدم الخاص بهم والرقم السري، وبناء على ذلك، تم التدقيق على تلك المعاملات، وتبينت صحة الشكاوى.
وأوضحت التحقيقات أن المتهمين الأول والرابع زودا المتهمين الثاني والثالث بتلك البيانات، وتمكنوا من التلاعب بالمستندات الرسمية، وحصلوا مقابل ذلك على 200 درهم رشوة عن كل معاملة إلكترونية تم إدخالها في النظام بواقع 20 ألف درهم و927 معاملة، بإجمالي أربعة ملايين و185 ألف درهم
قضت محكمة الجنايات بالسجن ثلاث سنوات وغرامة أربعة ملايين و335 ألفاً و400 درهم بحق المتهمين.